تصوير: هاني رجب.
أكد السفير التركي بالقاهرة، صالح موطلو شن، أن العلاقات الاستراتيجية والشراكة بين تركيا ومصر لم تعد مجرد خيار أو قرار سياسي، بل أصبحت “ضرورة تفرضها متطلبات السلام والأمن والاستقرار والتنمية في المنطقة المشتركة”، مشيرا إلى أن البلدين يمتلكان مصالح استراتيجية “مُتقاربة”، وأن التعاون بينهما يُمثّل “ركيزة مُهمة” لتعزيز الاستقرار الإقليمي.
جاء ذلك خلال كلمته في حفل السفارة التركية بالقاهرة، بمناسبة “الذكرى الثالثة بعد المائة لتأسيس الجمهورية التركية”، والذي أُقيم بمنزل السفير في الجيزة، بحضور نحو 1500 شخص، من بينهم مسؤولون مصريون وسفراء ودبلوماسيون وشخصيات عامة وإعلامية وثقافية وفنية.
وشهد الحفل حضور “الفريق محمد عباس، رئيس حزب حماة الوطن، ورئيس حزب الشعب الجمهوري، والنائب والوزير الأسبق محمد العرابي، وزير الخارجية الأسبق وعضو مجلس الشيوخ، إلى جانب السفير إيهاب سليمان، مدير مراسم وزارة الخارجية، والسفير عبد الرحمن موسى، مستشار شيخ الأزهر، وعدد من أعضاء مجلس النواب والشخصيات العامة”.
كما شارك في الاحتفال عدد كبير من السفراء العرب والأجانب، من بينهم “سفراء السعودية وسلطنة عُمان واليمن والاتحاد الأوروبي وباكستان والكويت والجزائر”، إلى جانب “ممثلين عن البعثات الدبلوماسية المعتمدة في القاهرة ومواطنين أتراك”.
103 أعوام على تأسيس الجمهورية التركية
قال السفير صالح موطلو شن، إن الجمهورية التركية تأسست قبل 103 أعوام، بعد مُعاناة وخسائر الحرب العالمية الأولى، لتكون دولة للأمة التركية، مؤكدا أن تأسيس الجمهورية “لم يكن مجرد تغيير في شكل الحكم، بل مثّل انطلاق نهج جديد يقوم على التعاون والتنمية والمساواة والاحترام المتبادل والتفاهم مع دول الجوار والمنطقة والعالم”.
وأوضح صالح شن، أن تركيا حرصت، منذ تأسيس جمهوريتها، على الابتعاد عن الحروب والمغامرات العسكرية، والعمل على إرساء السلام وبناء علاقات حُسن الجوار، بما في ذلك علاقاتها مع “اليونان وبريطانيا وفرنسا”، مشيرا إلى أنها تخلت عن ردود الفعل الإمبراطورية ورفضت السعي وراء التوسع الإقليمي أو الدخول في صراعات.
وأضاف السفير، أن مبدأ “السلام في الوطن، السلام في العالم” يُمثّل “أحد المرتكزات الأساسية للسياسة الخارجية التركية”، موضحا أن السلام لا يعني مجرد غياب الحرب، وإنما إقامة نظام تستطيع فيه الدول التعايش على أساس “الاحترام المتبادل والمساواة في السيادة والتعاون، والعمل المشترك من أجل التنمية والازدهار”.
تركيا ترفض استئناف الحرب ضد إيران والهجمات على الخليج
تطرق السفير التركي إلى “التطورات الإقليمية”، مؤكدا أن بلاده لا يُمكنها تجاهل التحديات التي تواجه المنطقة والعالم، ومشددا على معارضة استئناف الحرب ضد إيران، التي قال إنها “تسببت في اضطرابات أثرت على الاقتصاد العالمي”، ومؤكدا ضرورة حل الخلافات من خلال التفاوض.
كما أعلن صالح شن، رفض بلاده وإدانتها للهجمات التي تستهدف دول الخليج، وفي مُقدمتها “المملكة العربية السعودية”، واصفا إياها بالدولة الشقيقة والحليفة، مشيرا إلى أن الحوار والتعاون والردع تكتسب “أهمية مُتزايدة” في مواجهة التهديدات التي تستهدف الأمن الإقليمي.
وفيما يتعلق بالسودان، قال شن، إن بلاده تدعم تسوية النزاعات من خلال “الحوار والتفاوض”، مع ضرورة الحفاظ على الدولة ومؤسساتها باعتبارها “أساسا لأي حل”، كما أكد دعم تركيا للدولة الصومالية في مواجهة تنظيم “الشباب” الإرهابي، ورفضها محاولات تقسيم البلاد أو انفصال أقاليمها.
وبشأن ليبيا، أوضح السفير التركي، أن أنقرة تدعم وحدة أراضي البلاد وتوحيد مؤسسات الدولة وتحقيق الاستقرار، فيما أشار إلى أن تركيا تُعطي الأولوية لإعادة إعمار سوريا، وترفض أي محاولات لتجزئتها، مرحبة بالخطوات الرامية إلى “تحقيق الاندماج الوطني والمصالحة”، ومنددا بالاعتداءات التي تستهدف أمن سوريا وسلامة أراضيها.
السفير التركي: الحل العادل للقضية الفلسطينية يمر عبر حق تقرير المصير
وفيما يتعلق بـ”القضية الفلسطينية”، أكد السفير صالح موطلو شن، أن تركيا بالتعاون مع مصر وأمريكا وقطر، قدّمت مساهمات لدفع الانتقال إلى المرحلة الثانية في قطاع غزة، ضمن “إطار خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام”، والعمل على إقناع حركة “حماس” بقبول خارطة الطريق المطروحة.
وأشار شن، إلى أن المرحلة المقبلة ستتضح في ضوء “نتائج الانتخابات الإسرائيلية”، وما إذا كانت الحكومة التي ستتولى السُلطة ستختار مواصلة الحرب والتصعيد أم التوجه نحو السلام، لافتا إلى أن الأنشطة الاستيطانية “غير القانونية” في الضفة الغربية، وعنف المستوطنين، والممارسات التي تستهدف التهجير القسري للفلسطينيين، جعلت تنفيذ حل الدولتين أكثر صعوبة.
وتابع السفير التركي، أن محاولات المستوطنين المتطرفين للاستيلاء على أراضٍ في الضفة الغربية، بما في ذلك “مدينة الخليل”، تُمثّل “تطورا يُثير القلق”، مؤكدا أن تحقيق حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية وإقامة سلام حقيقي في الشرق الأوسط “لن يكون ممكنا إلا من خلال ضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره”.
وشدد صالح شن، على أن الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي يجب أن يعيشا جنبا إلى جنب في سلام وأمن، في إطار “دولتين مُنفصلتين”، معتبرا أن أمن الإسرائيليين لا يُمكن تحقيقه من خلال قتل الفلسطينيين أو تهجيرهم من وطنهم.
تحالف مكة ومجموعة رباعية لتعزيز الأمن الإقليمي
أكد شن، أن السياسة الخارجية التركية، تحت قيادة الرئيس رجب طيب أردوغان ووزير الخارجية هاكان فيدان، تقوم على مبدأ “الملكية الإقليمية”، من خلال العمل مع دول المنطقة لإيجاد حلول مشتركة للمشكلات القائمة، على أساس “المساواة والثقة والتضامن”.
وأوضح السفير، أن هذا النهج جرى تطبيقه بالتعاون مع مصر في ملف غزة، كما تجسّد في مجموعة “R-4” التي تضم تركيا ومصر وباكستان والسعودية، مشيرا إلى أن اجتماع المجموعة مع نظيرتها الأوروبية “E-4″، التي تضم إيطاليا وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، في إسطنبول خلال الأيام الأخيرة، عكس إمكانية توظيف التعاون بين القوى الإقليمية والدولية لدعم جهود السلام.
وأردف صالح شن، أن تركيا تنظر إلى جامعة الدول العربية باعتبارها “شريكا مهما”، معربا عن تهانيه للأمين العام الجديد نبيل فهمي، كما هنأ الأمين العام الجديد لمنظمة التعاون الإسلامي، إسماعيل ولد الشيخ، مؤكدا أهمية المنظمة بالنسبة لبلاده باعتبارها من الدول المؤسسة لها.
وفي هذا السياق، قال السفير التركي، إن مصر “شريك طبيعي” لتحالف مكة، وإن قرار الانضمام الرسمي إليه يعود إلى القاهرة، مؤكدا أن تركيا سترحب بمثل هذه الخطوة، لما يُمكن أن تُمثّله من أهمية في تحقيق التوازنات الإقليمية وتعزيز الأمن والاستقرار.
ولفت شن، إلى أن أكبر التهديدات التي تواجه الأمن الإقليمي تتمثل في “السعي إلى الهيمنة والتوسع اعتمادا على القوة والثقة المفرطة بالنفس”، مضيفا أن تحقيق التوازن وتعزيز قدرات الردع يُمكن أن يدفعا هذه القوى إلى ضبط النفس، وربما إلى تبني سلوك “أكثر تعاونا وتكاملا”.
9 مليارات دولار حجم التبادل التجاري المُتوقّع بين مصر وتركيا
وعن العلاقات الثنائية، صرح السفير صالح موطلو شن، أن الشراكة الاستراتيجية بين مصر وتركيا تستند إلى “تاريخ مشترك يمتد لنحو 1200 عام، فضلا عن الروابط الثقافية والاجتماعية وعلاقات القرابة بين الشعبين”، مؤكدا أن متطلبات السلام والأمن والاستقرار في شرق المتوسط تجعل التعاون بين البلدين ضرورة استراتيجية.
كما أوضح السفير، أن العلاقات الاقتصادية شهدت “تطورا ملحوظا” منذ عام 2022، مع افتتاح ما لا يقل عن 50 منشأة إنتاج تركية جديدة في مصر، مشيرا إلى أن الشركات التركية توفر فرص عمل لنحو 100 ألف مصري.
وتوقّع شن، أن يقترب حجم التبادل التجاري بين البلدين من 9 مليارات دولار خلال العام الحالي، بما يُمثّل “رقما قياسيا جديدا في العلاقات الاقتصادية بين القاهرة وأنقرة”.
تعاون عسكري ومشروعات مشتركة في الصناعات الدفاعية
وفيما يتعلق بالتعاون العسكري، أشار السفير التركي إلى أن، العلاقات بين البلدين تشهد “تقدما”، مع وجود مشروعات في مجال “الصناعات الدفاعية”، معربا عن ثقته في أن السنوات العشر المقبلة قد تشهد “إنتاجا مشتركا” بين مصر وتركيا لصواريخ وسفن وطائرات وطائرات مسيّرة.
وأكد السفير التركي، أن العلاقات بين البلدين، رغم عُمقها وتعدد مجالاتها، لا تعني بالضرورة تطابق مواقفهما بشأن جميع القضايا، موضحا أن تركيا، في دفاعها عن مصالحها الوطنية، “تأخذ في الاعتبار مصالح مصر أيضا”، وأن المصالح الاستراتيجية والوطنية للبلدين تتقارب بصورة “جوهرية”.
وأكمل السفير التركي بالقاهرة، أن الرؤية بعيدة المدى التي تتبناها مصر وتركيا، بعيدا عن المواقف المرتبطة بالتطورات اليومية واللحظية، تُمثّل “استثمارا في مستقبل العلاقات الثنائية”، وتأتي انطلاقا من المسؤولية التي يفرضها التاريخ والجوار والمصالح المشتركة.
أردوغان يتطلع إلى زيارة السيسي لتركيا
وفي ختام كلمته، شدد السفير صالح موطلو شن، على أهمية الإرادة السياسية التي أظهرها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس عبد الفتاح السيسي لتعزيز العلاقات الثنائية وتنسيق المواقف بشأن القضايا الإقليمية.
وأشار صالح شن، إلى زيارة أردوغان إلى القاهرة في فبراير الماضي، معربا عن تطلع بلاده إلى زيارة الرئيس السيسي لتركيا خلال الفترة المقبلة، استجابة للدعوة القائمة من الرئيس التركي.
واختُتمت فعاليات الحفل بعزف النشيدين الوطنيين “المصري والتركي”، إلى جانب تقديم فرقة موسيقية ضمت عددا من أبرز العازفين في مصر مقطوعات تقليدية وكلاسيكية من الموسيقى التركية والمصرية.
قال إن الشراكة بين تركيا ومصر لم تعد خيارًا سياسيًا فقط، بل أصبحت ضرورة تفرضها متطلبات السلام والأمن والاستقرار والتنمية في المنطقة المشتركة
توقع صالح موطلو شن أن يقترب حجم التبادل التجاري بين البلدين من 9 مليارات دولار خلال العام الحالي
أوضح أن العلاقات العسكرية تشهد تقدمًا وأن هناك مشروعات قائمة في الصناعات الدفاعية، مع توقع إنتاج مشترك خلال السنوات العشر المقبلة لصواريخ وسفن وطائرات وطائرات مسيّرة


