تواجه الولايات المتحدة تحديًا يتجاوز فرض العقوبات الاقتصادية على إيران، إذ يتطلب الحد من قدرتها على تمويل أنشطتها وشبكات حلفائها تنسيقًا دوليًا أوسع يشمل تبادل المعلومات وتعطيل مصادر التمويل ووقف تهريب الأسلحة، وفي هذا السياق، تبرز أهمية بناء تحالف من الدول القادرة على تنفيذ إجراءات مشتركة تستهدف الشبكات المالية واللوجستية المرتبطة بطهران.

وفي تقرير نشرته مجلة “ذا ناشيونال إنترست” (The National Interest) يرى التقرير أن حملة العقوبات الأمريكية لن تحقق كامل أهدافها من دون دعم دبلوماسي ومشاركة فاعلة من الحلفاء، إلى جانب توظيف المساعدات الخارجية في تعزيز قدرات الدول على مواجهة أنشطة إيران ووكلائها.

“المنبوذ الاقتصادي”.. العقوبات الأمريكية تحتاج إلى تحالف دولي

خلال إطلاق عملية “المنبوذ الاقتصادي” في أواخر أغسطس، وضع وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت هدفًا يتمثل في قطع مصادر الدعم الاقتصادي التي تساعد النظام الإيراني على مواصلة أنشطته، وصولًا إلى عزل طهران ماليًا، ويشير التقرير إلى أن الحملة الجديدة، بالتوازي مع الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية لمنع تصدير النفط، تمثل أحد أكثر التحركات الأمريكية جرأة في هذا المجال.

لكن “ذا ناشيونال إنترست” تؤكد أن واشنطن لا تستطيع تحقيق هذه الأهداف بمفردها، خصوصًا أن إيران وحلفاءها، رغم الخسائر التي تكبدوها على يد الولايات المتحدة وإسرائيل، لا يزالون قادرين على تشكيل تهديدات أمنية، ويشير التقرير إلى استمرار المخاطر المرتبطة بالحوثيين وحزب الله وحماس، في ظل سعي هذه الأطراف إلى إعادة التسلح وبناء قدراتها من جديد.

وتكشف التحركات الإيرانية عن اتساع نطاق التحدي، إذ رصدت الولايات المتحدة وحكومات أخرى استخدام طهران منصات العملات المشفرة وشركات الصرافة ومؤسسات مالية في دول من بينها العراق وتركيا ولبنان والإمارات والصين، كما كشفت الحكومات عن مخططات إرهابية مرتبطة بإيران وحماس في أوروبا، وشبكات لتوريد الأسلحة إلى الحوثيين في الصين، وتوريد طائرات مسيرة لحزب الله في أوروبا، فضلًا عن تهريب أسلحة إيرانية عبر سوريا ولبنان.

ويرى التقرير أن العقوبات والضغوط المالية يمكن أن تحد من وصول إيران إلى الموارد، لكن تعظيم تأثيرها يتطلب إدماجها ضمن استراتيجية دولية أوسع تستهدف شبكات التمويل والتسليح والإمداد التابعة لطهران وحلفائها.

تحركات دبلوماسية لتوسيع المواجهة مع إيران ووكلائها

يشير التقرير إلى أن واشنطن بدأت بالفعل خطوات دبلوماسية محددة لمواجهة الإرهاب المرتبط بإيران، وحققت نتائج يمكن البناء عليها، ففي 12 أكتوبر، أصدرت الولايات المتحدة و29 حكومة أخرى بيانًا اتهمت فيه طهران بتدبير مخططات لاستهداف أصول جوية أمريكية في قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني فيرفورد.

وقبل ذلك بأسبوع، أدانت الولايات المتحدة وثماني دول في نصف الكرة الغربي الأنشطة الإرهابية والخبيثة الإيرانية في المنطقة، عقب اجتماع مشترك ترأسته حكومتا الولايات المتحدة وباراغواي، كما اتهمت وزارة الخارجية الأمريكية، في يونيو، إيران بالوقوف وراء سلسلة هجمات في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا، بمشاركة أكثر من 20 حكومة أخرى في هذا الموقف.

وبحسب “ذا ناشيونال إنترست”، تكتسب هذه التحركات أهمية خاصة لأن عددًا من الدول المشاركة كان يتردد سابقًا في إدانة المخططات الإيرانية، حتى عندما تقع على أراضيه، ويرجع التقرير هذا التردد إلى مخاوف من ردود الفعل الإيرانية، سواء داخل الدول المعنية أو ضد دبلوماسييها ومنشآتها في إيران، فضلًا عن القلق بشأن مصير مواطنيها المحتجزين في السجون الإيرانية.

وامتدت الجهود الأمريكية إلى دفع سبع دول في أمريكا الجنوبية والوسطى لإدراج الحرس الثوري الإيراني وحزب الله وحماس على قوائم العقوبات أو فرض إجراءات بحقها خلال السنوات الماضية، ويعتبر التقرير أن هذه الخطوات تحمل أهمية رمزية، إلى جانب توفير أدوات إضافية للحكومات لمواجهة التهديدات المرتبطة بهذه الجهات.

ويبرز التقرير كذلك إدراج الاتحاد الأوروبي الحرس الثوري الإيراني على القائمة السوداء في فبراير، باعتباره خطوة قد تفتح المجال أمام تعزيز إجراءات إنفاذ القانون الجنائي في أوروبا وتجميد أصول الشبكات الإيرانية.

المساعدات الخارجية لتعزيز قدرات الدول على مواجهة الشبكات الإيرانية

رغم ما تحقق من بيانات مشتركة وعقوبات، يرى التقرير أن الوصول إلى هدف قطع الدعم الاقتصادي عن إيران يتطلب توسيع نطاق التعاون الدولي، لأن شبكات التمويل والتوريد المرتبطة بطهران ووكلائها تعمل في مناطق متعددة حول العالم.

ويستدعي ذلك، بحسب المجلة، إقناع مزيد من الدول بإعطاء الأولوية لهذه القضية وتخصيص الموارد اللازمة لها، إلى جانب تعزيز تبادل المعلومات والتنسيق بين الأجهزة المعنية، ويشير التقرير إلى أن تحقيق هذا الهدف ممكن، لكنه يحتاج إلى مشاركة أمريكية رفيعة المستوى ومستمرة وجهود دبلوماسية مكثفة، وهو نهج لم تمنحه إدارة ترامب الأولوية دائمًا.

ولا يقتصر التحدي على انضمام الدول إلى التحالف، بل يمتد إلى مساعدتها على تطوير المهارات والقدرات اللازمة للتعامل مع الأنشطة الإيرانية المعقدة، خصوصًا المخططات المالية المتطورة، وفي هذا الإطار، يشير التقرير إلى أن الكونجرس خصص لوزارة الخارجية الأمريكية نحو 300 مليون دولار خلال السنة المالية الحالية لتعزيز قدرات الشركاء في مكافحة الإرهاب، وهو مبلغ يتجاوز بكثير ما طلبته الإدارة.

وحتى الآن، أعلنت وزارة الخارجية التزامها بإنفاق جزء من هذه الأموال لمواجهة خطر عصابات المخدرات في أمريكا الوسطى، بما يتماشى مع تصنيف الإدارة لهذه العصابات منظمات إرهابية، لكن المجلة ترى أن مواجهة أنشطة إيران ووكلائها ينبغي أن تحظى أيضًا بالأولوية، في ضوء توجه الإدارة إلى قطع مصادر الدعم الاقتصادي لطهران.

مقترحات لتعطيل التمويل والتهريب المرتبطين بإيران

يقترح التقرير توظيف التمويل الأمريكي في دعم الدول التي يمكنها أداء أدوار محورية في كشف الأنشطة غير المشروعة المرتبطة بإيران وتعطيلها، ويشمل ذلك تدريب وتجهيز سلطات أمن الحدود السورية لمواجهة عمليات التهريب الإيرانية وتهريب حزب الله، بما فيها نقل الأموال النقدية بكميات كبيرة.

كما يمكن، وفق التقرير، دعم خفر السواحل اليمني في كشف شبكات الأسلحة والمشتريات التابعة للحوثيين وتعطيلها، وتعزيز قدرة المؤسسات المالية العراقية على تحديد مخططات التمويل الإيرانية غير المشروعة، ويدعو التقرير أيضًا إلى مساندة سلطات غرب أفريقيا وأمريكا الجنوبية في كشف الشبكات المالية غير المشروعة المرتبطة بحزب الله ومقاضاة المسؤولين عنها.

وفي أوروبا، يمكن توجيه برامج المساعدة إلى دول مختارة لتعزيز قدرتها على مواجهة المخططات الإيرانية وعمليات شراء الأسلحة المرتبطة بحزب الله، إلى جانب أنشطة جمع التبرعات لحماس، في ضوء الحالات التي شهدتها القارة مؤخرًا.

ويختتم التقرير بالإشارة إلى وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إطلاق عملية “المنبوذ الاقتصادي” بأنه “يوم النصر الاقتصادي”، ودعوته الحلفاء إلى المساعدة في عزل التهديد الإيراني وهزيمته، ويرى أن هذه المبادرة تتيح للإدارة الأمريكية فرصة لتعزيز أهدافها من خلال الدبلوماسية والمساعدات الخارجية، رغم ترددها في بعض الأحيان بشأن جدوى هذه الأدوات.

ويرى المراقبون، أن نجاح استراتيجية عزل إيران اقتصاديًا، وفق الطرح الذي تقدمه “ذا ناشيونال إنترست”، لن يتوقف على تشديد العقوبات الأمريكية وحدها، بل سيتطلب تحالفًا دوليًا قادرًا على تنسيق الجهود المالية والأمنية، وتبادل المعلومات، وتعزيز قدرات الدول على مواجهة شبكات التمويل والتسليح المرتبطة بطهران ووكلائها، ويربط التقرير بين فاعلية هذه الجهود ومستقبل قدرة إيران على إعادة بناء نفوذها، وكذلك استقرار الشرق الأوسط.

الأسئلة الشائعة

الهدف هو تنسيق الجهود الدولية لتعطيل مصادر تمويل إيران وشبكات حلفائها ووقف تهريب الأسلحة وتبادل المعلومات بين الدول المعنية

لأن الشبكات المرتبطة بطهران تعمل عبر دول ومناطق متعددة حول العالم ولأن واشنطن تحتاج دعمًا دبلوماسيًا ومشاركة فاعلة من الحلفاء حتى تحقق العقوبات أثرًا أكبر

يقترح دعم الدول القادرة على كشف الأنشطة غير المشروعة المرتبطة بإيران مثل تدريب سلطات الحدود السورية وخفر السواحل اليمني وتعزيز قدرات المؤسسات المالية العراقية وبرامج المساعدة الأوروبية والأفريقية والأمريكية الجنوبية