بعد سنوات من العزلة المالية، تبحث البنوك السورية عن طريق للعودة إلى النظام المصرفي الدولي، لكن استئناف التحويلات وتمويل التجارة يظل مازال مرهونا بإصلاحات تتجاوز رفع العقوبات والاتفاقات السياسية.

ولا تقتصر أهمية إعادة ربط المصارف السورية بالنظام المصرفي الأوروبي على استعادة القدرة على إجراء التحويلات المالية، بل تمتد إلى مستقبل الاقتصاد السوري نفسه، وقدرته على استعادة العلاقات التجارية وجذب الاستثمارات وتخفيف تكاليف المعاملات المالية التي تحملتها الشركات والأفراد طوال سنوات العزلة.

فبالنسبة إلى اقتصاد يسعى إلى إعادة بناء مؤسساته واستعادة علاقاته الخارجية، لا يمثل الاتصال بالبنوك الدولية مجرد خدمة مصرفية، وإنما أحد المتطلبات الأساسية لعودة النشاط الاقتصادي إلى مساره الطبيعي.

لكن الطريق إلى استعادة هذه العلاقات يبدو أكثر تعقيدا من مجرد عقد اجتماعات مع المصارف الأوروبية، أو الإعلان عن تخفيف العقوبات، فالنظام المالي العالمي لا يقوم على القرارات السياسية وحدها، وإنما يعتمد أيضًا على الثقة والشفافية والامتثال للقواعد الدولية.

ومن هنا تكتسب اللقاءات التي أجراها حاكم مصرف سوريا في باريس مع ممثلين عن مؤسسات مالية ومصرفية أوروبية ودولية أهمية خاصة، باعتبارها محاولة لإعادة فتح قنوات التعامل المصرفي التي تحتاج إليها سوريا خلال المرحلة المقبلة.

وركزت المناقشات على استعادة علاقات البنوك المراسلة، وتمويل التجارة، والمدفوعات الدولية، والتحويلات المالية.

ورغم أهمية هذه اللقاءات، فإنها لا تعني أن المصارف السورية استعادت بالفعل قدرتها على التعامل المباشر مع النظام الأوروبي، إذ لم تتضمن الإعلانات الصادرة عنها توقيع اتفاقات مراسلة جديدة أو فتح حسابات تشغيلية أو تنفيذ تحويلات فعلية.

وهذا الفارق بين بدء الحوار واستعادة العلاقات المصرفية هو ما سيحدد القيمة الاقتصادية الحقيقية للتحركات السورية.

ولفهم أهمية هذه الخطوة، يكفي النظر إلى الدور الذي تؤديه البنوك المراسلة في حركة التجارة الدولية.

فعندما ترغب شركة سورية في استيراد معدات أو مواد أولية من أوروبا، فإنها تحتاج إلى وسيلة مصرفية تضمن انتقال الأموال إلى المورد الأجنبي بطريقة آمنة ومعترف بها.

وفي الظروف الطبيعية، توفر البنوك المراسلة هذه الخدمة من خلال حسابات مصرفية وعلاقات تشغيلية تسمح بتنفيذ التحويلات وتسوية المدفوعات وإصدار الاعتمادات المستندية والضمانات التجارية.

أما عندما تغيب هذه العلاقات، فقد تضطر الشركات إلى الاعتماد على وسطاء متعددين أو ترتيبات مالية أكثر تعقيدًا، بما يزيد تكلفة المعاملات ويطيل الوقت اللازم لإتمامها.

ولا تنحصر المشكلة في الواردات، بل تمتد إلى الصادرات أيضًا، إذ تحتاج الشركات السورية إلى قنوات مصرفية موثوقة لتحصيل مستحقاتها من الأسواق الخارجية.

كما يمكن أن تستفيد تحويلات السوريين المقيمين في الخارج من استعادة العلاقات المصرفية، من خلال إتاحة قنوات رسمية أكثر وضوحًا وقابلية للتتبع.

ومع ذلك، فإن إعادة تشغيل هذه القنوات لن تؤدي بالضرورة إلى انخفاض فوري في رسوم التحويلات أو زيادة سرعتها؛ لأن التكلفة النهائية تعتمد على العملة المستخدمة، وعدد البنوك الوسيطة، وسياسات التسعير والامتثال لدى المؤسسات المشاركة.

وتشير مجموعة العمل المالي الدولية “FATF” إلى أهمية خدمات المراسلة المصرفية في تسهيل المدفوعات العابرة للحدود والتجارة العالمية.

لكن امتلاك البنك القدرة التقنية على إرسال رسائل الدفع عبر شبكة “سويفت” لا يعني بالضرورة قدرته على تنفيذ التحويلات، ما لم تكن لديه علاقة تشغيلية مع بنك مراسل مستعد لمعالجة المعاملات.

وبالتالي، فإن التحدي الذي تواجهه المصارف السورية لا يتعلق بالاتصال التقني وحده، وإنما بقدرتها على إيجاد مؤسسات مالية دولية تقبل التعامل معها.

وشكل قرار الاتحاد الأوروبي في مايو 2025 رفع القيود الاقتصادية المفروضة على سوريا، مع الإبقاء على الإجراءات المرتبطة بالاعتبارات الأمنية، تحولًا مهمًا في البيئة القانونية المنظمة للعلاقات المالية.

وشمل القرار إزالة المصرف المركزي السوري وعدد من المؤسسات من قوائم تجميد الأصول، ما وسع المجال القانوني أمام استئناف التعاملات المالية.

لكن إزالة القيود القانونية لا تعني إلزام البنوك الأوروبية بإقامة علاقات مع نظيراتها السورية.

فكل بنك يخضع لمتطلبات رقابية صارمة، ويتحمل مسؤولية مستقلة عن فحص المؤسسات التي يتعامل معها، والتأكد من التزامها بقواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والعقوبات المالية.

كما تشمل إجراءات التحقق معرفة المستفيدين الحقيقيين من العمليات المالية، ومراقبة التحويلات، والإبلاغ عن المعاملات المشبوهة.

وهنا تظهر إحدى العقبات الرئيسية أمام عودة المصارف السورية إلى النظام الدولي، وهي أن إعادة بناء الثقة تحتاج إلى وقت وإجراءات عملية يمكن للمؤسسات الأجنبية التحقق منها.

ولا تزال سوريا، حتى 30 أكتوبر 2026، مدرجة ضمن الولايات القضائية الخاضعة للمتابعة المعززة لدى مجموعة العمل المالي الدولية.

ورغم أن المجموعة أقرت بأن سوريا استكملت من الناحية الفنية خطة العمل المطلوبة منها منذ عام 2014، فإن الظروف الأمنية حالت دون إجراء الزيارة الميدانية اللازمة للتحقق من استدامة تنفيذ الإصلاحات.

ولا يعني هذا الوضع وجود دعوة دولية إلى قطع جميع العلاقات المصرفية مع سوريا، لكنه يجعل تقييم المخاطر والامتثال عنصرين أساسيين في قرارات البنوك الأجنبية.

ومن ثم، فإن رفع العقوبات يزيل جانبًا من العوائق، بينما تظل إصلاحات القطاع المصرفي ضرورية لتجاوز العقبات المتبقية.

ولا يمكن فصل مساعي إعادة الاتصال بالنظام الأوروبي عن التحديات الداخلية التي يواجهها القطاع المالي السوري.

فقد وصف البنك الدولي، في أغسطس 2026، النظام المالي السوري بأنه لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على التعاملات النقدية، مع وجود أنظمة مدفوعات قديمة وضعف في القدرات الرقابية المرتبطة بالنزاهة المالية.

وتنعكس هذه الاختلالات على تكلفة المعاملات وكفاءة الخدمات المصرفية، كما تحد من قدرة المؤسسات المالية على الاندماج في شبكات المدفوعات الدولية.

وفي محاولة لدعم الإصلاح، وافق البنك الدولي على تقديم منحة بقيمة 100 مليون دولار لتحديث القطاع المالي السوري، في خطوة تستهدف معالجة بعض المشكلات الهيكلية التي تعوق تطوير الخدمات المصرفية.

وتكتسب هذه الجهود أهمية خاصة إذا ارتبطت بتحديث أنظمة المدفوعات وتعزيز الرقابة وتحسين إجراءات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

فالتحول من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النقد إلى اقتصاد يمتلك قنوات مصرفية أكثر كفاءة وشفافية لن يتحقق بمجرد إدخال أنظمة تقنية حديثة.

بل يتطلب بناء مؤسسات قادرة على تطبيق القواعد الرقابية بصورة مستمرة، وتوفير معلومات موثوقة عن العمليات المالية والعملاء، بما يسمح للبنوك الدولية بتقييم المخاطر بثقة أكبر.

وكلما تحسنت هذه الجوانب، زادت فرص استعادة العلاقات المصرفية، وتراجعت العقبات التي تواجه الشركات والأفراد عند التعامل مع الأسواق الخارجية.

وقد تكون التجارة الخارجية من أكثر القطاعات استفادة إذا نجحت سوريا في استعادة علاقات المراسلة المصرفية.

فالشركات التي تستورد المعدات والمواد الأولية تحتاج إلى وسائل دفع وتسوية تضمن حقوق الأطراف المختلفة، وتساعد على تنفيذ التعاقدات دون اللجوء إلى ترتيبات معقدة.

كما أن المستثمر الأجنبي يحتاج إلى وضوح بشأن كيفية تحويل الأموال وتمويل المشروعات وإعادة تحويل العوائد وفق القواعد المنظمة.

ومن دون بنية مصرفية قادرة على تقديم هذه الخدمات، تصبح بعض الفرص الاستثمارية أكثر صعوبة، حتى عندما تتوافر الجدوى الاقتصادية للمشروع.

كذلك يمكن أن يساهم تحسين خدمات الدفع في توسيع استخدام القنوات المصرفية الرسمية، بما يعزز الشفافية ويحد من الاعتماد على المعاملات النقدية.

لكن هذه المكاسب تظل احتمالات مرتبطة بنجاح الإصلاحات، وليست نتائج تحققت بمجرد بدء الاجتماعات مع المؤسسات الأوروبية.

فالاختبار الحقيقي سيكون في قدرة المصارف السورية على توقيع اتفاقات مراسلة فعلية، وفتح الحسابات اللازمة، واستكمال إجراءات الامتثال، ثم تنفيذ التحويلات والاعتمادات المستندية بصورة منتظمة.

وقد تبدأ هذه العملية على نطاق محدود قبل التوسع تدريجيًا، وفقًا لمدى نجاح التشغيل وثقة المؤسسات المشاركة.

وتضع التحركات الأخيرة المصارف السورية أمام فرصة مهمة لاستعادة جزء من دورها في النظام المالي الدولي، لكنها تفتح في الوقت نفسه اختبارًا لقدرة القطاع على تجاوز المشكلات التي تراكمت خلال سنوات العزلة.

فالمرحلة المقبلة لن تُقاس بعدد الاجتماعات أو المؤسسات التي تبدي استعدادها للحوار، وإنما بالنتائج التشغيلية التي يمكن التحقق منها.

وسيكون الإعلان عن إقامة علاقة مراسلة بين بنك سوري ومؤسسة مصرفية أوروبية، أو تنفيذ أول اعتماد مستندي أو تحويل تجاري عبر القنوات الجديدة، مؤشرًا أكثر أهمية من البيانات التي تتحدث عن فرص التعاون.

كما أن استدامة هذه العلاقات ستعتمد على قدرة المصارف السورية على الالتزام بالمعايير الدولية وتحديث بنيتها التشغيلية والرقابية، بما يضمن استمرار التعاملات دون تعثر.

وفي المقابل، فإن نجاح هذه الخطوات قد يساهم تدريجيًا في تخفيف بعض القيود التي تواجه التجارة والتحويلات والاستثمار، ويدعم قدرة الاقتصاد السوري على الاندماج مجددًا في الأسواق الخارجية.

ويبقى التحدي الأساسي أن الثقة المصرفية لا تُمنح بقرار سياسي، ولا تُستعاد بمجرد رفع العقوبات، وإنما تُبنى من خلال مؤسسات قادرة على الالتزام والرقابة وتنفيذ المعاملات بكفاءة وشفافية.

الأسئلة الشائعة

لا يكفي وحده؛ فالمقال يؤكد أن العودة تحتاج أيضًا إلى الثقة والشفافية والامتثال للقواعد الدولية وإصلاح القطاع المصرفي السوري

ركّزت المناقشات على استعادة علاقات البنوك المراسلة وتمويل التجارة والمدفوعات الدولية والتحويلات المالية

العقبة الأساسية هي عدم وجود علاقة تشغيلية مع بنك مراسل مستعد لمعالجة المعاملات إضافة إلى متطلبات الرقابة ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب