ورد سؤال إلى الدكتور عطية لاشين، عضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف، من سائل يقول في رسالته: «يقولون في الأمثال: اتق شر من أحسنت إليه، فهل هذا المثل صحيح شرعًا؟».

وأجاب الدكتور عطية لاشين قائلًا إن الأمثال والحكم المتداولة بين الناس منها ما يتوافق مع ما جاء في شرع الله عز وجل، ومنها ما يخالف ما تدعو إليه الشريعة الإسلامية، فما كان منها موافقًا للشريعة أخذنا به وطبقناه في تعاملاتنا مع الناس، وما كان متناقضًا مع مبادئ الشريعة السمحة تركناه ولم نعمل به في حياتنا اليومية.

وأوضح أن المثل القائل «اتق شر من أحسنت إليه»، محل السؤال، يخالف ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية من الحث على العفو عن المسيء، والاستمرار في الإحسان إليه رغم إساءته، مشيرًا إلى أن هذا المثل يمثل عقبة أمام المسلم تحول بينه وبين مواصلة الإحسان إلى إخوانه من عباد الله.

وأضاف أن الأخذ بهذا المثل والعمل به يؤدي إلى امتناع الناس عن تقديم المعروف للآخرين، في حين أن المسلم مأمور بفعل المعروف وتقديم الجميل، حتى لو لم يكن الشخص الذي يُقدم إليه الإحسان أهلًا له، مؤكدًا أن الشريعة الإسلامية تدعو إلى مكارم الأخلاق والعفو والإحسان، ولا تجعل إساءة الآخرين سببًا للتوقف عن فعل الخير.

واستشهد الدكتور عطية لاشين بقول الله تعالى في القرآن الكريم: «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ»، موضحًا أن الآية الكريمة تدعو إلى مقابلة الإساءة بما هو أحسن، بدلًا من الرد عليها بمثلها أو اتخاذها ذريعة لترك الإحسان.

كما استشهد بما أثنت به السيدة خديجة رضي الله عنها على النبي محمد صلى الله عليه وسلم من صفات كريمة، حين قالت له: «إنك لتصل الرحم، وتكسب المعدوم»، في إشارة إلى ما عُرف عنه من مكارم الأخلاق، ومساعدة المحتاجين، والقيام بأعمال الخير.

وأشار إلى أن الرجل قد يبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، لافتًا إلى ما ورد في القرآن الكريم من ثناء على المحسنين، إذ قال الله تعالى: «الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ».

وأوضح أن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم ملك قلوب الناس بحسن خلقه حتى قبل أن يُبعث نبيًا ورسولًا، وعُرف بينهم بالصادق الأمين، ثم أثنى الله عز وجل على أخلاقه بعد الرسالة في قوله تعالى: «وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ»، وهو ما يؤكد المكانة الكبيرة التي يحتلها حسن الخلق في الإسلام.

أمثال تحث على مواصلة فعل الخير

وأضاف الدكتور عطية لاشين أن هناك أمثالًا أخرى تحث على مواصلة فعل الخير، ومنها قول الشاعر المسلم:

«ازرع جميلًا ولو في غير موضعه فلا يضيع جميل أينما زرعا».

كما أشار إلى المثل القائل: «اصنع الجميل في أهله وفي غير أهله، فإن لم يكن أهله فأنت أهله»، موضحًا أن هذه المعاني تحث الإنسان على تقديم المعروف وعدم ربط فعل الخير بمدى استحقاق الآخرين له أو بما قد يصدر عنهم من إساءة.

واستشهد الدكتور عطية لاشين بقصة مسطح بن أثاثة، التي توضح أهمية الاستمرار في الإحسان حتى عند التعرض للإساءة، موضحًا أن سيدنا أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان ينفق عليه، إلا أن مسطحًا شارك في الحديث عن عرض السيدة عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما خلال حادثة الإفك، وتناول ما قيل بشأنها بلسانه.

وأوضح أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه، بعدما علم بموقف مسطح، حلف ألا ينفق عليه مرة أخرى، فنزل قول الله تعالى يعاتبه على حلفه ويدعوه إلى مواصلة الإنفاق والإحسان إليه، رغم ما صدر عنه من إساءة.

واستشهد في هذا السياق بقول الله تعالى: «وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ»، إلى أن قال سبحانه وتعالى: «أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ»، وهي الآيات التي جاءت لتوجيه أبي بكر الصديق إلى عدم قطع إحسانه عن مسطح، ومواصلة الإنفاق عليه.

وأكد الدكتور عطية لاشين أن هذه القصة تحمل دلالة واضحة على أن الإساءة لا ينبغي أن تكون سببًا في التخلي عن فعل الخير، وأن المسلم مدعو إلى التحلي بالعفو والإحسان، والابتعاد عن الأمثال التي تزرع الخوف من تقديم المعروف أو تدفع إلى الامتناع عنه بسبب تجارب سلبية مع الآخرين.

وبذلك، فإن المثل «اتق شر من أحسنت إليه» لا يتفق مع المعاني التي تدعو إليها الشريعة الإسلامية من العفو عن المسيء ومواصلة الإحسان، بينما تؤكد النصوص القرآنية والنبوية أن مكارم الأخلاق وفعل المعروف من الصفات التي ينبغي للمسلم التمسك بها في تعامله مع الناس.

الأسئلة الشائعة

لا، وفق ما أوضحه الدكتور عطية لاشين فهو يخالف ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية من الحث على العفو عن المسيء والاستمرار في الإحسان إليه

لأنه يمثل عقبة أمام المسلم ويمنعه من مواصلة الإحسان للناس، كما قد يدفع البعض إلى الامتناع عن تقديم المعروف بسبب إساءة الآخرين

استشهد بآيات تدعو إلى دفع السيئة بالتي هي أحسن وبقصة أبي بكر الصديق مع مسطح بن أثاثة التي تؤكد عدم قطع الإحسان بسبب الإساءة