في أربع وعشرين ساعة انتقل السؤال الأمريكي حول طهران من سطح حاملة طائرات في بحر العرب إلى فم صانع القرار في واشنطن، فخرج الجواب منقسمًا على نفسه، حين خيّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران صباح الأحد عبر “فوكس نيوز” قائلًا: “هل أنهي الأمر، وهو أمر سهل جدًا، أم أبرم اتفاقًا؟”، قبل أن ينفى للصحفيين قبيل مغادرته إلى ميشيجان بقوله: “الجواب لا، لن تكون هناك ضربة اليوم”، طاويًا تلميح السفير الأمريكي لدى تركيا توم باراك بضربة وشيكة.
يمثل هذا التذبذب السريع نمطًا متكررًا في سياسة البيت الأبيض؛ إذ تراجع ترامب عن ضرب إيران سبع مرات خلال أربعة أشهر، غير أن تواصل الحشود لتبلغ ثلاث حاملات طائرات وقوات خاصة بحلول نوفمبر، يوحي بأن تأجيل الهجوم قد يكون غطاءً لاستكمال الاستعداد القتالي.
أمر كبير على متن “جورج واشنطن”.. هل حسم ترامب قرار إيران؟
رواية إيران لتهديدات ترامب.. عقدة الضربة الأخيرة
في هذه المسافة بين الحشد والقرار، يقدم مدير مركز الدراسات الاستراتيجية الإيرانية العربية د. مصدّق بور رواية طهران في تصريحات خاصة لـ”مصراوي“، مؤكدًا أن بلاده تأخذ التهديدات بجدية لأن التصعيد يشير إلى أن “أمرًا ما سيحدث”، محذرًا من سعي ترامب لتوجيه ضربة مفاجئة ثم الطلب عبر وسطاء عدم الرد ليعلن نفسه منتصرًا، فيما يصفه بـ”عقدة ترامب” التي ترفض إيران منحه إياها.

هذا التوجس يُفسر ما ينقله مصدّق بور عن حديث واشنطن ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن “حرب محدودة لمدة ثلاثة أيام أو 72 ساعة” هربًا من الاستنزاف.
وتتقاطع هذه القراءة مع ما كشفه “مركز صوفان” من أن خطط قصف الطاقة ودراسة إلقاء قنبلة “أم القنابل” على موقع “جبل المعول” تهدف لتمهيد إعلان نصر أحادي، وهو يتوافق مع ما رأته الباحثة المشاركة في معهد “تشاتام هاوس” جولي نورمان عبر “الجزيرة” بشأن الحشد الذي يجمع بين الردع السريع وخيار الضربة بعد الانتخابات دون إجابة عما ستحققه غارة جديدة.
الخطأ الاستراتيجي.. فخ النفط وموقع مصر والعرب
عند الانتقال إلى الدوافع، يرى مصدّق بور، في حديثه لـ”مصراوي“، أن “أهداف ترامب الحقيقية من هذه المعركة هي السيطرة على الطاقة وإنقاذ الاقتصاد الأمريكي” وانتزاع “من تريليون إلى تريليونين” من الخليج وموازنة الصين؛ ولذلك يحذر طهران من أن ضرب آبار النفط يمثل “خطأً استراتيجيًا” يخدم واشنطن ويُشعل حربًا بين إيران والعرب لصالح إسرائيل، داعيًا إلى حكمة تجنب بلاده التوتر مع الخليج ومصر وتفوّت على ترامب الاستغلال.
إلا أن فرضية ترحيب واشنطن بغلاء الطاقة تصطدم بوقائع السوق؛ فقد قفز خام برنت الجمعة فوق 117 دولارًا للبرميل مسجلًا ذروته منذ أبريل بعد تداوله قرب 72 دولارًا في فبراير، ما منح الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما ورقة لمهاجمة حرب ترامب بسبب غلاء النفط والديزل، كما تأكدت الأحد إشارة مصدّق بور إلى أزمة الديزل “الغازول” ومقايضة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإشادة ترامب بصفقة الديزل مع روسيا ووعده بهبوط الأسعار فور انتهاء الصراع.
من مضيق هرمز إلى كابلات الإنترنت والوساطات
ولا يقف الصراع عند النفط، إذ يشدد مصدّق بور على تراجع الملف النووي أمام معركة مضيق هرمز، كاشفًا عن صواريخ أبعد مدى، وتوجه طهران لشل “شبكات الإنترنت” وضرب “استثمارات ترامب في مجال الذكاء الاصطناعي”. وهو ما يتطابق مع تحذير أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي من ضرب الكابلات البحرية ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي في سبع دول خليجية، وتهديد الحرس الثوري عبر “بي بي سي عربي” بأن الصراع “سيمتدّ إلى قواعده في المنطقة” مع التمسك بالإشراف على العبور.

ورغم حدة التهديدات، تترك طهران باب التفاوض مفتوحًا؛ إذ استقبلت الأحد وفد وساطة قطريًا بالتنسيق مع واشنطن وفق “رويترز”، غداة مقترح عبر وسطاء باكستانيين لفتح هرمز مقابل رفع حصار الموانئ وتأكيد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي استمرار الرسائل.
وميدانيًا في المضيق، تتضارب الروايات؛ إذ اتهم ترامب طهران باختلاق أنباء الهجمات بدعوى أن تدفق النفط فاق مستويات ما قبل الحرب، في حين أشارت “الجارديان” إلى غياب تحقق مستقل من إعلان الحرس الثوري إصابة سفن تجارية. لكن الباحثة في “معهد واشنطن” نعوم ريدان وثّقت 28 هجومًا بحريًا في أكتوبر، ورصدت تعافيًا جزئيًا فقط لصادرات البصرة العراقية إلى ما بين 2.4 و2.6 مليون برميل يوميًا في سبتمبر، بعدما هبطت إلى أقل من مليون برميل في مارس.
حسابات الصناديق.. من تصعيد الخليل إلى قيد الكونجرس
بعيدًا عن البحر، يربط مصدّق بور نُذر الحرب بموعدين انتخابيين؛ أولهما انتخابات الكنيست في 27 أكتوبر، حيث يخشى نتنياهو صواريخ إيران ويواجه قيدًا أمريكيًا وانضباطًا من “حزب الله” في لبنان فيتجه لتفجير الضفة الغربية متذرعًا بعملية الخليل، وهو ما عززه توجيهه الجيش لإسقاط النظام الإيراني وفق “فورين بوليسي” بالتزامن مع إغلاق الخليل وتهجير أكثر من 2,670 فلسطينيًا قسريًا.
وفي المقابل، تضغط انتخابات الثالث من نوفمبر على واشنطن؛ إذ يوضح مصدّق بور أن خسارة الجمهوريين المتوقعة ستقيد أي حرب يشنها ترامب بمهلة الستين يومًا الرئاسية فور انعقاد الكونجرس الجديد في الثالث من يناير، ما يفسر استعجال الحشد مطلع نوفمبر وفق “الجارديان”، بينما رفعت قمة ثماني دول أوروبية وشرق أوسطية في إسطنبول، بينها مصر والسعودية وتركيا وباكستان، كلفة الحرب بدعوتها لعدم تجديد الهجمات.

جغرافيا إيران وحدود حرب الـ72 ساعة
ومع تشابك هذه الضغوط، يلتقي رهان مصدّق بور على صمود حكم ممتد منذ 47 عامًا في بلد مساحته مليون و600 ألف كيلومتر مربع يحصن جبهته الداخلية ضد الجماعات الانفصالية، مع استبعاد ترامب للتدخل البري بسبب طبيعة إيران الجبلية. ولذلك يلخّص ما حدث يوم الأحد مفارقة الأزمة: تهديد وتراجع في ساعات، ووسطاء في طهران، ونفط عند ذروة ستة أشهر. ويبقى أن الحرب التي تحسبها واشنطن باثنتين وسبعين ساعة، تحسبها طهران بعمق الجغرافيا وبقاء الحكم.
تحذر الرواية الإيرانية من ضرب آبار النفط لأنه سيكون خطأً استراتيجيًا يخدم واشنطن ويشعل حربًا بين إيران والعرب لصالح إسرائيل
لا تزال طهران تترك باب التفاوض مفتوحًا، وقد استقبلت وفد وساطة قطري بالتنسيق مع واشنطن كما جرت رسائل أخرى عبر وسطاء باكستانيين بشأن هرمز
يتحدث مصدّق بور عن مضيق هرمز وشل شبكات الإنترنت وضرب استثمارات الذكاء الاصطناعي والكابلات البحرية ومراكز البيانات ضمن خيارات التصعيد


