لن يجبرك أحد، مهما بلغت سطوته، على عشق صوت أم كلثوم، أو أن يسلّط عليك كل وسائل الإقناع حتى تصبح فيروزيّ الهوى، تستيقظ على صوت فيروز، وتحتسي قهوتك على أنغامها، ولو كان ذلك تحت حد السيف!
وإذا قررت كل الإذاعات أن تبث أغاني إيهاب توفيق، مثلًا، صباح مساء، فلن يجعلك هذا عاشقًا له، ولا مقتنعًا بأنه عندليب الشرق، حتى لو أصدرت وزارة الطرب قرارًا باعتباره خليفة عبد الحليم حافظ، وألزمت المواطنين بالتصفيق بعد كل أغنية!
وعلى المنوال نفسه، لا إجبار في تذوق الأدب، حتى لو أصبح مادة امتحان مصيرية في الثانوية العامة. ينتهي الامتحان، وتنتهي معه تلك العلاقة الإجبارية بين الطالب والكتاب، وربما لا يفتح الطالب كتابًا أدبيًّا بعدها إلا إذا أراد أن يسند به رجلًا مكسورة لكرسي قديم أو يرفع به منضدة!
ففي عالم الحس ودنيا المشاعر، تظل حرية الاختيار هي الأصل، وتبقى للمتعة والجمال سطوة الكلمة الأولى والأخيرة. لا أحد يستطيع أن يفرض عليك ما تحب، أو يحدد لك من تطرب له، أو يقرر بالنيابة عن قلبك وعقلك ما يستحق الإعجاب.
الغريب أنك تجد، على العكس من ذلك، من يظنون أنهم قادرون على إجبارك على حياة من الفضيلة والقداسة بالإكراه، وكأن الإيمان قرار إداري، والفضيلة منشور رسمي، والقداسة بطاقة عضوية لا بد من استخراجها تحت التهديد! هؤلاء لا يدركون أنهم لا يصنعون مؤمنين ولا أولياء ولا فضلاء ولا قديسين، بل يصنعون قومًا من المنافقين، يجيدون ارتداء الأقنعة وإخفاء مشاعرهم، ويقولون ما لا يؤمنون به خوفًا ممن يملكون سلطة العقاب.
لذلك، قد تجد زوجًا مجبرًا على الاستمرار في حياة زوجية مع زوجة استحالت العشرة معها، وحين تغلق الكنيسة في وجهه أبواب الطلاق، وتتحول الحياة إلى سجن لا يعرف طريقًا للخروج، ينتهي الأمر بجريمة مأساوية، كما في واقعة الزوج الذي قيل إنه دسّ لزوجته عقاقير قاتلة في فنجان القهوة حتى تمكن من الخلاص من السر المقدس!.
وهنا لا بد من السؤال: هل يحمي الزواج سرًّا مقدسًا إذا تحول إلى علاقة قهر وعذاب؟ وهل الحفاظ على شكل الأسرة أهم من حياة الإنسان نفسه؟ لا شيء يبرر القتل بالطبع، لكن إغلاق أبواب الحلول أمام المأزومين لا يصنع قداسة، بل قد يفتح أبوابًا لكوارث لا يمكن إصلاحها. فلا إكراه على الحياة، مهما رفعت لافتة «الزواج سر مقدس». فالإنسان وحقه في الاختيار “أقدس” من أن يُختزلا في نصوص جامدة أو قرارات لا ترى سوى الشكل وتتجاهل المأساة الإنسانية.
ولا يختلف الأمر كثيرًا مع من يخرجون على الناس، يوزعون الاتهامات على عقائد الآخرين، ويصنفون البشر بين مؤمن وكافر، وناجٍ وهالك، ثم يطالبون الجميع باتباع طريقهم وحده، باعتبار أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة، وأن بقية البشر مجرد مشروعات ضلال تنتظر تقويمها على أيديهم! ولا يصبرون لحكم الله في الآخرة.
إنها الحقيقة المطلقة حين تسقط في أيدي العقول المتطرفة؛ تتحول من دعوة إلى الإيمان إلى رخصة للقتل، ومن عقيدة يفترض أن تهذب الروح إلى سلاح يقتل بصيرة صاحبه، ويدفعه إلى اقتحام الكنائس والاعتداء على المختلفين، كما حدث في الهجوم على كنيسة القديس جورجيوس بالأردن.
فمن يرفع صوته لإسكات الآخرين، أو يمد يده لقطع لسان من يخالفه، لا يدعو إلى الحوار ولا يعرف قيمته. ومن يحتاج إلى الرصاص كي يثبت صحة عقيدته، عليه أن يراجع أولًا ما إذا كان قد فقد الإيمان أم فقد عقله!
إن الإيمان الذي يحتاج إلى شرطي يحرسه، وسيف يفرضه، وتهديد يضمن استمراره، ليس إيمانًا، بل حالة من الخضوع القسري. والقداسة التي تُنتزع بالإكراه لا تختلف كثيرًا عن قناع يرتديه صاحبه أمام الناس، ثم يخلعه بمجرد أن يغلق الباب خلفه.
ومن هنا، فإن الصادق مع نفسه، الذي يتعامل مع ‘حمو بيكا” باعتباره “الهضبة” الذي يطربه، أفضل ألف مرة من شخص مجبر على التغني بأغاني” إلفيس بريسلي”، دون أن يتذوقها أو يفهمها أو يشعر بها، لمجرد أن هناك من أقنعه بأن هذا هو الذوق الرفيع الذي ينبغي أن يحبه!
فالأول صادق في اختياره، حتى لو اختلفنا معه في الذوق، أما الثاني فمجرد ببغاء يردد ما يُملى عليه، وربما يحتاج إلى دورة تدريبية في الصدق قبل أن يلتحق بأكاديمية القداسة.
الإجبار لا يصنع محبة، ولا يصنع التهديد إيمانًا، ولا تصنع القيود قديسين. فالحب لا يُفرض، والفن لا يُفرض، والإيمان أيضًا لا يُفرض.
وإذا كان من حقك أن تحب حمو بيكا وتعتبره الهضبة، فمن حق غيرك أن يختلف معك، ومن حق الإنسان أن يختار طريقه دون أن يتحول إلى متهم ينتظر الحكم عليه.
فالدنيا ليست لجنة امتحان في الذوق، ولا محكمة تفتيش في الإيمان، ولا لجان لتوزيع القداسة بالأوامر. إنها حياة، وأجمل ما فيها أن نعيشها باختيارنا، لا بإجبار الآخرين!
افيه قبل الوداع
حرم علي بابا مروحش السينما
وعملنا (التحريم )اغنية !!
المقال يؤكد أن الحب والفن والإيمان لا يمكن فرضها بالإجبار أو التهديد، وأن حرية الاختيار هي الأصل.
ذكر المقال زوجًا أُجبر على الاستمرار في حياة زوجية مستحيلة بعد غلق أبواب الطلاق أمامه، وانتهى الأمر بجريمة مأساوية.
أوضح أن الحقيقة المطلقة حين تقع في أيدي العقول المتطرفة تتحول إلى رخصة للقتل والاعتداء على المختلفين كما حدث في الهجوم على كنيسة القديس جورجيوس بالأردن.


