أدى الجمود السياسي في إسرائيل، في أعقاب انتخابات 27 أكتوبر، إلى وضع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وزعيم المعارضة غادي آيزنكوت أمام طريق مسدود لتشكيل حكومة؛ مما يطرح احتمال تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دبلوماسياً للدفع نحو تشكيل ائتلاف وحدة وطنية.
ووفقاً لتقرير نشره موقع “المونيتور” ترى مصادر سياسية إسرائيلية أن الضغوط الأمريكية قد تساعد في تجاوز الانقسامات التي يبدو أن أياً من المعسكرين المتنافسين غير قادر على حلها بمفرده.
مع فرز معظم الأصوات، ظل حزب “الليكود” بقيادة نتنياهو الحزب الأكبر في البرلمان، لكن تحالفه اليميني لم يحصل على الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة. كما افتقر تكتل المعارضة بقيادة آيزنكوت إلى الدعم الكافي، مما يضع إسرائيل أمام مفاوضات ائتلافية صعبة، أو ربما احتمالية إجراء انتخابات أخرى.
نتنياهو يتصدر نتائج الانتخابات لكنه يفشل في تحقيق الأغلبية
أظهرت الأرقام التي أعلنتها لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية بعد ظهر الأربعاء تصدّر حزب “الليكود” بـ 26 مقعداً في الكنيست المكون من 120 مقعداً.
وجاء حزب “ياشار” -الذي ينتمي لتيار الوسط اليميني بقيادة آيزنكوت- في المرتبة الثانية بـ 21 مقعداً.
ومن المتوقع أن يحصل تحالف نتنياهو الأوسع -الذي يضم أحزاباً يمينية ويمينية متطرفة وأخرى حريدية (أرثوذكسية متشددة)- على 53 مقعداً، أي أقل بثمانية مقاعد من الأغلبية البرلمانية المطلوبة (61 مقعداً).
أما تكتل المعارضة الرئيسي فقد حصل على 48 مقعداً، وذلك باستثناء الأحزاب ذات الغالبية العربية، التي يُتوقع أن تحصد مجتمعة 17 مقعداً.
ورغم احتفاظه بصدارة النتائج، لم يتمكن نتنياهو من تحقيق فوز حاسم.
ومع ذلك، حافظت النتائج على مكانته كشخصية محورية في السياسة الإسرائيلية، رغم الانتقادات التي واجهها بشأن أحداث وقعت خلال ولايته السابقة، بما في ذلك الهجمات التي قادتها حركة حماس في 7 أكتوبر 2023.
وفي كلمة ألقاها أمام أنصاره في القدس ليلة الانتخابات، ادعى نتنياهو أن تحالفه اليميني حقق أغلبية حاسمة بين الناخبين اليهود، ودعا إلى تشكيل حكومة يمينية وطنية قوية.
وكان من المتوقع صدور النتائج الرسمية بعد ظهر الخميس.
الرئيس هرتسوغ يحث الأحزاب على تجنب انتخابات أخرى
دعا الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ القادة السياسيين إلى التحلي بالمرونة في مفاوضات تشكيل الائتلاف الحكومي.
وفي تصريحات أدلى بها يوم الأربعاء، شدد هرتسوغ على أهمية تفادي إجراء انتخابات جديدة، معلناً أنه سيبدأ مشاوراته مع الأحزاب الممثلة في الكنيست الأسبوع المقبل، فور تلقي النتائج الرسمية.
وبموجب القانون الإسرائيلي، يكلف رئيس الدولة أحد المشرعين -ممن يرى أنه الأكثر قدرة على حشد الدعم البرلماني- بمهمة تشكيل الحكومة.
ورغم أن هذه المهمة تُسند غالباً إلى زعيم الحزب الأكبر، إلا أن الأمر لا يعتمد تلقائياً على حجم الحزب.
وبناءً على ذلك، يمكن لكل من نتنياهو وآيزنكوت السعي لإثبات امتلاكهما الدعم الكافي لتشكيل حكومة.
مشاركة الناخبين العرب تغير الحسابات السياسية في إسرائيل
كان الارتفاع الملحوظ في نسبة مشاركة الناخبين العرب أحد أبرز تطورات هذه الانتخابات.
ووفقاً لدائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، يشكل المواطنون العرب نحو 21% من إجمالي سكان إسرائيل.
وقد ساهمت هذه المشاركة القوية في حصول الأحزاب ذات الغالبية العربية على ما يُقدر بـ 17 مقعداً في الكنيست، مقارنة بـ 10 مقاعد كانت تشغلها مجتمعة في البرلمان المنتهية ولايته.
وتركز “القائمة المشتركة” -وهي تحالف يضم ثلاثة أحزاب عربية- على حقوق المواطنين العرب والتطلعات الوطنية الفلسطينية.
أما حزب “القائمة العربية الموحدة” (رعيم)، ذو التوجه الإسلامي بقيادة منصور عباس، فقد أبدى مراراً استعداده للمشاركة في ائتلافات حكومية بهدف تعزيز مصالح المجتمعات العربية.
وبلغت نسبة المشاركة الإجمالية نحو 77%، وهي النسبة الأعلى منذ عام 1999.
وأشارت مصادر سياسية -نقل عنها موقع “المونيتور”- إلى أن جزءاً كبيراً من هذه الزيادة في المشاركة يعود إلى حالة الاستياء من حكومة نتنياهو، لا سيما بسبب وجود وزير الأمن القومي المنتمي لليمين المتطرف، إيتمار بن غفير.
وقد أصبحت المشاركة العربية القوية عاملاً حاسماً في ظل حالة الجمود السياسي التي تشهدها إسرائيل.
لماذا يواجه آيزنكوت خيارات صعبة بشأن تشكيل الائتلاف؟
نظرياً، يمكن لآيزنكوت تشكيل أغلبية برلمانية من خلال التعاون مع الأحزاب العربية.
إذ إن كتلته، التي تضم 48 مقعداً، مضافاً إليها المقاعد المتوقعة للأحزاب العربية، قد توفر الدعم البرلماني الكافي لتحدي نتنياهو.
غير أن العقبات السياسية في هذا المسار تبدو كبيرة.
فقد تعهد آيزنكوت مراراً بتشكيل حكومة “صهيونية”، وهو ما يحد من قدرته على إبرام اتفاقيات ائتلافية رسمية مع الأحزاب العربية. كما يُستبعد أن يدعم شركاؤه المحتملون – بمن فيهم أفيغدور ليبرمان من حزب “إسرائيل بيتنا” ورئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت من حزب “إلى الأمام” (ياحاد) – ترتيباً كهذا.
وصرح مصدر رفيع في المعارضة لموقع “المونيتور” بأن إشراك الأحزاب العربية قد ينطوي على تبعات سياسية خطيرة.
أظهر استطلاع للرأي أجرته هيئة البث الإسرائيلية “كان” في 27 سبتمبر أن 55% من المشاركين اليهود يؤيدون استبعاد “القائمة المشتركة” من الانتخابات، بينما يؤيد 54% استبعاد القائمة العربية الموحدة (“راعم”).
وتعكس هذه النتائج حالة المقاومة السياسية التي قد تواجهها أي حكومة تعتمد على دعم برلماني من الأحزاب العربية.
هل يمكن لـ”راعم” دعم حكومة إسرائيلية أخرى؟
هناك سابقة لمشاركة أحزاب عربية في ائتلاف حكومي إسرائيلي. ففي يونيو 2021، شكّل نفتالي بينيت حكومة ضمت القائمة العربية الموحدة (“راعم”)، مما أنهى فترة ولاية بنيامين نتنياهو السابقة.
واستمر ذلك الائتلاف لنحو 18 شهراً قبل أن يعود نتنياهو إلى السلطة.
ومن الناحية النظرية، يمكن لغادي آيزنكوت السعي للتوصل إلى ترتيب مماثل، سواء بانضمام “راعم” إلى الحكومة أو من خلال تقديم دعم برلماني من خارجها.
ومع ذلك، فإن اتفاقاً كهذا سيتطلب تعاوناً أوسع بين أحزاب تتبنى مواقف سياسية متباينة للغاية.
كما يمكن لنتنياهو أيضاً محاولة التفاوض مع “راعم”، بالنظر إلى اتصالاته السابقة مع منصور عباس.
وستتناقض خطوة كهذه مع الخطاب الذي استخدمه نتنياهو في حملته الانتخابية، حيث حذّر من ارتفاع نسبة تصويت الناخبين العرب، وربط بين دعم خصومه وبين تأييد إقامة دولة فلسطينية.
وفي الوقت الراهن، لا يبدو أن أياً من المعسكرين يملك طريقاً سهلاً نحو تحقيق الأغلبية.
هل يسعى نتنياهو لاستمالة نواب من المعسكر المعارض؟
ثمة احتمال آخر يتمثل في محاولة نتنياهو إقناع نواب من المعارضة بالانضمام إلى تحالفه.
ومن الناحية النظرية، قد توفر هذه الانشقاقات المقاعد الإضافية اللازمة لتشكيل حكومة.
غير أن التقرير يشير إلى أن هذا السيناريو يبدو صعب التحقق في ظل الظروف السياسية الراهنة.
أما الخيار البديل أمام نتنياهو فهو البقاء في منصبه كرئيس وزراء انتقالي في حال فشلت مفاوضات تشكيل الائتلاف وأصبحت الدعوة لانتخابات جديدة أمراً حتمياً.
وقد ذكرت مصادر سياسية لموقع “المونيتور” أن إجراء انتخابات جديدة قد يتيح لنتنياهو خوض حملته الانتخابية مع الاحتفاظ بالمزايا التي يمنحه إياها منصبه الحالي.
كما أعربت هذه المصادر عن مخاوفها من أن تتزامن فترة انتقالية سياسية طويلة مع تجدد العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد إيران أو حركة حماس في قطاع غزة.
وقد طُرحت هذه الاحتمالات كتقديرات من مصادر لم يُكشف عن هويتها، وليست خططاً حكومية مؤكدة.
هل يمكن لترامب كسر الجمود السياسي في إسرائيل؟
برز احتمال التدخل الأمريكي كعنصر محوري في النقاشات الدائرة حول الحكومة الإسرائيلية المقبلة.
أشارت مصادر سياسية، نقل عنها موقع “المونيتور”، إلى أن ترامب قد يكون في وضع فريد يسمح له بتشجيع نتنياهو وآيزنكوت على التفاوض للتوصل إلى ترتيبات لتشكيل حكومة وحدة.
ويمكن لمثل هذه الحكومة أن تجمع بين حزب “الليكود” وأحزاب المعارضة الوسطية، مع استبعاد بعض شركاء نتنياهو في الائتلاف من اليمين المتطرف.
ويرى مؤيدو هذا التوجه أنه قد يوفر إطاراً أكثر استقراراً للحكم، ويُحسّن التنسيق مع واشنطن.
وذكر مصدر رفيع في المعارضة أن تشكيل حكومة وحدة تستبعد اليمين الإسرائيلي المتطرف قد يساعد ترامب أيضاً في الدفاع عن سياساته في الشرق الأوسط أمام الانتقادات الداخلية في الولايات المتحدة.
وأشار المصدر إلى أن ترتيباً كهذا من شأنه أن يُظهر معارضة أمريكية لعنف المستوطنين، وفي الوقت ذاته يدعم الجهود الرامية للمضي قدماً في مبادرة ترامب للسلام في غزة.
ومع ذلك، لا يوجد في التقرير ما يشير إلى أن ترامب قد نجح في التوصل إلى اتفاق بين الزعيمين المتنافسين.
حكومة وحدة بين نتنياهو وآيزنكوت تواجه أزمة ثقة
على الرغم من أن ائتلافاً واسعاً قد يحل حالة الجمود البرلماني، إلا أن انعدام الثقة بين نتنياهو وخصومه يظل عقبة رئيسية.
وسبق لإسرائيل أن خاضت تجارب تتعلق باتفاقيات تقاسم السلطة، حيث يتناوب الزعماء المتنافسون على منصب رئيس الوزراء.
ففي عام 2020، اتفق نتنياهو وبيني غانتس على ترتيب يتضمن التناوب على المنصب.
وكان من المفترض أن يشغل نتنياهو منصب رئيس الوزراء لمدة 18 شهراً، قبل أن ينتقل المنصب إلى غانتس للفترة المتبقية من اتفاقهما الذي امتد لثلاث سنوات.
لكن الائتلاف انهار في ديسمبر 2020 بعد أن رفض نتنياهو دعم ميزانية عام 2021، مما أدى إلى الدعوة لانتخابات جديدة.
ولا يزال هناك خلاف حول ما إذا كان نتنياهو ينوي فعلياً إتمام عملية التناوب أم لا.
وبالنسبة لآيزنكوت وحلفائه، فإن هذا التاريخ يجعل احتمالية الدخول في ترتيب مماثل أمراً معقداً.
وقد أقر مصدر سياسي رفيع من داخل ائتلاف نتنياهو بصعوبة الموقف، مصرحاً لـ “المونيتور” بأنه لا يبدو أن أياً من الخيارات المتاحة واعدٌ بشكل خاص.
التوترات الأمنية الإقليمية تزيد الضغوط على محادثات تشكيل الائتلاف
يأتي هذا الجمود السياسي في ظل مخاوف أمنية إقليمية متزايدة تتعلق بإيران وقطاع غزة.
وحذر مصدر أمني إسرائيلي -فضل عدم الكشف عن هويته في حديثه لـ “المونيتور”- من أن غياب حكومة مستقرة قد يجعل اتخاذ قرارات بشأن التصعيد العسكري أمراً معقداً.
كما أعرب المصدر عن قلقه بشأن التطورات التي قد تلي انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقبلة.
وتعكس هذه التقديرات وجهات نظر مصادر فردية، ولا تؤكد بالضرورة أن عمليات عسكرية إسرائيلية جديدة باتت وشيكة. ومع ذلك، فإن الجمع بين حالة عدم اليقين السياسي الداخلي والتوترات الإقليمية قد زاد من أهمية مفاوضات تشكيل الائتلاف.
ما الذي سيحدث تالياً في إسرائيل؟
يفتح الجمود السياسي في إسرائيل الباب أمام عدة سيناريوهات محتملة: تشكيل ائتلاف بقيادة نتنياهو يحظى بدعم نواب إضافيين، أو ترتيب سياسي بقيادة آيزنكوت يحصل على دعم برلماني من أحزاب عربية، أو تشكيل حكومة وحدة وطنية واسعة، أو الذهاب إلى انتخابات جديدة.
وستكون المشاورات التي يجريها هرتسوغ خطوةً محوريةً في تحديد الزعيم الذي سيحصل على الفرصة الأولى لتشكيل الحكومة.
بالنسبة لنتنياهو، يكمن التحدي في تحويل تصدّر حزب “الليكود” للنتائج إلى أغلبية برلمانية.
أما بالنسبة لآيزنكوت، فالمعضلة الأساسية تتمثل في ما إذا كان سيعيد النظر في التزاماته الائتلافية، أو سيدخل في مفاوضات مباشرة مع خصمه الرئيسي.
وقد يلعب ترامب دوراً خارجياً مؤثراً في حال عجز الطرفان عن التوصل إلى اتفاق.
ومع ذلك، فإن التدخل الأمريكي لن ينهي الخلافات الجوهرية المتعلقة بالقيادة، والتمثيل السياسي، وشروط أي ترتيب لتقاسم السلطة.
وفي نهاية المطاف، يعكس الجمود السياسي في إسرائيل برلماناً منقسماً بين تحالفات متنافسة، في ظل غياب أغلبية حاكمة واضحة، وضعف الثقة بين القادة الذين يفترض بهم التعاون معاً.
لأن حزب الليكود تصدر النتائج لكنه لم يحصل مع حلفائه على الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، وفي المقابل لم يمتلك تكتل المعارضة بقيادة آيزنكوت الدعم الكافي
نظرياً يمكن ذلك عبر التعاون مع الأحزاب العربية التي يُتوقع أن تحصد مجتمعة 17 مقعداً، لكن المقال يوضح أن العقبات السياسية كبيرة بسبب التزاماته السابقة ورفض شركاء محتملين لهذا المسار
بحسب مصادر نقلها المونيتور قد يكون ترامب قادراً على تشجيع نتنياهو وآيزنكوت على التفاوض للتوصل إلى ترتيبات لحكومة وحدة وطنية، لكن التقرير لا يشير إلى أنه نجح بالفعل في ذلك


