تُعد مفاوضات تشكيل الائتلاف الحكومي التي يقودها بنيامين نتنياهو اختبارًا صعبًا لبقائه السياسي؛ فقد أدت الانتخابات الأخيرة في إسرائيل إلى إضعاف موقفه البرلماني، مما جعله مضطرًا للاعتماد على حلفاء سابقين وخصوم سياسيين لضمان ولاية أخرى في منصبه.

وفقا لتحليل نيويورك تايمز، رغم أن حزب “الليكود” بزعامة نتنياهو تصدّر النتائج كأكبر كتلة في الكنيست بحصوله على 27 مقعدًا، إلا أنه فقد نحو سُدس تمثيله السابق.

كما مُني تحالفه الأوسع -الذي يضم أحزابًا يمينية وأخرى يهودية متشددة (حريديم)- بخسائر، مما حرم الزعيم البالغ من العمر 77 عامًا من الوصول إلى عتبة الـ 61 مقعدًا اللازمة لتشكيل الحكومة.

وقد خلقت هذه النتائج مشهدًا سياسيًا معقدًا؛ إذ بات على نتنياهو إما إقناع نواب من المعارضة بالانضمام إلى ائتلافه، أو التفاوض على تشكيل حكومة وحدة وطنية، أو المخاطرة بالذهاب إلى انتخابات جديدة.

نتنياهو يواجه مفاوضات ائتلافية شاقة

يتطلب النظام البرلماني في إسرائيل أن يحظى الائتلاف الحاكم بدعم 61 مقعدًا على الأقل في الكنيست المكون من 120 مقعدًا.

وعلى الرغم من أن تحالف نتنياهو الحالي يمتلك مقاعد تفوق ما يملكه تكتل المعارضة الرئيسي بخمسة مقاعد، إلا أن أيًا من الطرفين لم يتمكن من تأمين أغلبية برلمانية واضحة تتيح له تشكيل الحكومة.

ولكي يستمر في منصبه كرئيس للوزراء، قد يحتاج نتنياهو إلى استمالة ثمانية نواب على الأقل من صفوف المعارضة، أو التوصل إلى اتفاق مع غادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق للجيش الذي يتزعم حزب “ياشار” (المنتمي لتيار الوسط-اليمين).

غير أن العقبة الأولى تكمن في الحصول على تكليف من الرئيس الإسرائيلي لمحاولة تشكيل الحكومة.

وهذا التكليف ليس مضمونًا؛ لا سيما وأن آيزنكوت قد يكون قادرًا على حشد أغلبية برلمانية أقوى من خلال الحصول على دعم حزبين يمثلان المواطنين العرب بشكل رئيسي.

ويمكن لمثل هذا الترتيب أن يُفضي إلى ائتلاف يسيطر على 67 مقعدًا، رغم أن بعض أحزاب المعارضة اليهودية ترفض التعاون مع الأحزاب العربية.

وتجعل حالة عدم اليقين هذه من مفاوضات نتنياهو لتشكيل الائتلاف واحدة من أكثر التطورات أهمية في أعقاب الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في نوفمبر 2026.

غادي آيزنكوت يبرز كخصم سياسي رئيسي

قد يحدد غادي آيزنكوت -المنافس الأبرز لنتنياهو- ما إذا كانت الحكومة الإسرائيلية القادمة ستظل بقيادة رئيس الوزراء الحالي، أم ستنتقل إلى تحالف سياسي جديد. سبق للقائد العسكري السابق أن تعاون مع نتنياهو في أعقاب الهجوم الذي قادته حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023.

وقد انضم إلى حكومة حرب طارئة إلى جانب بيني غانتس، وهو قائد عسكري سابق آخر، للمساعدة في الإشراف على الرد العسكري الإسرائيلي في غزة.

وبعد ثمانية أشهر، انسحب الرجلان من الحكومة، منتقدين ما اعتبراه فشلًا من جانب نتنياهو في وضع استراتيجية واضحة لإنهاء الحرب وتحديد المستقبل السياسي لغزة.

وفي وقت لاحق، أصبح آيزنكوت -الذي قُتل ابنه خلال القتال في غزة- من أشد المنتقدين لقيادة نتنياهو.

وقد أسس حركة “ياشار” (Yashar) بهدف إزاحة نتنياهو عن السلطة.

ورغم خلافاتهما السياسية، تظل إمكانية تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم كلا الزعيمين خيارًا مطروحًا من الناحية النظرية.

ومن المرجح أن يتطلب اتفاق كهذا تقديم تنازلات كبيرة، بما في ذلك إجراء تغييرات على بعض سياسات نتنياهو الأكثر إثارة للجدل.

حكومة الوحدة الوطنية قد تتطلب تنازلات كبرى

سبق لنتنياهو أن ضم سياسيين من الوسط إلى ائتلافاته الحكومية بهدف توسيع نطاق الدعم البرلماني.

ويرى يوحنان بليسنر، رئيس “المعهد الإسرائيلي للديمقراطية”، أن هذه الترتيبات أتاحت لنتنياهو أيضًا تقاسم المسؤولية عن قرارات لم تحظَ بقبول لدى قاعدته الانتخابية المحافظة.

وقد يتطلب تشكيل حكومة وحدة جديدة من نتنياهو إعادة النظر في سياسات مثل خطة حكومته للإصلاح القضائي، التي أثارت معارضة داخلية واسعة.

غير أن سنوات من المواجهة السياسية أدت إلى تآكل الثقة بين نتنياهو والعديد من الشركاء المحتملين في الائتلاف.

كما ساهم توجيه اتهامات بالفساد إليه في عام 2019 -وهي اتهامات ينفيها- في عزوف الأحزاب الرئيسية عن الانضمام إلى حكوماته.

وقد دفعت هذه المعارضة نتنياهو نحو تشكيل ائتلاف تهيمن عليه أحزاب قومية يمينية متطرفة وأحزاب يهودية متشددة (حريديم).

ويتساءل المعلق السياسي بن كاسبيت عما إذا كان نتنياهو -الذي أظهر في السابق مرونة أيديولوجية- مستعدًا الآن للعودة إلى نهج حكم أكثر اعتدالًا.

وبالتالي، فإن التحدي لا يقتصر على الحسابات البرلمانية فحسب، بل يكمن في مدى ثقة القادة المنافسين في أن نتنياهو سيلتزم بأي اتفاق يتم التوصل إليه.

انهيار الائتلافات السابقة يزيد من تعقيد خيارات نتنياهو

لقد انتهت الشراكات السابقة مع سياسيين من الوسط بخلافات، مما يجعل أي مفاوضات جديدة مسألة بالغة الحساسية.

ففي عام 2014، أقال نتنياهو وزيري المالية والعدل المنتميين للتيار الوسطي، قبل أن يقوم بحل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة. حدث انقسام أكثر أهمية في عام 2020، حين دخل بيني غانتس في حكومة وحدة مع نتنياهو خلال جائحة فيروس كورونا.

تضمنت الترتيبات اتفاقًا لتقاسم السلطة، لكن الحكومة انهارت بعد سبعة أشهر، وذلك بعد أن أخفق نتنياهو في الوفاء بالالتزامات التي قطعها لغانتس.

وقد ترتبت على ذلك تداعيات سياسية جسيمة.

فقد خسر حزب غانتس لاحقًا قدرًا كبيرًا من الدعم الشعبي، وانسحب غانتس نفسه من انتخابات عام 2026 قبيل بدء التصويت.

ويرى غادي وولفسفيلد، أستاذ الاتصال السياسي في جامعة “رايخمان”، أن الانضمام إلى ائتلاف آخر بقيادة نتنياهو قد ينطوي على مخاطر سياسية فادحة لأي شركاء محتملين.

وقد ساهمت هذه التجارب في تعزيز شكوك واسعة النطاق حول قدرة نتنياهو على كسب الثقة اللازمة لتشكيل حكومة مستقرة.

نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان: أوراق ضغط محتملة

نظريًا، يمكن لحزبين معارضين يميلان إلى اليمين توفير المقاعد الإضافية التي يحتاجها نتنياهو.

فحزب “يمينا” -بقيادة رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت- وحزب “إسرائيل بيتنا” -بقيادة أفيغدور ليبرمان- يتشاركان مع حزب “الليكود” في بعض التوجهات الأيديولوجية.

ومع ذلك، فإن كلًا من الزعيمين لديه خلافات شخصية وسياسية طويلة الأمد مع نتنياهو.

تاريخ الصراع بين أفيغدور ليبرمان ونتنياهو

ساعد ليبرمان نتنياهو في تحقيق أول فوز انتخابي له عام 1996، وشغل لاحقًا منصب المدير العام لمكتب رئيس الوزراء.

لكن العلاقة بينهما تدهورت إثر خلاف شخصي في أواخر التسعينيات، مما دفع ليبرمان إلى مغادرة “الليكود” وتأسيس حزبه الخاص.

ورغم مشاركته لاحقًا في عدة حكومات ترأسها نتنياهو، إلا أنه استقال أو أُقيل من خمس حكومات متعاقبة.

وفي عام 2018، ساهم ليبرمان في إسقاط حكومة نتنياهو بعد انتقاده لنهجها في التعامل مع حركة “حماس”.

كما رفض ليبرمان المشاركة في أي ائتلافات تضم حلفاء نتنياهو من الأحزاب اليهودية المتشددة (الحريديم)، مقدمًا نفسه كدافع عن المصالح السياسية للعلمانيين.

وقبيل انتخابات عام 2026 مباشرة، دعا ليبرمان إلى إجراء تحقيق مع نتنياهو، استنادًا إلى مزاعم تفيد بأن رئيس الوزراء سعى لإثارة مواجهة عسكرية مع إيران بهدف تأجيل الانتخابات. (تجدر الإشارة إلى أن هذه كانت اتهامات من جانب ليبرمان، وليست حقائق مثبتة).

وتشكل معارضة ليبرمان عقبة كبيرة أخرى أمام جهود نتنياهو الرامية لتشكيل ائتلاف حكومي.

لا تزال العلاقة بين نفتالي بينيت وبنيامين نتنياهو متوترة

شغل بينيت سابقًا منصب رئيس مكتب نتنياهو، قبل أن يبدأ مسيرته السياسية المستقلة.

وفي عام 2021، تولى بينيت رئاسة الوزراء من خلال ائتلاف عريض مناهض لنتنياهو، ضم أحزابًا من مختلف أطياف الطيف السياسي الإسرائيلي، بما في ذلك حزب عربي إسلامي محافظ.

وقد ظلت العلاقة بينهما تتسم بالخلافات.

وفي سيرته الذاتية الصادرة عام 2023 بعنوان “بيبي: قصتي”، انتقد نتنياهو الدوافع السياسية لبينيت، وشكك في مدى التزامه بالمبادئ اليمينية.

وبالنظر إلى تاريخهما المشترك، فإن إقناع بينيت بدعم حكومة أخرى بقيادة نتنياهو سيتطلب على الأرجح تقديم تنازلات سياسية كبيرة.

الانقسامات السياسية في إسرائيل تتجاوز مجرد حسابات الائتلافات

تعكس نتائج الانتخابات خلافات أعمق حول الأمن القومي، والإصلاح القضائي، والتوجه السياسي للبلاد.

يؤكد أنصار نتنياهو على خبرته وقيادته طويلة الأمد، بينما يرى معارضوه أن سجله يجعل تحقيق المصالحة السياسية أمرًا صعبًا.

كما تظل تداعيات هجوم 7 أكتوبر وما تلاه من حرب في غزة مصدرًا للانقسام بشكل خاص.

وقد واجه نتنياهو انتقادات لرفضه تحمل المسؤولية الشخصية عن فشل إسرائيل في منع الهجوم، حيث ألقى باللوم بدلًا من ذلك على القيادة العسكرية.

وقد أدى هذا الخلاف إلى زيادة توتر العلاقات مع مسؤولين أمنيين سابقين دخلوا معترك السياسة.

وفي الوقت ذاته، أثار احتمال تشكيل حكومة معارضة تحظى بدعم أحزاب عربية جدلًا بين بعض الفصائل السياسية اليهودية.

تجعل هذه الانقسامات من عملية تشكيل أغلبية حاكمة أمرًا أكثر تعقيدًا من مجرد جمع أحزاب تتبنى مواقف سياسية متشابهة.

هل تواجه إسرائيل انتخابات أخرى؟

إذا فشلت محادثات نتنياهو لتشكيل ائتلاف، فقد تواجه إسرائيل فترة أخرى من الجمود السياسي.

ويرى محللون أن نتنياهو قد يرى أن منع خصومه من تشكيل حكومة أفضل له من القبول باتفاق ائتلافي لا يخدم مصالحه.

وفي ظل ظروف كهذه، يمكنه البقاء في منصبه كرئيس وزراء انتقالي، بينما يتجه النظام السياسي نحو انتخابات جديدة.

وأشار بليسنر إلى أن إجراء انتخابات أخرى قد يصب في مصلحة نتنياهو، إذا ما واجهت أحزاب المعارضة صعوبة في حشد الناخبين بنفس المستويات التي حققتها سابقًا.

ومع ذلك، تظل هذه النتيجة غير مؤكدة.

كما قد تؤدي انتخابات أخرى إلى تفاقم حالة الإرهاق السياسي، وإطالة أمد عدم اليقين بشأن السياسات، وزيادة تعقيد الجهود الرامية لتشكيل حكومة مستقرة.

وفي الوقت الراهن، يعتمد مستقبل نتنياهو على قدرته على تجاوز الخصومات القديمة، وإقناع عدد كافٍ من المشرعين بأن التعاون يخدم مصالحهم السياسية.

الأسئلة الشائعة

لأن الليكود تصدر النتائج بـ27 مقعدًا لكنه لم يصل مع حلفائه إلى 61 مقعدًا اللازمة لتشكيل الحكومة، ما أجبره على البحث عن دعم من المعارضة أو التوجه لحكومة وحدة

إما إقناع نواب من المعارضة بالانضمام إلى ائتلافه، أو الاتفاق مع غادي آيزنكوت، أو التفاوض على حكومة وحدة وطنية، وإذا فشلت هذه المسارات فقد تتجه إسرائيل إلى انتخابات جديدة

غادي آيزنكوت هو المنافس الأبرز، وقد أسس حركة يشار بهدف إزاحة نتنياهو عن السلطة، كما قد يتمكن نظريًا من بناء أغلبية بدعم حزبين يمثلان المواطنين العرب