تابعت بكل الحزن والأسى خبر وفاة الأب باتريسيو ألفريدو سانشيز موليناري، كاهن كنيسة سيدة المعونة الدائمة بمدينة غواياكيل في الإكوادور، بعدما سقط عليه صليب خشبي كبير أثناء إقامة القداس الإلهي. وكان خبرًا مؤلمًا، لكن ما زاد ألمي أنني، بعد قراءة تفاصيل الحادث، تابعت بعض التعليقات التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، ففى الوقت الذى رائ فيه البعض فرصة للتعاطف والاسى راى فيه الاخرون وسيلة للسخرية من إيمان الآخرين، أو التشكيك في معتقداتهم، وكأن موت إنسان بهذه الطريقة قد حسم نقاشًا دينيًا، أو كشف لنا حكم الله على إيمان هذا الإنسان.
توقفت أمام هذه الردود، ليس لأنني أرفض الاختلاف أو أخشى مناقشة العقائد، بل لأنني تساءلت: كيف يمكن أن نرى إنسانًا فقد حياته، وأناسًا فقدوا عزيزًا عليهم، ثم ننشغل بالسخرية وإثبات صحة مواقفنا؟ كيف تتحول لحظة تستدعي الصمت والحزن إلى ساحة للاتهام واصدار الاحكام على الاخرين؟
إن ما حدث جعلني أفكر في أمر اراه يظهر بين الحين والاخر على ساحة التفكير وهو لماذا نحاول أحيانًا أن نفسر مآسي الآخرين وكأننا نعرف مقاصد الله الخفية، وكاننا نمتلك منصة القضاء والدينونة على الاخرين ولماذا نحاول احيانا ان ناخذ مكان الله فى الدينونة؟
وانا لا أكتب هذه الكلمات للدفاع عن عقيدة او فكرة بعينها، ولا لمنع أحد من نقد عقيدة أو مناقشة ممارسة دينية. فالحوار الصادق لا يخشى الأسئلة، لكن هناك فرقا بين أن نبحث عن الأسباب الحقيقية لحادث مأساوي، وبين أن ندّعي أننا نعرف لماذا سمح الله بحدوثه؟؟.
وهنا اود ان نتوقف قليلا عند مايقوله الكتاب المقدس.
اولا سقوط برج سلوام.
من يتأمل الكتاب المقدس يكتشف أن هذا السؤال رافق الإنسان منذ زمن بعيد. فقد كان الناس يميلون إلى الربط بين ما يصيب الإنسان من ألم وبين خطية ارتكبها، وكأن المصائب تكشف دائمًا عن حكم إلهي مباشر على أصحابها.
لكن السيد المسيح واجه هذا التفكير بوضوح. فعندما تحدث عن حادثة برج سلوام، الذي سقط على ثمانية عشر شخصًا فقتلهم، قال:
«أَتَظُنُّونَ أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا مُذْنِبِينَ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ السَّاكِنِينَ فِي أُورُشَلِيمَ؟ كَلَّا أَقُولُ لَكُمْ» (لوقا ١٣: ٤-٥).
فلم يسمح السيد المسيح لموت هؤلاء الأشخاص أن يتحول إلى دليل على أنهم أسوأ من غيرهم، ولم يترك الحادثة تتحول إلى محاكمة للضحايا. لقد رفض أن يستنتج الناس من المأساة حكمًا أخلاقيًا لا يملكون ما يبرره.
وهنا أجد درسًا مهما للغاية فليس كل من أصابته مصيبة أكثر خطية من غيره، وليس كل من نجا من خطر أكثر إيمانًا من الذين لم ينجوا. ولا يحق لنا أن نحول النتائج التي نراها إلى أحكام نهائية على علاقة الإنسان بالله.
لو كان الألم دليلًا قاطعًا على غضب الله، كيف نفهم معاناة الأنبياء والرسل، الذين لم تكن حياتهم خالية من الاضطهاد والمرض والحرمان؟
المشكلة ليست في أن نسأل عن أسباب الألم، بل في أن نتوهم أننا نملك الإجابة دائمًا. وقد تكون بعض المآسي نتيجة أخطاء بشرية، أو إهمال، أو ظروف طبيعية قاسية، وقد تبقى بعض جوانبها بلا تفسير كامل. لكن ما لا نستطيع قبوله هو أن نملأ فراغ معرفتنا باتهامات دينية، ثم نقدم هذه الاتهامات وكأنها حقائق مؤكدة.
ثانيًا: أيوب وأصدقاؤه…
تظل قصة أيوب من أكثر القصص التي تكشف خطورة التسرع في تفسير معاناة الآخرين.
عندما فقد أيوب أبناءه وممتلكاته وصحته، جاء أصدقاؤه ليعزّوه. وفي البداية، جلسوا معه على الأرض سبعة أيام وسبع ليالٍ، ولم يكلمه أحد بكلمة، لأنهم رأوا أن مصيبته عظيمة جدًا (أيوب ٢: ١١-١٣).
أحيانًا يكون هذا الصمت أصدق من كلام كثير. فهناك آلام لا نستطيع أن نزيلها بعبارة، ولا نستطيع أن نمنحها تفسيرًا يرضي القلب. وكل ما يستطيع الإنسان أن يفعله في بعض اللحظات هو أن يحضر، وأن يشارك المتألم وحدته، وأن يترك له مساحة للحزن والالم دون أن يطالبه بأن يبدو قويًا أو أن يقدم تفسيرًا لما حدث.
لكن أصدقاء أيوب، عندما بدأوا الكلام، افترضوا أن ما حدث له لا بد أن يكون نتيجة خطية، وأن عليه أن يبحث عن ذنبه بدلًا من أن يسأل عن ألمه.
وفي نهاية السفر، قال الرب لأليفاز: «لَمْ تَتَكَلَّمُوا عَلَيَّ بِالصَّوَابِ كَعَبْدِي أَيُّوبَ» (أيوب ٤٢: ٧).
يا لها من مفارقة! أراد أصدقاء أيوب أن يدافعوا عن عدالة الله، لكنهم أساؤوا إلى الإنسان المتألم. أرادوا أن يقدموا تفسيرًا لكل شيء، فانتهوا إلى ظلم شخص لم تكن لديهم معرفة كاملة بحقيقة ما يمر به.
وهذا ما قد يحدث عندما نخلط بين الدفاع عن الله وبين الدفاع عن تفسيراتنا الخاصة. فقد نظن أننا نخدم الإيمان، بينما نزيد جراح الآخرين عمقًا. وقد نستخدم آيات كتابية في غير موضعها، لا لنواسي إنسانًا، بل لنثبت له أنه يستحق ما أصابه.
ليس كل كلام ديني كلامًا صحيحًا، وليس كل تفسير يبدو مقنعًا يحمل بالضرورة حكمة الله. أحيانًا نحتاج إلى أن نكون أكثر تواضعًا في حديثنا عن الألم، وأن نعترف بأننا لا نعرف كل شيء.
فالإنسان الذي فقد عزيزًا عليه لا يحتاج دائمًا إلى من يشرح له لماذا حدث ذلك. قد يحتاج إلى من يجلس بجانبه، ويستمع إليه، ويحتمل دموعه وأسئلته..
وقد تكون عبارة «أنا حزين معك» تقولها لمتالم أصدق من صفحات طويلة من التفسيرات التي لا يعرف أحد مدى صحتها.
ثالثًا: الاعمى منذ ولادته
رأى التلاميذ إنسانًا أعمى منذ ولادته، فسألوا السيد المسيح: «يَا مُعَلِّمُ، مَنْ أَخْطَأَ: هَذَا أَمْ أَبَوَاهُ حَتَّى وُلِدَ أَعْمَى؟» (يوحنا ٩: ٢).
كانوا يبحثون عن خطية تفسر المعاناة، لكن السيد المسيح رفض أن يحصر حالة الإنسان في هذا الربط المباشر. لم يسمح بأن يتحول الألم إلى تهمة، أو أن تصبح معاناة شخص مناسبة لإدانته أو إدانة أسرته.
وهذا لا يعني أن الكتاب المقدس ينكر وجود نتائج للخطية، أو أن بعض الأفعال الخاطئة لا تؤدي إلى عواقب مؤلمة. لكنه يعني أن علينا أن نكون حذرين حين نفسر معاناة إنسان بعينه، لأننا لا نعرف بالضرورة كل الأسباب، ولا نملك أن ننسب إلى الله قصدًا محددًا دون أساس واضح.
ليس كل مرض عقابًا، وليس كل فقر دليلًا على غياب البركة، كما أن الصحة والثراء والنجاح لا تثبت وحدها أن الإنسان أكثر إيمانًا أو أقرب إلى الله.
كم من إنسان أمين عرف المرض، وكم من إنسان مخلص مرّ بأزمات مالية، وكم من شخص محب لله فقد عزيزًا عليه رغم صلاته ورجائه. وفي المقابل، قد يحقق إنسان نجاحًا ماديًا كبيرًا دون أن يكون ذلك دليلًا على استقامته أو عمق علاقته بالله.
إننا نخطئ عندما نقرأ الحياة بهذه الطريقة المبسطة، فنرى ان الناجح مؤمن وغير ناجح غير مؤمن.
ففي حادثة الأب باتريسيو، لا نستطيع أن نستنتج من سقوط الصليب عليه أي حكم على إيمانه، كما لا يستطيع أحد أن يستنتج من الحادث وحده موقف الله منه. ما نستطيع أن نفعله هو أن نحزن ونتالم لفقدانه، وأن نبحث عن الأسباب الواقعية للحادث، وأن نتعامل مع أسرته ومن يحبونه بقدر من الرحمة والاحترام.
أما أن نستخدم موته لإثبات أن ماحدث له بسبب إيمانًه الباطل ، فهذا ليس بحثًا عن الحقيقة، بل استقراء نتيجة لا يبررها الحادث في حد ذاته.
رابعًا: إنجيل الرخاء…
الى جانب ماذكرناه سابقا هناك جانب آخر يستحق التأمل، وهو ما يُعرف باسم «إنجيل الرخاء»، الذي يظهر في بعض أشكاله من خلال الربط بين قوة الإيمان والحصول على الصحة والثراء والنجاح المادي، وكأن المؤمن الحقيقي لا ينبغي أن يمرض أو يفشل أو يمر بضيق، وأن ما يصيبه من معاناة يكشف عن نقص في إيمانه أو ضعف في صلاته.
ومن الإنصاف أن نوضح أن الصلاة من أجل الشفاء، والثقة في تدبير الله، والرجاء في عنايته، أمور أساسية في الحياة المسيحية. فليس خطأ أن يصلي الإنسان طالبًا الشفاء، أو أن يرجو تحسن ظروفه، أو أن يشكر الله على ما يمنحه له من خير. المشكلة ليست في الرجاء، بل في ضمان تخقيقىعذه الامور بصحة اامعتقد او الايمان، وكأن الله ملزم بأن يمنح كل مؤمن الصحة والمال والنجاح بالطريقة التي يتوقعها.
هنا يصبح الإيمان، دون أن نشعر، أشبه بصفقة: أؤمن لكي أنجح، وأصلي لكي أحصل على ما أريد، وإذا جاءت النتيجة كما أتمنى اعتبرت ذلك دليلًا على قوة إيماني، أما إذا مرضت أو خسرت أو فقدت شخصًا عزيزًا، فقد أبدأ في اتهام نفسي بأنني لم أؤمن بما يكفي.
وهذه الفكرة قاسية على الإنسان، خصوصًا في أوقات ضعفه. فالمريض الذي يحتاج إلى التعزية قد يجد نفسه متهمًا بضعف الإيمان، والفقير الذي يحتاج إلى المساندة قد يشعر بأنه فشل روحيًا، والأسرة التي فقدت عزيزًا قد تحمل نفسها ذنبًا إضافيًا، وكأنها لم تصلِّ بما يكفي أو لم تثق بالله كما ينبغي.
ويقدم الكتاب المقدس صورة مختلفة عن ذلك
فقد عرف الرسول بولس الألم والضعف، وصلى طالبًا أن يفارقه ما كان يعانيه، لكنه سمع قول الرب: «تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لِأَنَّ قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ» (٢ كورنثوس ١٢: ٩).
وقال السيد المسيح لتلاميذه بوضوح: «فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ» (يوحنا ١٦: ٣٣).
لم يعد السيد المسيح تلاميذه بحياة خالية من الألم، ولم يجعل الضيق دليلًا على فشلهم في الإيمان. بل دعاهم إلى الثقة فيه وسط عالم لا يخلو من الألم والاضطراب.
إن الإيمان لا يعني أن كل ما نطلبه سيحدث بالطريقة التي نريدها اونطلبها
فالصلاة ليست وسيلة لتغيير إرادة الله، بل تعبير عن ثقتنا به، حتى عندما لا نفهم ما يحدث، أو عندما لا تأتي الإجابة كما تمنينا.
إنجيل الرخاء، حين يجعل الثراء والصحة مقياسًا للإيمان، لا يكتفي بتقديم وعد غير مضمون، بل قد يجعل المتألم يشعر بأنه مذنب بسبب ألمه. أما الإنجيل فيقدم لنا نعمة تسند الإنسان في ضعفه، ورجاء لا يسقط عندما تتغير الظروف.
فالله ليس وسيلة لتحقيق الثراء، والإيمان ليس ضمانة ضد المآسي، والنعمة لا تُقاس دائمًا بما نملكه، بل بعلاقة الثقة بالله الذي يسندنا حتى في الأوقات التي لا نفهم فيها طرقه.
خامسًا: الصليب بين رمزيته الروحية ومسؤوليته المادية.
إن الصليب بالنسبة لنا ليس مجرد قطعة خشب، بل رمز للمحبة والتضحية والفداء، وتذكير ببذل السيد المسيح ذاته من أجل الإنسان.
لكن احترامنا للرمز الروحي لا ينبغي أن يمنعنا من رؤية الحقيقة المادية بوضوح. فالخشب يظل خشبًا، مهما كانت قيمته الرمزية، ويمكن أن يتعرض للتلف، أو أن يسقط إذا لم يكن مثبتًا بصورة آمنة.
لذلك، فإن السؤال عن أسباب سقوط الصليب سؤال مشروع، بل ضروري. كيف كان مثبتًا؟ وهل كانت إجراءات السلامة كافية؟ وهل حدث خلل فني أو إهمال؟ وهل توجد مسؤولية ينبغي تحديدها؟
هذه أسئلة تحتاج إلى تحقيق وأدلة وفحص فني، لا إلى تفسيرات دينية متعجلة.
ان الإيمان لا يتعارض مع اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية الحياة، والصلاة لا تُغني عن الصيانة، والثقة بالله لا تعني أن نهمل مسؤوليتنا عن سلامة الناس. بل إن احترام الإنسان يقتضي أن نمنع الحوادث كلما استطعنا، وأن نراجع أسبابها، وأن نحاسب على أي تقصير تثبته الأدلة.
وفي الوقت نفسه، لا يجوز الربط بين سقوط الصليب وضعف الايمان او بطلان العقيدة.
…اخير..
ربما تكون الرحمة هي الإجابة التي نحتاج إليها
لا أعرف كل الأسباب التي أدت إلى هذه المأساة، ولا أستطيع أن أفسر كل ما حدث، ولا أظن أن من الأمانة أن أدّعي معرفة قصد إلهي محدد وراء موت الأب باتريسيو. لكنني أعرف أن إنسانًا فقد حياته، وأن هناك أشخاصًا يتألمون لفقده، وأن كلماتنا قد تكون عونًا لهم أو عبئًا جديدًا عليهم.
لقد علّمنا السيد المسيح أن لا نحول الموت إلى حكم على اصحابه
أن نمنح كل مأساة تفسيرًا يريحنا، وربما تظل بعض الأسئلة مفتوحة في داخلنا. لكننا نستطيع أن نختار كيف نتعامل مع الألم: هل نقترب من المتألم بمحبة، أم
نقف بعيدًا ونلقي عليه الأحكام؟
ق/ اسطفانوس زكي.
توفي بعد سقوط صليب خشبي كبير عليه أثناء إقامة القداس الإلهي في كنيسة سيدة المعونة الدائمة بمدينة غواياكيل بالإكوادور
يدعو المقال إلى عدم تحويل المأساة إلى حكم ديني على إيمان المتوفى أو استخدام الحادث لإصدار أحكام على الآخرين
لا ، أكد الكاتب أنه لا يمكن استنتاج أي حكم على إيمان الأب باتريسيو من الحادث وحده ، ودعا إلى البحث عن الأسباب الواقعية للحادث بدل التفسيرات الدينية المتعجلة


