تواجه أوروبا اختبارًا جديدًا لأمن الطاقة مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتفاقًا مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين لاستئناف تصدير كميات من الديزل الروسي إلى الأسواق الأمريكية والعالمية، في خطوة تقول واشنطن: إنها تهدف إلى تخفيف أسعار الوقود، لكنها تثير تساؤلات بشأن مستقبل العقوبات على موسكو، ومدى قدرة الدول الأوروبية على تأمين احتياجاتها في ظل اضطراب الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن.
ويأتي الاتفاق في وقت تعتمد فيه أوروبا بدرجة متزايدة على الديزل المستورد، بينما تضغط تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على أسواق الطاقة، وتقترب القارة من فصل الشتاء وسط ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
في التاسع من تشرين الأول الجاري، أعلن ترامب أن روسيا ستورد أكثر من 300 ألف طن من الديزل إلى الأسواق، تتبعها كميات إضافية خلال الأشهر التالية، وأعلنت وزارة الخزانة الأمريكية إصدار ترخيص يسمح بتصدير الديزل الروسي إلى الأسواق العالمية حتى نيسان 2027، في تحول عن سياسة العقوبات التي استهدفت تقليص عائدات الطاقة الروسية منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
وتقول واشنطن: إن الخطوة ستساعد على خفض أسعار الوقود، ولا سيما قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الثالث من تشرين الثاني، لكن محللين يشككون في أن تكون الكميات المعلنة كافية لإحداث انخفاض مستدام، نظرًا إلى حجم الاستهلاك العالمي واحتمال انتقال الشحنات الروسية من أسواق إلى أخرى بدلًا من زيادة المعروض العالمي بالقدر نفسه.
وفي المقابل، يمنح الاتفاق موسكو فرصة لتوسيع صادراتها واستعادة جزء من حضورها في تجارة المنتجات النفطية، ما أثار انتقادات في الولايات المتحدة وأوكرانيا خشية أن توفر العائدات الإضافية موارد لروسيا لمواصلة الحرب.
ولا يعني الاتفاق بالضرورة عودة الديزل الروسي مباشرة إلى السوق الأوروبية، لكنه قد يعيد توزيع الشحنات العالمية ويزيد المنافسة على الإمدادات المتاحة، في وقت تحتاج فيه أوروبا إلى بدائل موثوقة لتعويض نقص الواردات من روسيا والشرق الأوسط.
كانت مجموعة السبع اتفقت في الثاني من تشرين الأول على الإفراج المنسق عن نحو 100 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية عبر وكالة الطاقة الدولية على مدى أربعة أشهر، مع إعطاء الأولوية لكميات من الديزل خلال الأسابيع الأولى، وجاء التحرك بعد تهديد ترامب بفرض قيود على صادرات الديزل الأمريكية إذا لم تسحب الدول الأوروبية كميات من مخزوناتها الطارئة.
لكن هذه الخطوة توفر متنفسًا مؤقتًا ولا تعالج أسباب النقص، فالمفوضية الأوروبية أكدت في أواخر أيلول استقرار الإمدادات، رغم ارتفاع الأسعار وضيق السوق، مشيرة إلى أن المخزونات التجارية في مركز أمستردام وروتردام وأنتويرب كانت دون متوسطها لخمس سنوات، فيما عملت المصافي الأوروبية عند مستويات قريبة من طاقتها القصوى.
ووفق وكالة الطاقة الدولية، في تقريرها الصادر في 14 تشرين الأول، قد يستمر شح الديزل حتى عام 2027، مع احتمال ارتفاع أسعاره بالجملة في أوروبا مجددًا خلال الأسابيع المقبلة، وحذرت الوكالة من أن اضطراب الإمدادات من الشرق الأوسط وروسيا، إلى جانب ارتفاع تكاليف الشحن، يحد من قدرة السوق على تعويض النقص سريعًا.
وتتجلى هشاشة الوضع الأوروبي في اعتماد القارة على الواردات، إذ أفادت شركة “كبلر” بأن ساحل الخليج الأمريكي وفر نحو نصف واردات شمال غرب أوروبا من الديزل خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، غير أن ارتفاع أجور الشحن قلص الجدوى الاقتصادية لبعض الشحنات المتجهة إلى أوروبا، ما يعني أن توافر الوقود لدى المصدر لا يضمن وصوله بتكلفة مناسبة إلى الأسواق المستوردة.
لا تقتصر تداعيات ارتفاع أسعار الديزل على محطات الوقود، بل تمتد إلى النقل والزراعة والبناء والصناعة، حيث تزيد تكلفة تشغيل الآلات ونقل السلع، وتنتقل الأعباء إلى الشركات والمستهلكين.
ووفق تقديرات منظمة “النقل والبيئة” التي نقلتها “دويتشه فيله” في الرابع من تشرين الأول، بلغت الكلفة الإضافية لارتفاع أسعار الطاقة على اقتصاد الاتحاد الأوروبي نحو 270 مليون يورو يوميًا، منها 203 ملايين يورو مرتبطة بالديزل، فيما وصلت التكاليف الإضافية الناجمة عن ديزل النقل البري إلى نحو 40 مليار يورو منذ بدء الحرب في الشرق الأوسط في 28 شباط الماضي.
وتأتي هذه الضغوط في وقت تشهد فيه دول أوروبية احتجاجات على ارتفاع تكاليف المعيشة، مع اتساع المطالب المرتبطة بالأجور والخدمات والأسعار.
وفي فرنسا، امتدت الاحتجاجات من قضايا اجتماعية وسياسية إلى ارتفاع تكاليف الوقود والمعيشة، فيما شهدت البلاد ومدن أوروبية أخرى توترات خلال التظاهرات، وفق تقارير إعلامية نشرتها «الغارديان» و«واشنطن بوست» في تشرين الأول.
ورغم تعدد أسباب الاحتجاجات واختلافها بين دولة وأخرى، فإن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يزيد الضغوط على الأسر والشركات، ويصعب على الحكومات احتواء الاستياء الاجتماعي، ولا سيما مع اقتراب الشتاء وارتفاع الطلب على الوقود والتدفئة.
في مواجهة هذه الضغوط، اتجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى تعزيز الإمدادات من الخليج خلال جولة شملت السعودية والإمارات والبحرين وقطر والكويت، وأعلنت الرئاسة الفرنسية التوصل إلى التزامات من السعودية والإمارات والبحرين لتوريد كميات إضافية من الديزل، تبلغ في مجموعها نحو 295 ألف طن شهريًا وفق ما أوردته “بلومبرغ” في 20 تشرين الأول، بما يعادل قرابة سدس استهلاك فرنسا الشهري من الوقود.
وقال ماكرون: إن فرنسا ضمنت إمدادات جديدة من الغاز الطبيعي المسال من قطر، وستعمل على خفض تكاليف نقل الوقود من الخليج العربي، في إطار مساعيها للحد من الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة المرتبط بالحرب في الشرق الأوسط والحرب الروسية الأوكرانية وفق “بلومبرغ”.
وتواجه أوروبا بذلك أزمة تتجاوز تأمين كميات إضافية من الديزل، فهي تحتاج إلى احتواء الأسعار، والحفاظ على استقرار الإمدادات، وتجنب استنزاف احتياطيات الطوارئ التي قد تحتاج إليها إذا طال أمد الاضطرابات.
وفيما تسعى واشنطن إلى تخفيف كلفة الوقود داخليًا، تستفيد موسكو من توسيع منافذ تصدير منتجاتها النفطية، بينما تبحث العواصم الأوروبية عن بدائل من الخليج والأسواق العالمية.
ومع استمرار الحرب في الشرق الأوسط وتراجع مرونة قدرات التكرير، يبقى مسار أسعار الديزل مرتبطًا بتطورات الحرب وتكاليف الشحن وحجم الإمدادات الفعلية، لا بالاتفاقات المعلنة وحدها.
وهذا يتفق مع تحذيرات وكالة الطاقة الدولية من أنه ما لم تحل الحرب في المنطقة، فقد تشهد أسواق النفط مزيدًا من الاضطرابات خلال الأشهر المقبلة، قبل ظهور أي فائض محتمل في عام 2027، وهو ما يبقي أمن الطاقة الأوروبي أمام اختبار ممتد، تتداخل فيه الحسابات السياسية مع كلفة الاقتصاد وضغوط الشارع.
أعلن دونالد ترامب اتفاقًا مع فلاديمير بوتين لاستئناف تصدير كميات من الديزل الروسي إلى الأسواق الأمريكية والعالمية، مع ترخيص أمريكي يسمح بالتصدير حتى نيسان 2027
لأنه قد يعيد توزيع الشحنات العالمية ويزيد المنافسة على الإمدادات المتاحة بينما تحتاج أوروبا إلى بدائل موثوقة لتعويض نقص الواردات من روسيا والشرق الأوسط
بحسب محللين وردوا في الخبر فالكميات المعلنة قد لا تكون كافية لإحداث انخفاض مستدام لأن حجم الاستهلاك العالمي كبير وقد تنتقل الشحنات بين الأسواق بدل زيادة المعروض العالمي


