تترقب البحرين حزمة دعم مالي خليجية جديدة تقودها الإمارات العربية المتحدة، في وقت تواجه فيه المملكة ضغوطًا اقتصادية متزايدة، مع ارتفاع الدين الحكومي وتراجع احتياطيات النقد الأجنبي بأكثر من النصف منذ مارس 2026، وسط توقعات بانكماش حاد للاقتصاد خلال العام الجاري.
وتتزامن هذه التطورات مع ارتفاع أعباء الاقتراض واضطراب إنتاج الطاقة وحركة التجارة عبر مضيق هرمز، ما يزيد التحديات المرتبطة بإدارة الالتزامات المالية والحفاظ على ثقة المستثمرين.
الدين الحكومي يبلغ 152.4% من الناتج المحلي
تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الدين الحكومي البحريني سيبلغ نحو 152.4% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2026، لتظل المملكة ضمن الاقتصادات الأعلى مديونية قياسًا بحجم اقتصادها.
وتتفق هذه المستويات مع توقعات الصندوق، الصادرة في أكتوبر، بانكماش الاقتصاد البحريني بنسبة 11.3% خلال العام الجاري، نتيجة الاضطرابات التي أثرت في إنتاج الطاقة والتجارة الإقليمية.
ويزيد الانكماش المتوقع صعوبة إدارة المالية العامة، في ظل الضغوط على الإيرادات الحكومية والحاجة إلى الوفاء بالالتزامات القائمة وإعادة تمويل الديون المستحقة.
وكان صندوق النقد الدولي قد حذر، في تقييم أصدره خلال يناير 2026، من أن تأخر إجراءات ضبط المالية العامة أو عدم كفايتها قد يفاقم المخاوف بشأن استدامة الدين ويزيد تحديات التمويل.
احتياطيات النقد الأجنبي تتراجع 54% منذ مارس
أظهرت بيانات مصرف البحرين المركزي انخفاض موجوداته من النقد الأجنبي، باستثناء الذهب، بنحو 54% مقارنة بمستويات مارس 2026، رغم التحسن المسجل خلال سبتمبر الماضي.
وبلغت الموجودات الأجنبية 886.6 مليون دينار بحريني، بما يعادل نحو 2.36 مليار دولار في سبتمبر، مقابل 1.58 مليار دولار في أغسطس، ونحو 5.17 مليار دولار في مارس.
ويعكس هذا التراجع استمرار الضغوط على السيولة الأجنبية، ما يعزز الحاجة إلى مصادر تمويل إضافية لدعم الاحتياطيات ومواجهة الالتزامات الخارجية.
وفي إطار التعاون النقدي بين البحرين والإمارات، وقّع المصرفان المركزيان في أبريل 2026 اتفاقية لمبادلة العملات بقيمة اسمية تقارب 5.4 مليار دولار.
وتتيح الاتفاقية لكل طرف الحصول على عملة الطرف الآخر وفق شروط محددة، بما يدعم السيولة عند الحاجة، دون أن يعني ذلك إضافة كامل القيمة الاسمية للاتفاقية بصورة فورية إلى الاحتياطيات.
السندات البحرينية تتعرض لضغوط في الأسواق الدولية
انعكست المخاوف بشأن مستويات الدين وتراجع الاحتياطيات على السندات السيادية البحرينية، التي شهدت موجة بيع مطلع أكتوبر، قبل أن تستعيد جانبًا من خسائرها خلال الأسبوع الأخير.
وأعادت هذه التطورات إلى الأذهان الأزمة المالية التي شهدتها البحرين عام 2018، وانتهت بإقرار حزمة دعم خليجية بقيمة 10 مليارات دولار.
وتزيد اضطرابات حركة النقل والتجارة عبر مضيق هرمز الضغوط على الاقتصاد البحريني، خاصة في قطاعات تكرير النفط والتصنيع والخدمات اللوجستية والسياحة.
وتؤدي زيادة تكاليف النقل والتأمين وتعطل بعض الإمدادات إلى ارتفاع النفقات التشغيلية للشركات، بما يؤثر في النشاط الاقتصادي والاستثمار، رغم تنوع مصادر الدخل غير النفطية في المملكة.
مروة الشافعي: البحرين تواجه اختبارًا للاستدامة المالية
وترى الدكتورة مروة الشافعي، الخبيرة الاقتصادية، أن التطورات الأخيرة تمثل اختبارًا لقدرة البحرين على تحقيق التوازن بين تلبية احتياجاتها التمويلية العاجلة ومعالجة الاختلالات الهيكلية في المالية العامة.
وأوضحت أن تقييم مخاطر الدين الحكومي لا ينبغي أن يعتمد على نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي وحدها، بل يجب أن يشمل تكلفة الفوائد، وآجال الاستحقاق، وحجم الالتزامات بالعملات الأجنبية، وقدرة الاقتصاد على توليد إيرادات كافية للوفاء بها.
وأشارت إلى أن تزامن ارتفاع المديونية مع انكماش النشاط الاقتصادي يزيد تعقيد الأزمة، إذ قد ترتفع نسبة الدين إلى الناتج المحلي نتيجة تراجع حجم الاقتصاد، حتى دون زيادة الالتزامات بالمعدل نفسه.
وأضافت أن تقييم كفاية احتياطيات النقد الأجنبي يتطلب النظر إلى قدرتها على تغطية الواردات واستحقاقات الدين الخارجي والالتزامات قصيرة الأجل، بدلًا من الاكتفاء بمقارنة الأرصدة الشهرية.
الدعم الخليجي قد يخفف ضغوط السيولة والاقتراض
وأكدت الشافعي أن حزمة الدعم الخليجية المرتقبة يمكن أن توفر للبحرين مساحة مالية تساعدها على إدارة التزاماتها، وتحد من حاجتها إلى الاقتراض بتكلفة مرتفعة، فضلًا عن تهدئة مخاوف المستثمرين.
وأضافت أن فاعلية المساندة المالية ستعتمد على حجم الحزمة وشروطها وتوقيت توفيرها، ومدى ارتباطها بإصلاحات تستهدف رفع كفاءة الإنفاق وتعزيز الإيرادات غير النفطية.
وشددت على أن الدعم الخارجي قد يوفر فرصة لاحتواء الضغوط العاجلة، لكنه لا يمثل بديلًا عن معالجة أسباب الاختلالات المالية، خصوصًا في ظل استمرار احتياجات إعادة التمويل.
هل تمتد تداعيات الأزمة إلى الأسواق الخليجية؟
وأشارت الشافعي إلى أن استمرار الضغوط على السندات البحرينية قد يؤثر في تقييم المستثمرين للمخاطر داخل أسواق الدين الخليجية، إلا أن حجم التأثير سيختلف بين الدول تبعًا لأوضاعها المالية واحتياطياتها النقدية وتصنيفاتها الائتمانية.
وأوضحت أن الدعم الإقليمي يمكن أن يسهم في تعزيز الثقة والحد من انتقال المخاوف بين الأسواق، دون أن يعني ذلك تشابه مستويات المخاطر المالية بين اقتصادات مجلس التعاون الخليجي.
ولفتت إلى أن ارتفاع أسعار النفط عالميًا لا يضمن استفادة جميع الاقتصادات المنتجة بالدرجة نفسها، إذ تتوقف المكاسب على استمرار الإنتاج والتصدير، وتكاليف التشغيل، ومدى تأثر الأنشطة غير النفطية باضطرابات التجارة.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الاقتصاد البحريني
وحددت الشافعي ثلاثة سيناريوهات محتملة لمسار الاقتصاد البحريني خلال المرحلة المقبلة.
ويتمثل السيناريو الأول في حصول البحرين على دعم خليجي كافٍ لتغطية احتياجاتها التمويلية العاجلة، بالتزامن مع تحسن الأوضاع الإقليمية واستقرار إمدادات الطاقة وحركة التجارة، ما قد يسهم في تخفيف الضغوط على الاحتياطيات والسندات واستعادة ثقة المستثمرين.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على تقديم المساعدات بصورة تدريجية أو بقيمة محدودة، مع استمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض وضعف النشاط الاقتصادي، ما قد يؤدي إلى تحسن مؤقت في السيولة دون معالجة التحديات المرتبطة بالدين وإعادة التمويل.
ويرتبط السيناريو الثالث بتأخر وصول الدعم واستمرار الاضطرابات الإقليمية، بما يزيد الضغوط على الاحتياطيات وتكلفة الاقتراض، ويفرض تحديات إضافية أمام الحكومة في الوفاء بالتزاماتها المالية.
وأكدت أن تحقق أي من هذه السيناريوهات يتوقف على حجم المساندة الخليجية وتوقيت تقديمها، إلى جانب مسار الإصلاحات الاقتصادية وتطورات أسواق الطاقة.
الإصلاح المالي شرط لتحقيق الاستقرار المستدام
وشددت الشافعي على أهمية استغلال أي دعم خارجي في تنفيذ برنامج إصلاح مالي متوسط الأجل، يستهدف تعزيز الإيرادات غير النفطية، ورفع كفاءة الإنفاق العام، وتحسين إدارة استحقاقات الدين.
كما أكدت أهمية توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية والقابلة للتصدير، وتوفير بيئة جاذبة لرؤوس الأموال، مع إعطاء الأولوية للمشروعات القادرة على تحقيق عائد اقتصادي واضح ودعم النمو وفرص العمل.
واختتمت بالتأكيد على أن الأزمة البحرينية تكشف أهمية بناء احتياطيات مالية قادرة على امتصاص الصدمات، وإدارة الدين بصورة استباقية، والحد من الاعتماد المتكرر على الاقتراض لتغطية الالتزامات القائمة.
وفي المحصلة، قد يساهم الدعم الخليجي المرتقب في تخفيف الضغوط التمويلية واستعادة ثقة المستثمرين، لكن تحقيق الاستقرار المالي على المدى الطويل سيظل مرتبطًا بقدرة البحرين على تحسين إدارة الدين، وتعزيز النمو الاقتصادي، وتنويع مصادر الإيرادات.
لأن المملكة تواجه ضغوطًا اقتصادية متزايدة تشمل ارتفاع الدين الحكومي وتراجع احتياطيات النقد الأجنبي بأكثر من النصف منذ مارس 2026 مع توقع انكماش حاد للاقتصاد
تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الدين الحكومي البحريني سيبلغ نحو 152.4% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2026
السيناريو الأول هو الحصول على دعم خليجي كافٍ مع تحسن الأوضاع الإقليمية, والثاني مساعدات تدريجية أو محدودة مع استمرار الضغوط, والثالث تأخر الدعم واستمرار الاضطرابات بما يزيد الضغط على الاحتياطيات والاقتراض


