تكشف شهادات عائلات فلسطينية ومنظمات حقوقية عن انتهاكات يتعرض لها العائدون إلى قطاع غزة عبر معبر رفح، من الاعتقال دون اتهامات إلى الاعتداءات الجسدية والتفتيش المهين، وسط مخاوف من أن يؤدي انسحاب الأمم المتحدة من مهمة تنسيق العودة إلى ترك المسافرين بلا حماية دولية، وفق صحيفة «لوموند».

في رفح، المعبر الحدودي الوحيد الذي يربط قطاع غزة بمصر، اعتقلت القوات الإسرائيلية 11 فلسطينيًا منذ 22 مارس الماضي، أثناء مغادرتهم القطاع أو عودتهم إليه، من دون تقديم تفسيرات واضحة.

لم تتمكن ميسون الريفي من معرفة سوى مكان احتجاز والدتها أمل، البالغة من العمر 60 عامًا، وشقيقتها ياسمين. وفي اتصال هاتفي من غزة، حيث تمنع إسرائيل الصحافة الأجنبية من دخول القطاع منذ هجمات حماس في 7 أكتوبر 2023، تروي المحامية، البالغة من العمر 30 عامًا، معاناة أسرتها وعجزها عن معرفة مصير والدتها المصابة بالسرطان، التي اعتُقلت مع ابنتها الأخرى أثناء عودتهما من مصر، حيث كانت تتلقى العلاج منذ فبراير 2025.

تقول ميسون الريفي، المقيمة في مدينة غزة: «تعاني والدتي سرطان الثدي الذي انتشر إلى الرئتين. وخلال الهدنة التي شهدها قطاع غزة عام 2025، حصلت على إجلاء طبي إلى مصر، بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية. وخضعت هناك لعمليتين جراحيتين وعدد كبير من جلسات العلاج الكيميائي. لكن العلاج أنهك جسدها، كما تدهورت حالتها النفسية. لذلك طلبت العودة إلى غزة، مفضلة الموت بيننا. لم تعد تحتمل البعد عنا».

في 20 أكتوبر، وبينما كانت عودتهما عبر معبر رفح، المنفذ الحدودي الدولي الوحيد لسكان القطاع، قد حصلت على موافقة جميع الأطراف المشاركة في التنسيق، وهي مصر والسلطة الفلسطينية وإسرائيل، اعتقلت القوات الإسرائيلية المرأتين.

وبفضل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، علمت ميسون لاحقًا أن والدتها أمل وشقيقتها ياسمين محتجزتان في سجن «شيكما» بمدينة عسقلان الإسرائيلية. وتضيف: «والدتي في خطر، ونريد تفسيرات. عائلتي لا علاقة لها بأي نشاط سياسي أو عسكري، وليس لنا أي صلة بكل ما يحدث. ولو كانت لدينا أدنى شكوك، لما خاطرنا أبدًا بالسفر بوالدتي المريضة وشقيقتي». ولم يقدم الجيش الإسرائيلي أي رد عندما تواصلت معه صحيفة «لوموند».

احتجاز إلى أجل غير مسمى.

يسمح القانون الإسرائيلي المثير للجدل، المتعلق باحتجاز من تصفهم إسرائيل بـ«المقاتلين غير الشرعيين»، بسجن الفلسطينيين لأسباب أمنية، من دون توجيه اتهامات إليهم أو إخضاعهم لمحاكمة جنائية، ولمدة غير محددة. وقد احتُجز آلاف الفلسطينيين بموجب هذا القانون منذ 7 أكتوبر 2023، ولا يزال مئات منهم قيد الاعتقال.

وتفيد منظمة «الضمير» الفلسطينية للدفاع عن حقوق الإنسان، ومقرها غزة، بأنها علمت مؤخرًا بتمديد احتجاز أمل الريفي وابنتها حتى 3 ديسمبر، من دون تقديم أي تفاصيل إضافية. وبمساعدة محامين في إسرائيل، تحاول المنظمة متابعة مصير أشخاص آخرين اعتُقلوا في ظروف مماثلة.

ومنذ 22 مارس، اعتقلت إسرائيل 11 فلسطينيًا من سكان غزة أثناء مغادرتهم القطاع أو عودتهم إليه عبر رفح، بينهم ثلاثة أشخاص في 29 أكتوبر. ويقول علاء السقافي، مدير المنظمة: «حتى أفراد البعثة الأوروبية (EUBAM Rafah) يقفون عاجزين أمام هذه الاعتقالات».

وتتولى بعثة المساعدة المدنية التابعة للاتحاد الأوروبي، المنتشرة عند معبر رفح، الإشراف على عبور المسافرين ومراقبته. ويؤكد السقافي أن جميع المسافرين خضعوا بالفعل للتحريات الأمنية قبل حصولهم على تصاريح العبور، معربًا عن مخاوفه من أن تكون إسرائيل قد وجدت وسيلة جديدة «لإيقاع الأشخاص في الفخ».

ويشدد قائلًا: «هذا انتهاك لاتفاق وقف إطلاق النار». وكان الاتفاق، الذي أُبرم في 10 أكتوبر بين حماس وإسرائيل برعاية دونالد ترامب، ينص على ضمان حرية تنقل الفلسطينيين عبر معبر رفح منذ المرحلة الأولى من تنفيذه.

لكن الواقع بعيد كل البعد عن ذلك. فمنذ إعادة فتح المعبر في فبراير، بعد إغلاق استمر عامًا وتسعة أشهر، تتزايد القيود الإسرائيلية المفروضة على حركة التنقل. وكانت عملية إعادة فتحه نفسها قد شهدت خلافًا حادًا بين إسرائيل، التي أرادت السماح بخروج أعداد أكبر من العائدين، ومصر التي أصرت على تحقيق التساوي في أعداد المسافرين في الاتجاهين. وفي النهاية، جرى اعتماد مبدأ التوازن، لكن ذلك لم يمنع استمرار القيود.

ويقول مسؤول فلسطيني رفيع المستوى، شارك في المفاوضات، لصحيفة «لوموند»: «كان المشروع الإسرائيلي دائمًا هو التهجير، وقد نجحنا في التصدي له من خلال فرض هذا التوازن. لكن إسرائيل تحذف في اللحظة الأخيرة عشرات الأسماء من قوائم المسافرين القادمين من مصر، ما يضطرنا بدورنا إلى تقليص عدد المغادرين من غزة بالقدر نفسه».

ويدفع المرضى والجرحى الثمن الأكبر لهذه القيود، إذ ينتظر أكثر من 20 ألف شخص الإجلاء الطبي لتلقي العلاج في الخارج، بسبب عدم توافر الرعاية اللازمة داخل القطاع.

ومن بين البنود الأخرى التي جرى التفاوض عليها بشق الأنفس، التزام إسرائيل، الذي لم تحترمه، بضمان دخول غزة لكل شخص حصل على تصريح سفر. وقد أقامت القوات الإسرائيلية نقطة تفتيش واستجواب عند معبر كرم أبو سالم، القريب جدًا من معبر رفح، حيث يخضع الفلسطينيون العائدون إلى منازلهم للتفتيش والاستجواب.

عنف وترهيب عند العودة.

منذ عودة أولى دفعات الفلسطينيين عقب إعادة فتح معبر رفح في 2 فبراير، وثقت صحيفة «لوموند» المعاملة المهينة التي تعرضوا لها. ولا تزال أعمال العنف والترهيب مستمرة. فقد أفاد عدد كبير من الفلسطينيين بتعرضهم للاعتداء الجسدي والتهديد والتفتيش المهين على أيدي جنود إسرائيليين أو أفراد مسلحين آخرين يعملون تحت سلطة إسرائيل.

وفي مطلع أغسطس، تعرض رجل مسن كان يحتج على اختفاء مبلغ مالي للضرب والتقييد بالأصفاد والجر على الأرض، قبل احتجازه داخل غرفة صغيرة، ثم نقله الجنود الإسرائيليون إلى حافلة، وفقًا لشهادات جمعتها الأمم المتحدة.

وتحدث آخرون عن مصادرة أدوية ومعدات طبية ووثائق هوية وشهادات دراسية وأموال وممتلكات شخصية، من دون إتاحة أي إمكانية لاستردادها.

وفي 13 أغسطس، ندد أجيـث سونغهاي، رئيس مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بهذه الممارسات قائلًا: «إننا نتحدث عن أشخاص في أوضاع هشّة يعودون إلى أرضهم المحتلة، التي دمرتها سنوات من القصف الإسرائيلي، وحُرمت من أبسط مقومات الحياة. فهل يُعقل أن يواجهوا كل هذه المعاناة عند عودتهم؟ إنه أمر مقزز بكل بساطة».

واعتبر أن هذه الانتهاكات تندرج ضمن نمط أوسع من الممارسات الهادفة إلى ردع الفلسطينيين عن العودة إلى منازلهم.

وبحسب المعلومات التي حصلت عليها «لوموند»، فإن تزايد هذه الحوادث والاعتقالات دفع الأمم المتحدة إلى التفكير في تعليق مهمتها لتنسيق عودة الفلسطينيين إلى غزة عبر رفح اعتبارًا من 19 نوفمبر، من دون وجود بديل لهذه المهمة.

ولم يؤكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، الذي تواصلت معه «لوموند»، هذا الموعد، مكتفيًا بالإشارة إلى أن المنظمة الدولية «تعيد تقييم عمليات مرافقة الأشخاص العائدين إلى قطاع غزة»، متعهدًا بإصدار «بيان علني» فور انتهاء هذه المراجعة.

لكن المسؤول الفلسطيني الرفيع المستوى المعني بهذا الملف يبدو واثقًا من صحة المعلومات. ويرى أن منطق الأمم المتحدة في هذا القرار غير مفهوم، لأن انسحاب فرقها قد يؤدي، على العكس، إلى تفاقم الوضع.

ويقول: «إنهم يبررون قرارهم بأن سوء المعاملة الإسرائيلية عند المعبر هو السبب وراء هذه الخطوة. لكن الأمم المتحدة، من خلال وحدة دعم الوصول التابعة لها (ASU) هي الشاهد الوحيد على هذه الانتهاكات. وإذا أوقفت مهمتها، فلن يبقى أي وجود دولي لحماية المسافرين الفلسطينيين في مواجهة الإسرائيليين».ويخشى المسؤول أن يفتح هذا الفراغ الباب أمام تولي شركات خاصة أو ميليشيات فلسطينية مدعومة من إسرائيل مسؤولية التعامل مع المسافرين، وهو احتمال يتعارض، بحسب قوله، مع المهمة الإنسانية للأمم المتحدة.

نقص الإمكانات يزيد المعاناة.

وإلى جانب هذه العقبات، تعاني محطة رفح نقصًا حادًا في الإمكانات المادية، ما يحد من عدد المسافرين المسموح لهم بالعبور. فلا تتوافر أعداد كافية من المركبات وسيارات الإسعاف، كما تعاني المحطة نقص الموظفين وتدهور المباني والمنشآت.

ويروي المسؤول: «نعمل داخل حاوية، وكأننا في سجن إسرائيلي». ولا تستطيع الإدارة الفلسطينية، رغم حصولها على مساعدة الاتحاد الأوروبي، الإفلات من الحرمان الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة بأكمله، الخاضع لحصار خانق.

ويضيف: «طلبنا السماح لنا باستخدام مبانٍ شاغرة حاليًا في رفح، لكن الإسرائيليين يرفضون، كما يرفضون إدخال المركبات اللازمة لتنفيذ مهمتنا. ومع ذلك، هناك دول عدة مستعدة لتمويل هذه المساعدات».

الأسئلة الشائعة

اعتقلت إسرائيل 11 فلسطينيًا منذ 22 مارس الماضي أثناء مغادرتهم قطاع غزة أو عودتهم إليه عبر معبر رفح

الشهادات تحدثت عن الاعتقال دون اتهامات والاعتداء الجسدي والتهديد والتفتيش المهين ومصادرة أدوية ووثائق هوية وأموال وممتلكات شخصية

لأن المعلومات تشير إلى احتمال تعليق مهمة تنسيق العودة اعتبارًا من 19 نوفمبر بينما لا يوجد بديل واضح لهذه المهمة وقد يؤدي غيابها إلى فقدان الحماية الدولية للمسافرين