أكد الدكتور محمود الهواري، الأمين المساعد للدعوة والإعلام الديني بمجمع البحوث الإسلامية، أن حماية المجتمعات في العصر الحديث لم تعد تقتصر على تأمين الحدود والممتلكات في العالم الواقعي، بل أصبحت تشمل الفضاء الرقمي الذي تحول إلى ساحة جديدة للصراعات والتأثير في وعي الشعوب وأمنها واستقرارها.

جاء ذلك خلال مشاركة «الهواري»، أمس الأحد، نيابة عن الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، الأستاذ الدكتور محمد الجندي، في أعمال المؤتمر العلمي الدولي السنوي السابع لكلية الشريعة والقانون بدمنهور، بالتعاون مع كليتي الشريعة والقانون بطنطا وتفهنا الأشراف، والذي انعقد تحت عنوان: «الأمن السيبراني وأهميته في حماية المجتمعات».

وأوضح الأمين المساعد للدعوة والإعلام الديني، في كلمته بالمؤتمر، أن الأمن يمثل واحدة من أعظم النعم الإلهية التي تقوم عليها حياة الإنسان وتستقيم بها مصالحه، كما يشكل الأساس الذي تُبنى عليه حضارات الأمم والشعوب، لافتًا إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ربط بين الأمن وامتلاك خير الدنيا، بقوله: «من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا».

وأشار إلى أن دائرة الأمن تبدأ من استقرار الإنسان الداخلي وطمأنينة قلبه ونفسه، ثم تتسع لتشمل سلوكه وبيته وأسرته، وصولًا إلى استقرار المجتمع والأمة بأكملها، وهو ما يؤكد أن الأمن مفهوم شامل تتداخل فيه مختلف جوانب الحياة.

وأضاف أن التطور التكنولوجي المتسارع أحدث تحولًا كبيرًا في طبيعة الصراعات بين الدول والمجتمعات، بعدما انتقل جانب منها من الواقع المادي إلى الفضاء الافتراضي، وأصبحت التكنولوجيا عنصرًا مؤثرًا في إعادة تشكيل موازين القوة بين الأمم، الأمر الذي جعل الأمن السيبراني أحد أبرز الملفات الأمنية في العصر الحديث.

مخاطر الفضاء الرقمي

ولفت الهواري إلى أن مخاطر الفضاء الرقمي لا تتوقف عند الهجمات التقنية، بل تمتد إلى استخدام التكنولوجيا في نشر الشكوك والفتاوى الشاذة والمضللة، والترويج للأفكار المنحرفة، والتشكيك في الثوابت، والإساءة إلى الرموز والمؤسسات، فضلًا عن ممارسات التجسس وانتهاك الخصوصية واختراق الحسابات وسرقة الأموال والبيانات، وتعطيل شبكات الاتصالات والبنية التحتية، وتسريب المعلومات الحساسة الخاصة بالدول.

وأوضح أن هذه التهديدات تمس بصورة مباشرة المقاصد الكلية الخمسة التي جاءت الشريعة الإسلامية لصيانتها وحفظها، وهي الدين والنفس والعقل والنسل والمال، ومن ثم فإن الأمن السيبراني لا يمثل مجرد قضية تقنية أو مطلبًا تنظيميًا، وإنما أصبح ضرورة شرعية وحضارية تتوافق أهدافها مع مقاصد الشريعة الإسلامية وأحكام الفقه والقوانين المعاصرة.

وشدد على أن استخدام التكنولوجيا والتعامل مع تطبيقاتها ومنصاتها ينبغي أن يكون منضبطًا بالأحكام الفقهية والقيم الأخلاقية والتشريعات القانونية، بما يضمن مواجهة الغش والاعتداء على حقوق الآخرين، وتجريم الاستيلاء على أموال الأفراد ومقدرات الشعوب دون وجه حق.

وأكد أن مواجهة تحديات الأمن السيبراني لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الحديث عن أهميته أو بحث أبعاده الشرعية والقانونية والاقتصادية والتربوية، بل يجب أن تمتد إلى تحديد مكانة الأمة بين الأمم في هذا المجال، والسعي إلى امتلاك أدوات التكنولوجيا والمساهمة في ابتكارها وتطويرها وإدارتها، بدلًا من الاكتفاء باستهلاك منتجاتها أو ترك الآخرين يتحكمون في تفاصيل الحياة من خلالها.

طلب العلم في العلوم الشرعية وحدها لايكفي

وأشار إلى أن بناء القوة الحقيقية للأمة يتطلب الاهتمام بمختلف فروع المعرفة، وعدم حصر طلب العلم في العلوم الشرعية وحدها، إذ تحتاج المجتمعات إلى العلوم المتنوعة التي تمكنها من حماية مقدراتها ومواجهة التحديات المعاصرة.

وفي هذا السياق، أوضح أن قوله تعالى: «وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون» لا ينبغي أن يُفهم على نحو يعزل التفقه في الدين عن علوم الحياة ومتطلباتها، مؤكدًا أهمية أن تعمل المؤسسات التعليمية، وفي مقدمتها الأزهر الشريف، على إعداد علماء متخصصين في الشريعة واللغة، بالتوازي مع إعداد الكوادر المتخصصة في التصميم والبرمجة والتكنولوجيا، وتأهيل الخبراء القادرين على حماية الفضاء الرقمي وتطوير تطبيقاته.

«ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»

واستند الهواري في تأكيد أهمية هذا التوجه إلى القاعدة الفقهية التي تقرر أن «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»، بما يعني ضرورة توفير التخصصات العلمية والتكنولوجية التي لا غنى عنها لتحقيق واجب حماية المجتمعات وصيانة مصالحها ومقدراتها.

وشدد على أن مسؤولية تأمين الفضاء الرقمي لا يمكن أن تتحملها جهة واحدة بمفردها، بل تستلزم تكامل الأدوار بين مختلف مؤسسات الدولة؛ من خلال وضع القوانين الرادعة، والمتخصصين في التكنولوجيا الذين تقع على عاتقهم مهام تأمين المعلومات وتطوير التطبيقات والمنصات، والمؤسسات الدينية التي تسهم في نشر الوعي وترسيخ الأسس الشرعية والأخلاقية، إلى جانب الأفراد الذين يتحملون مسؤولية الالتزام بالقيم والمبادئ وحسن استخدام الوسائل الرقمية.

واختتم بالتأكيد أن التفريط في حماية الفضاء الرقمي يعني التخلي عن أحد أهم مقومات السيادة والأمن، وأن صيانة المجتمعات في العصر الحديث تستوجب الجمع بين الوعي الشرعي والقانوني والقدرة العلمية والتكنولوجية، حتى تكون الأمة محصنة بالوعي، وآمنة بالشرع والقانون.

الأسئلة الشائعة

أكد المجمع أن الأمن السيبراني أصبح ضرورة شرعية وحضارية لحماية الدين والنفس والعقل والنسل والمال ومقدرات الدول

ذكر الخبر الهجمات التقنية ونشر الشكوك والفتاوى المضللة والتجسس وانتهاك الخصوصية واختراق الحسابات وسرقة الأموال والبيانات وتعطيل شبكات الاتصالات والبنية التحتية

دعا إلى تكامل الأدوار بين الدولة والمتخصصين والمؤسسات الدينية والأفراد مع الاهتمام بالتكنولوجيا والقوانين الرادعة ونشر الوعي الشرعي والأخلاقي