حين يقف الكاتب الحق على أعتاب عوالمه، لا ليملك الأرض والرفات، بل يملك القلوب ويتربع على عرش المعنى، ويقيم مملكته الخاصة من نور وحرف.

لا يطال الموت من زرعوا في أرواحنا بساتين من المعنى، فقلم الكاتب ظل لا ينطفئ حتى وإن غاب صاحبه عن المشهد.

لم أكن أعرف أن «الطواويس تطير»، إلا بعد أن قابلت «ساحر الصحراء» في «واحة الغروب» وقص عليّ ما كان من حكايات عن «خالتي صفية والدير»، حينها «قالت ضُحى»: هناك «نقطة نور» في «شرق النخيل»، فقطعت الطريق مَهرولًا، وحين وصلت أهدى لي «أبناء رفاعة» رواية «الحب في المنفى»، فانتشيت وقلت لهم: «أنا الملك جئت».

عناوين أعمال العظيم بهاء طاهر ما إن ترتبها يمينًا أو يسارًا، أو تقرأها منفصلة أو متصلة، إلا وأعطت لك معنى وسبيلًا في الحياة؛ فالصورة الإبداعية في أعماله متكاملة، لم يخلق «طاهر» واقعًا مختلفًا، إلا أنه قام بتأليف هذا الواقع من جديد ليروق للقارئ وإن كانت نفس الخواتيم والنهايات، وكأنه ينفذ ما وضعه من قاعدة سابقة حين قال: «أتعرف ما هو أكثر شيء محزن في هذه الأمور؟ أبشع ما فيها أنك تألفها».

بهاء طاهر أحد هؤلاء المصطفين والمحظوظين والممنوحين من السماء نعمة الحرف والقلم، البارع في قراءة الناس وإعادة كتابتها بما فرّ منها من أحلام.. المنقّب عن الإنسان داخل هياكل البشر.. القادر على فك طلاسم الوجوه إذ يقول: «حملك ثقيل يا صاحبي، كيف عرفت؟ مرسوم.. كل إنسان مرسوم على وجهه حلمه».

حين تقترب من عوالم بهاء طاهر الإنسانية، تدرك سريعًا أنك أمام كاتب لم يكتب بعقله وحده، بل بجلد روحه وقلب ظل مفتوحًا على مصراعيه لرياح الموجوعين، والتايهين، والباحثين عن معنى وسط زحام العالم.. فالقلوب الحساسة لا تكبر أبدًا.. تظل تحتفظ بتلك الطفولة الموجعة التي تبكي من أثر الكلمة، وتفرح لشعاع ضوء ضال.

لم يكن بهاء طاهر ابنًا للصعيد فحسب بعذوبته ودفئه، بل كان ابنًا لقلق الإنسان الأزلي؛ ذلك القلق النبيل الذي يجعله يجلس إلى مقهى الحياة كمن يراقب مشهدًا طويلًا بعين العارف الصبور. كانت إنسانيته تتجسد في قدرته الفذة على الإنصات لمن لا صوت لهم، وفي رفضه القاطع أن يتعود على القسوة أو يألف الخراب.

لقد علمنا في أدبه أن أقسى ما في الوجود هو «الاعتياد»، وأن طوق النجاة الوحيد يكمن في الاحتفاظ بطفولة الروح ودهشة السؤال. رحل بهاء طاهر، لكنه ترك خلفه وصية صامتة لكل من يحمل قلمًا: أن تكون إنسانًا أولًا، وأن تبحث عن بذور النور حتى في أمعاء العتمة والمنفى.

«كل إنسان يحمل في داخله حكاية لم تُحك بعد، وربما كان أصدق ما فينا هو ما عجزنا عن البوح به».
هكذا يتركنا بهاء طاهر، حارس المعنى، على أعتاب السؤال الأبدي؛ فيلسوفًا هادئًا لم يبحث عن اليقين المتعال، بل عن الإنسان الحائر في عتمة أيامه، المنقّب عن أثره الضائع بين هياكل البشر. لقد علمنا أن الأدب ليس ترفًا، بل هو طوق النجاة الأخير لنظل بشرًا، وأن أقسى ما يصيب الروح هو أن تألف القسوة وتعتاد الخراب. رحل المعلم وفي عيونه كل أسئلة الصعيد ودفء النيل، تاركًا لنا مدادًا لا ينطفئ، وبساتين من المعنى تروي ظمأ الروح، ووصية خالدة بأن نحرس طفولة الدهشة في أواصرنا.. حتى آخر العمر.

يبقى الكبار في وجدان الأمة؛ لا يموتون حين ينطفئ الحبر، بل يولدون من جديد مع كل قلب يفتح كتابًا، ومع كل روح تبحث عن الحقيقة وسط لُجج العالم.

ويبقى العزاء الوحيد لمن يحملون همّ الكلمة أن الأثر الجميل لا يفنى، وأن طهارة الحرف تظل نافذة نور لا تطالها عتمة الرحيل.

سلامٌ على روحك، وسلامٌ على قلمك الذي علمنا كيف نبقى بشرًا أطهارًا حتى في أقسى منافي الروح.

الأسئلة الشائعة

يركز المقال على إنسانيته وقدرته على قراءة الناس والإنصات للموجوعين والباحثين عن المعنى، وعلى رفضه الاعتياد على القسوة أو الخراب

ذكر المقال أعمال الطواويس تطير وواحة الغروب وخالتي صفية والدير وقالت ضُحى ونقطة نور وشرق النخيل والحب في المنفى

يؤكد المقال أن رحيله لا ينهي أثره لأن الكبار يبقون في الوجدان ويولدون من جديد مع كل قارئ يفتح كتابهم