لم يعد نجاح الحوارات الوطنية والمنتديات المجتمعية يقاس بحجم النقاشات التي تشهدها أو عدد التوصيات التي تخرج بها، وإنما بقدرتها على إحداث تغيير حقيقي في حياة المواطنين ومن هنا تبرز أهمية منتدى مصر، الذي يدخل مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من طرح الرؤى والأفكار إلى متابعة التنفيذ، في ظل توجه رئاسي يستهدف وضع مخرجات المنتدى على مسار عملي واضح، يضمن ألا تظل التوصيات حبيسة الأوراق أو مجرد تعهدات تنتهي بانتهاء الفعاليات.

ويأتي اعتماد الرئيس عبد الفتاح السيسي للمخطط السنوي المقترح لمتابعة مخرجات المنتدى ليمنح هذه الخطوة أهمية خاصة، إذ يعكس توجهًا نحو تحويل الحوار إلى عملية مستمرة لمراجعة أداء القطاعات المختلفة، ومتابعة القضايا التي تمس حياة المواطنين، وربط ما يتم طرحه من مطالب وأفكار ببرامج تنفيذية تتولى الحكومة مسؤولية تحقيقها فالقضية لم تعد مرتبطة بما تم الاتفاق عليه داخل جلسات المنتدى، وإنما بمدى قدرة مؤسسات الدولة على ترجمة هذا الاتفاق إلى نتائج ملموسة.

وتتجلى أهمية التوجيه الرئاسي بإلزام الحكومة بنشر الجداول الزمنية الخاصة بتنفيذ التوصيات ومؤشرات قياس الأداء على الموقع الإلكتروني للمنتدى، في أنه يضع عملية التنفيذ أمام الرأي العام، ويمنح المواطنين حق متابعة ما تم الإعلان عنه ومقارنته بما تحقق بالفعل كما أن تحديد المواعيد والمسؤوليات ومعدلات الإنجاز من شأنه أن يجعل كل جهة حكومية أمام التزامات واضحة، بدلًا من الاكتفاء بإعلان خطط عامة يصعب تقييم نتائجها.

وتكمن أهمية الجداول الزمنية في أنها تحدد متى يبدأ تنفيذ كل توصية ومتى يفترض الانتهاء منها، بينما تمثل مؤشرات قياس الأداء الأداة التي يمكن من خلالها معرفة ما إذا كانت الإجراءات الحكومية قد حققت أهدافها أم لا فليس المهم أن تعلن جهة حكومية عن بدء تطوير خدمة معينة، وإنما الأهم أن يعرف المواطن عدد المستفيدين منها، ومدى تحسن جودتها، والمدة التي استغرقتها عملية التطوير، وما إذا كانت النتائج تتناسب مع الاحتياجات الفعلية للمواطنين.

ومن هنا تبرز مسؤولية الحكومة في الانتقال من مرحلة الاستجابة للتوصيات إلى وضع برامج تنفيذية محددة، تتضمن توزيع الأدوار بين الوزارات والمحافظات والهيئات المختلفة، مع توفير الموارد اللازمة وتحديد المسؤول عن كل ملف كما يتطلب الأمر وجود آلية متابعة دورية تكشف نسب الإنجاز، وتوضح أسباب التأخير حال حدوثه، وتتيح مراجعة الخطط وتصحيح مسارها وفقًا لما تكشف عنه نتائج التنفيذ.

ولا تنفصل هذه الخطوات عن الملفات التي تشغل المواطن بصورة مباشرة، وفي مقدمتها الصحة والتعليم وتوفير فرص العمل وتحسين الخدمات المحلية وتطوير البنية الأساسية، فضلًا عن دعم الشباب وذوي الهمم وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية فالمواطن لا ينتظر فقط إعلان توصيات تتعلق بهذه القطاعات، وإنما يريد أن يلمس أثرها في حياته اليومية، من خلال خدمة صحية أفضل، ومدرسة أكثر كفاءة، وفرصة عمل مناسبة، وإجراءات حكومية أسرع، ومستوى أفضل من الخدمات في قريته أو مدينته.

كما أن التوجه نحو متابعة مخرجات المنتدى بصورة سنوية، مع تخصيص اهتمام شهري لأحد القطاعات، يفتح المجال أمام استمرار الحوار وعدم اقتصاره على مناسبة واحدة، ويتيح مراجعة ما تم إنجازه بصورة متواصلة فكل قطاع يحتاج إلى متابعة متخصصة، ومناقشة التحديات التي تواجهه، والاستماع إلى أصحاب الخبرة والمواطنين، بما يساعد على الوصول إلى حلول أكثر ارتباطًا بالواقع وقابلة للتطبيق.

وتبرز أهمية مشاركة الخبراء وممثلي المجتمع المدني والشباب في هذه المرحلة، باعتبارهم شركاء في تقييم السياسات وليسوا مجرد أطراف مشاركة في الحوار فنجاح أي خطة تنفيذية يرتبط بمدى قدرتها على التعامل مع المشكلات الحقيقية، والاستفادة من الخبرات المتخصصة، والاستماع إلى المواطنين الذين يتعاملون يوميًا مع الخدمات الحكومية ويعرفون جوانب القصور والاحتياجات الفعلية.

الاكتفاء بإعداد الخطط دون متابعة تنفيذها

ومن الضروري كذلك ألا تقتصر تقارير المتابعة على إعلان نسب الإنجاز، بل ينبغي أن تتضمن توضيحًا للأثر الذي تحقق على أرض الواقع، وأن تتيح المقارنة بين المستهدف والمنفذ، مع إظهار الملفات التي تحتاج إلى تدخل إضافي فالإعلان عن الإنجاز لا يكتسب قيمته إلا عندما يكون مرتبطًا بتحسن حقيقي في جودة الخدمة أو زيادة فرص الاستفادة منها، وهو ما يجعل الشفافية والمحاسبة عنصرين أساسيين في نجاح التجربة.

وفي هذا الإطار، تمثل توجيهات الرئيس السيسي بشأن اعتماد المخطط السنوي ونشر الجداول الزمنية ومؤشرات الأداء فرصة لتحويل منتدى مصر إلى آلية مؤسسية تربط بين الحوار وصناعة القرار والتنفيذ، وتمنح المواطن مساحة أكبر لمتابعة أداء الحكومة وتقييم نتائج السياسات العامة غير أن نجاح هذه الخطوة سيظل مرهونًا بجدية الالتزام، وسرعة التعامل مع العقبات، وعدم الاكتفاء بإعداد الخطط دون متابعة تنفيذها.

وفي النهاية، فإن الاختبار الحقيقي لمنتدى مصر لن يكون في عدد التوصيات التي خرج بها، ولا في حجم المشاركة التي شهدها، وإنما في عدد الملفات التي انتقلت من مرحلة النقاش إلى التنفيذ، وفي حجم التغيير الذي شعر به المواطن نتيجة ذلك فحين يجد المواطن أن ما طُرح في الحوار انعكس على مستوى الخدمة التي يحصل عليها، وأن هناك جدولًا زمنيًا معلنًا ومؤشرات يمكنه من خلالها متابعة الإنجاز، عندها فقط يمكن القول إن الحوار نجح في تجاوز حدود القاعات إلى واقع الحياة اليومية.

الأسئلة الشائعة

الهدف هو الانتقال من طرح الرؤى والأفكار إلى متابعة التنفيذ، حتى لا تظل التوصيات مجرد أوراق أو تعهدات وتنتهي دون أثر ملموس

ستُنشر الجداول الزمنية الخاصة بتنفيذ التوصيات ومؤشرات قياس الأداء، حتى يتمكن المواطنون من متابعة ما أُعلن عنه ومقارنته بما تحقق بالفعل

ذكر المقال الصحة والتعليم وتوفير فرص العمل وتحسين الخدمات المحلية وتطوير البنية الأساسية ودعم الشباب وذوي الهمم وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية