تأتي زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى العاصمة المجرية بودابست في إطار تحركات السياسة الخارجية المصرية الهادفة إلى توسيع دوائر التعاون الدولي، وتعزيز الشراكات مع الدول الأوروبية، بما يحقق المصالح الاستراتيجية والاقتصادية للدولة المصرية.
الزيارة لا تقتصر على تعزيز العلاقات الثنائية بين القاهرة وبودابست، وإنما تفتح آفاق أوسع للتعاون في ملفات حيوية تتعلق بالاقتصاد والاستثمار والأمن الإقليمي والهجرة غير النظامية والأمن المائي، فضلا عن تبادل الخبرات في مجالات التعليم والبنية الأساسية. وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة في ظل المتغيرات الدولية والإقليمية المتسارعة، التي تفرض على الدول تنويع شراكات وتوسيع خياراتها السياسية والاقتصادية.
فما النتائج التي يمكن أن تحققها زيارة بودابست؟ وما موقع المجر في حسابات التحرك المصري داخل أوروبا؟ وكيف يمكن ترجمة التفاهمات السياسية إلى مصالح ومشروعات ملموسة؟ في هذه القراءة، يستعرض اللواء الدكتور محمد الدسوقي، خبير الدراسات الاستراتيجية والعلوم السياسية، أبعاد الزيارة ودلالاتها، والفرص التي تتيحها لتعزيز الحضور المصري على الساحة الأوروبية.
نتائج عظيمة لزيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى العاصمة المجرية

من جانبه قال الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي اللواء الدكتور محمد الدسوقي.
يبدأ قائلا.. تأتى نتائج عظيمة لزيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى العاصمة المجرية بودابست، مساء التاسع والعشرين من أكتوبر 2026، في زيارة رسمية، لتؤكد أهمية مواصلة التحرك المصري في الساحة الأوروبية، وتوسيع شبكة العلاقات التي تخدم المصالح الوطنية في مرحلة تتداخل فيها التحديات الأمنية والاقتصادية.
وقد أعلنت رئاسة الجمهورية وصول ومغادرة الرئيس إلى بودابست، حيث استقبله مسؤولون من المجر وممثلو السفارة والجالية المصرية.
وتابع.. وتكتسب نتائج الزيارة أهميتها من قدرتها على دفع العلاقات الثنائية إلى خطوات عملية، وتعزيز التشاور بشأن القضايا التي يتقاطع فيها أمن مصر واستقرار محيطها الإقليمي مع المصالح الأوروبية، فالعلاقة مع المجر تتيح للقاهرة مساحة للتعاون داخل وسط أوروبا، وتوفر العاصمة بودابست شراكة مع دولة ذات موقع مؤثر في البحر المتوسط وأفريقيا والشرق الأوسط.
من التقارب السياسي إلى المصالح الاقتصادية
وأوضح دكتور “الدسوقى”: تشكل الثقة السياسية أساسا مهما للعلاقات بين الدول، لكن استدامتها تحتاج إلى مصالح اقتصادية ومشروعات تحقق عائدا ملموسا للشعوب، ومن هنا، تبرز أهمية البناء على إعلان الشراكة الاستراتيجية الموقع بين مصر والمجر عام 2023، وهو ما أكده الرئيس السيسي خلال مباحثاته مع الرئيس المجري في الثلاثين من أكتوبر، مع الإشارة إلى التعاون القائم في السكك الحديدية، وفرص المشروعات المرتبطة بالبنية الأساسية ومبادرة «حياة كريمة».
وأكد.. ومن منظور تحليلي، يمثل التعاون في النقل والبنية الأساسية مدخلا لتوسيع الشراكة الصناعية، لأن القيمة المضافة لمثل هذه المشروعات ترتفع عندما تشمل التدريب والصيانة ونقل الخبرة وزيادة المكون المحلي، بما يدعم قدرة الاقتصاد المصري على الإنتاج والتشغيل.
وتابع.. كما يمكن أن يتيح التعاون بين الشركات المصرية و المجرية فرصا للوصول إلى أسواق جديدة، ويظل تحقيق ذلك مرهونا بدراسة الجدوى، وتوفير التمويل، وتحديد مسؤوليات التنفيذ، وربط الاتفاقات باحتياجات فعلية لدى الطرفين.
المجر في حسابات التحرك المصري داخل أوروبا
وكشف دكتور “الدسوقى”: تتيح العلاقات مع المجر قناة إضافية للحوار مع دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، بما يساعد على توضيح الرؤية المصرية إزاء قضايا المنطقة، تنوع العلاقات داخل أوروبا يمنح الدبلوماسية المصرية قدرة أكبر على عرض مصالحها وبناء التفاهمات حولها.
ويكمل.. وتبرز هنا أهمية شرح الارتباط بين استقرار الشرق الأوسط وأمن أوروبا؛ مثل اضطراب الملاحة، واتساع الصراعات، وتراجع قدرة الدول على ضبط حدودها، كلها تطورات تتجاوز آثارها الإقليم الذي تنشأ فيه، ولذلك، فإن دعم جهود التسوية السياسية وبناء مؤسسات الدول يمثل مصلحة مشتركة يمكن أن يستند إليها الحوار المصري – المجري.
وشرح قائلا.. تناولت المباحثات الرئاسية تطورات الأوضاع الإقليمية والدولية، واستعرض الرئيس السيسي جهود مصر لدعم التسويات السلمية، بينما أعرب الجانب المجري عن تقديره للدور المصري في استقرار المنطقة.
الهجرة والتنمية.. مسؤولية مشتركة
قال دكتور “الدسوقى”: يعد ملف الهجرة غير النظامية أحد المجالات التي تكشف ترابط المصالح المصرية والأوروبية، وقد حضر هذا الملف في المباحثات، إلى جانب الدعوة لتعزيز التعاون الأمني بين البلدين.
وأوضح.. والقراءة الاستراتيجية لهذا الملف تقتضي الجمع بين تأمين الحدود ومعالجة الدوافع التي تدفع الأفراد إلى المخاطرة بحياتهم.
استمرار النزاعات وضعف فرص العمل وتراجع الخدمات عوامل تزيد الضغوط على المجتمعات والدول المستقبلة على السواء.
وتابع.. ومن ثم، يمكن أن يكتسب التعاون المصري – المجري قيمة أوسع إذا ارتبط بالتدريب المهني والاستثمار وخلق فرص العمل، ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، وتطوير مسارات قانونية ومنظمة للحركة وفق احتياجات الطرفين، فنجاح إدارة الهجرة يحتاج إلى توزيع متوازن للمسؤوليات واستثمار طويل الأجل في الاستقرار.
الأمن المائي ضمن الحوار السياسي
وقال.. يحمل إدراج الأمن المائي في الاتصالات المصرية الخارجية أهمية خاصة، باعتباره مرتبطًا بحياة المجتمع وقدرته على التنمية.
وقد أشار البيان الرسمي الى مباحثات إلى تفهم الرئيس المجري أهمية نهر النيل بالنسبة لمصر.
وأردف.. وتكمن الدلالة السياسية لهذا التفهم في توسيع إدراك الشركاء الأوروبيين لحساسية القضية المائية المصرية، وأهمية إدارة الأنهار المشتركة على أساس التعاون واحترام الحقوق وتجنب الإضرار.
وأضاف.. ويتيح الحوار كذلك بحث فرص الاستفادة من الخبرات الفنية في إدارة المياه ومعالجتها ورفع كفاءة استخدامها، وتدعم هذه المجالات قدرة الدولة على مواجهة الضغوط المائية، بالتوازي مع التحرك الدبلوماسي لحماية مصالحها.
التعليم والثقافة قاعدة لاستدامة العلاقات
وأوضح .. تحتاج الشراكات المستقرة إلى تواصل بين المجتمعات والمؤسسات التعليمية والثقافية، فالتبادل العلمي، والتعاون بين الجامعات، وتأهيل الباحثين والفنيين، مجالات تستطيع بناء روابط تستمر آثارها لسنوات.
وأكد.. كما يمثل أبناء الجالية المصرية جسرًا للتواصل، بما يمتلكونه من خبرات ومعرفة بالمجتمع المجري، ويمكن لتفعيل دورهم أن يدعم فرص الاستثمار والتبادل الثقافي، ويساعد على تقديم صورة واقعية عن إمكانات التعاون مع مصر.
التحركات الدبلوماسية النشطة والمتنوعة التي تشهدها السياسة الخارجية المصرية في الآونة الأخيرة
ويجمل دكتور “الدسوقى” تحليله بقوله: تندرج زيارة الرئيس السيسي إلى بودابست ضمن التحركات الدبلوماسية النشطة والمتنوعة التي تشهدها السياسة الخارجية المصرية في الآونة الأخيرة، عبر تعزيز التواصل والشراكات مع الصين وروسيا ودول شرق آسيا، وتوسيع التعاون مع الدول الأوروبية والأفريقية، ومواصلة الحوار مع الولايات المتحدة الأمريكية، ويعكس هذا التحرك في دوائر متعددة نهجا يستهدف تنويع الشركاء، وتوسيع خيارات الدولة، والحفاظ على استقلال القرار الوطني، انطلاقا من المصالح المصرية والاحترام المتبادل.
وأكد.. وفي هذا السياق، تكتسب زيارة المجر أهميتها باعتبارها إحدى حلقات تحرك أوسع يربط الحضور السياسي بأهداف اقتصادية وأمنية وتنموية واضحة، ويظل الأثر المستدام لهذه التحركات مرهونا بقدرة مؤسسات الدولة وشركائها على تحويل التفاهمات السياسية إلى برامج ومشروعات ذات توقيتات ومسؤوليات محددة، تحقق نتائج ملموسة للمواطن.
ويختتم.. وتتمثل الفرصة الأهم في توظيف تنوع العلاقات الدولية لبناء شراكات تحقق منفعة متبادلة: تعاون صناعي يرفع القدرات الإنتاجية، واستثمارات توفر فرص العمل، وتبادل علمي ينقل المعرفة، وتشاور سياسي يدعم المصالح المصرية والاستقرار الإقليمي. وبهذا المعنى، تصبح زيارة بودابست امتدادا للدبلوماسية المصرية التى تتحرك في اتجاهات متعددة، تقاس فاعليتها بما تضيفه إلى قوة الدولة و المجتمع وقدرتهما على مواجهة التحديات.
العلاقات المصرية – المجرية تمتلك فرصا واعدة للانتقال إلى مرحلة أكثر عمقا واتساع
في النهاية، تؤكد زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى بودابست أن العلاقات المصرية – المجرية تمتلك فرصا واعدة للانتقال إلى مرحلة أكثر عمقا واتساع، تتجاوز حدود التنسيق السياسي إلى شراكة متكاملة تقوم على المصالح الاقتصادية والأمنية والتنموية المشتركة. والمتغيرات الدولية الراهنة تفرض أهمية بناء تحالفات شركات متنوعة، قادرة على دعم استقرار الدول وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات، وهو ما يمنح التعاون بين القاهرة وبودابست أهمية تتجاوز الإطار الثنائي إلى دوائر إقليمية ودولية أوسع.
ويبقى التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة هو ترجمة نتائج الزيارة والتفاهمات التي شهدتها إلى خطوات تنفيذية واضحة، من خلال زيادة الاستثمارات، وتوسيع التعاون الصناعي والتكنولوجي، وتبادل الخبرات، وتعزيز التنسيق في ملفات الهجرة والأمن المائي والقضايا الإقليمية.
نجاح الشراكات الدولية لا يقاس بعدد اللقاءات والاتفاقات، وإنما بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة ومستدامة.
ومن هذا المنطلق، تمثل زيارة بودابست خطوة مهمة في مسار الدبلوماسية المصرية متعددة الاتجاهات، التي تسعى إلى تنويع الشركاء، وتثبيت المصالح الوطنية، وتعزيز مكانة مصر الإقليمية والدولية، بما يحقق التنمية والاستقرار ويحافظ على استقلال القرار المصري.
تستهدف توسيع دوائر التعاون الدولي وتعزيز الشراكات مع الدول الأوروبية بما يخدم المصالح الاستراتيجية والاقتصادية لمصر
تناولت ملفات الاقتصاد والاستثمار والأمن الإقليمي والهجرة غير النظامية والأمن المائي والتعليم والبنية الأساسية
لأن العلاقة معها تفتح قناة إضافية للحوار مع دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وتساعد مصر على عرض رؤيتها وبناء تفاهمات حول قضايا المنطقة


