مع ختام القمة الروسية الأفريقية الثالثة في موسكو الذي عقد في 29 أكتوبر الماضي تحت شعار من أجل السلام والأمن والتنمية ، بمشاركة 48 دولة أفريقية بينهم 22 رئيس دولة. يتأكد أن منتدى روسياأفريقيا لم يعد فعالية بروتوكولية ، بل أصبح جزء من منظومة دائمة تسمى منتدى الشراكة الروسية الأفريقية الذي يضم قمماً ومنتديات إقتصادية وإنسانية ومؤتمرات وزارية ومنتديات إعلامية .
فكرة المنتدي ،جاءت لإحياء علاقات تاريخية ، عندما كانت موسكو الداعم الأكبر لحركات التحرر الأفريقي . لكن في شكلها المعاصر ولدت الفكرة عام 2019 ، عندما كانت مصر ترأس الإتحاد الأفريقي . وطرح الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين فكرة إنشاء منصة روسية أفريقية على غرار قمم الصين واليابان وأمريكا مع أفريقيا .
وعقدت أول قمة في مدينة سوتشي الروسية يومي 23-24 أكتوبر 2019 بحضور كل الدول الأفريقية الـ 54 وأكثر من 40 رئيس دولة وحكومة ، وتم الاتفاق على تحويلها لمنتدى دوري يعقد كل 3 سنوات . وتولت التنفيذ وزارة الخارجية الروسية بالتنسيق مع مفوضية الإتحاد الأفريقي .
عقد المؤتمر الوزاري الأول في سوتشي نوفمبر 2024 ، والثاني في القاهرة يومي 19-20 ديسمبر 2025 بمشاركة أكثر من 50 دولة ، وهو أول مؤتمر وزاري يعقد داخل القارة الأفريقية ، كان الهدف منه التحضير للقمة الثالثة في أكتوبر 2026 .
السؤال الذي دار في ذهني وأنا أتابع فعاليات المنتدي هو ، لماذا إهتمت و سعت روسيا للشراكة مع أفريقيا ؟
روسيا مثل التاجر الشاطر يريد أن يسوق منتجاته .
و أعتقد أنها سعت لإفريقيا بدوافع أربعة هي : أولا سياسية :حيث تمثل أفريقيا 54 صوتاً في الأمم المتحدة وهو وزن حاسم لمشروع روسيا لبناء نظام عالمي متعدد الأقطاب .
ثانيا اقتصادياً : حيث أن القارة فيها مليار ونصف مستهلك ، وأيضا تحتوي على 60 % من إحتياطي الكوبالت والبلاتين في العالم وهي معادن نفيسه .
ثالثا استراتيجياً : تسعي روسيا لكسر محاولات العزل الغربي الذي فرض عليها بعد 2014 .
رابعا تاريخياً : تعتمد روسيا علي تاريخية التوازن في العلاقات وعدم التدخل في شؤون أو إحتلال دول إفريقيا ، وإستنزاف مواردها كما فعلت دول الغرب . وهو بناء على الرصيد المعنوي لأفريقيا كدولة لم تستعمر أفريقيا بل دعمت استقلالها.
فهل المنتدى لمواجهة أوروبا ؟ التصريحات الروسية الرسمية ، تقول أن المنتدى ليس موجهاً ضد أحد ، بل هو شراكة عادلة بدون شروط .
فحجم تجارة روسيا مع أفريقيا حوالي 27 مليار دولار عام 2025 ، مقابل 300 مليار للإتحاد الأوروبي إذا روسيا لا تستطيع منافسة أوروبا إقتصادياً في إفريقيا ، لكنها تقدم بديلاً سياسياً بدون إشتراطات إصلاح سياسي ، وهو ما يروق لدول القارة .
فهل المنتدى يعوض روسيا عن العقوبات الغربية المفروضة عليها ؟ أعتقد أنه يعوض جزئياً فقط . صحيح أن التبادل التجاري إرتفع من 17 مليار دولار عام 2019 إلى 27 ملياراً ، وتم توقيع 92 إتفاقية في قمة سوتشي وحدها مع كثير من دول القارة .
لكن هذا الرقم لا يمثل أكثر من 5 % من تجارة روسيا قبل العقوبات . فالإستفادة الحقيقية لموسكو ليست رقمية ، بل في فتح أسواق للقمح والسلاح والطاقة ، وإيجاد أنظمة دفع بديلة ، وكسب أصوات أفريقية ضد قرارات إدانة روسيا في الأمم المتحدة .
قد تكون إستفادة أفريقيا فعلياً موجودة ، لكنها لا تزال محدودة ، وجاءت المكاسب بقيام روسيا بشطب أكثر من 20 مليار دولار ديون قديمة علي بعض دول إفريقيا ، وأرسلت بعد قمة 2023 حوالي 200 ألف طن قمح مجاناً ل 6 دول هي بوركينا فاسو، زيمبابوي، مالي، الصومال، أفريقيا الوسطى، إريتريا . كما قدمت مشاريع طاقة نووية صغيرة ومفاعلات بحثية ، وتدريباً عسكرياً، وأسمدة بأسعار منخفضة التكلفة .
في مقابل هذا ، هل تسعى روسيا للحصول علي المواد الخام من المعادن الإفريقية لصالحها أم لتفيد أفريقيا ؟ الحقيقة أن روسيا تحتاج اليورانيوم من النيجر وناميبيا، والكوبالت من الكونغو، والبلاتين من جنوب أفريقيا لتدعيم صناعاتها المختلفة .
لكن ، جاء الموقف الأفريقي الذي عبر عنه الرئيس عبد الفتاح السيسي في المنتدي برفض إستمرار تصدير المواد الخام وضرورة بناء قواعد إنتاجية متنوعة في البلاد . النموذج الروسي الحالي هو شراء وإستخراج المواد الخام من إفريقيا مع العمل علي تشغيل جزء في التصنيع المحلي .
المكاسب التي تحققت من إنعقاد القمة الروسية هي مكاسب إستراتيجية وإقتصادية لدول القارة ، تمثلت بتوقيع 60 إتفاقية ثنائية في قطاعات حيوية ممتدة ، و إلغاء التأشيرات المتبادلة لتسهيل حركة الأفراد ، و التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية . و تخفيف العجز في موازين المدفوعات الأفريقية بتعهدات روسيا بتوسيع ممرات الدعم اللوجستي وتعميق الشراكة في مجالات الطاقة التقليدية والمتجددة .
أيضا تنشيط التبادل التجاري وتوسيع الصادرات الزراعية ورفع التبادل التجاري لأكثر من 50 مليار دولار . كما عرضت روسيا تزويد الدول الأفريقية بمنظومات دفاعية متطورة متعددة الطبقات مخصصة لمكافحة الطائرات المسيرة بهدف حماية المنشآت الصناعية ومرافق الطاقة الحيوية والجسور في القارة.
فعليا ، هناك دول إستفادت من الشراكة الروسية، مثل مصر في مشروع الضبعة والجزائر في السلاح والحبوب .وإثيوبيا وإريتريا في دعم البريكس والقمح . بينما حصلت مالي وبوركينا فاسو والنيجر علي دعم أمني وسياسي بعد خروج فرنسا من أراضيهم . وأفريقيا الوسطى ورواندا وزيمبابوي ، في تعاون نووي وجنوب أفريقيا كشريك إستراتيجي .
قدمت روسيا أيضا سلاحاً ، وقمحاً، وأسمدة وتكنولوجيا نووية وتجري الآن محادثات مع 4 دول أفريقية لإنشاء محطات كبرى . وتدريباً ، ودعماً دبلوماسياً لزيادة تمثيل أفريقيا في مجلس الأمن .
ويطفو علي السطح تساؤل وهو : لماذا تفعل روسيا كل هذا لأفريقيا ؟ روسيا تبحث عن دعم الشرعية الدولية ، ومساندة في التحالفات وأسواق بديلة ، وموطئ قدم جيوسياسي بتكلفة أقل من الغرب .
فهل إستفادت مصر من القمة ؟ سياسياً مصر إستفادت بترسيخ سياسة الإتزان الإستراتيجي . و إقتصادياً ، عن طريق ثلاث ملفات كبرى محطة الضبعة النووية السلمية ،4 مفاعلات بقدرة 4800 ميجاوات بقرض 25 مليار دولار وهو يمثل 15% من ديون مصر الخارجية .
أيضا المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الإقتصادية لقناة السويس بإستثمارات مستهدفة تبلغ حوالي 7 مليار دولار ، وإستوردت مصر 4.3 مليون طن قمح روسي عام 2025 يمثل 32.5 % من وارداتها ، بالإضافة لـوجود518 شركة روسية تعمل في مصر .
فماذا إستفادت روسيا من مصر ؟ روسيا تدرك أن مصر بوابة لأفريقيا وسوق تجاري ضخم وعضو في الكوميسا وموقع حيوي هام لقناة السويس ، و أيضا مصر عضو في البريكس .
وجاءت أهمية وجود روسيا في إفريقيا في ظل تنامي الوجود الأمريكي في أفريقيا . وأعتقد ان روسيا تملأ فراغاً أمنياً برغبة أفريقية ، بدون شروط إصلاح سياسي . و أهميتها أنها تخلق تعدد خيارات تفاوضية ، فلا تكون القارة رهينة لقطب واحد ، وهو ما يخدم المصلحة المصرية والأفريقية في الحفاظ علي التوازن الدولي في العلاقات الخارجية .
فهل تشكل روسيا تحالفاً مع أفريقيا ضد التحركات الأمريكية في المنطقة ؟ أعتقد لا يوجد تحالف عسكري رسمي معلن . وما يوجد هو شراكة تصويتية في الأمم المتحدة وتنسيق في مكافحة الإرهاب والأمن السيبراني . لأن روسيا لا تريد صداماً مباشراً مع أمريكا في أفريقيا ، بل منافسة نفوذ هادئة .
شغلني جانب أخر من الوجود الروسي في إفريقيا هو : هل لروسيا دور مؤثر مع إثيوبيا لحماية الأمن المائي لمصر وعدم التصعيد ؟ روسيا شريك إستراتيجي لمصر وعضو بريكس مع إثيوبيا منذ 2024 ، وتتبع سياسة عدم الإنحياز المباشر في ملف سد النهضة وتدعو للحل عبر مسار الإتحاد الأفريقي .
الدور الروسي في ملف سد النهضة، مؤثر لكنه محدود . فهي تستطيع تقديم خبرات فنية في إدارة السدود ، والضغط الهادئ عبر ورقة التعاون النووي مع أديس أبابا، لكنها لن تضغط بقوة تخسر بها إثيوبيا. فرهان مصر أن تربط ملف الأمن المائي بالأمن الغذائي ، كأولوية أفريقية طرحتها في القمة لإيجاد حل عبر المفاوضات مع أثيوبيا وعدم تصعيد الأزمة .
يأتي البعد العسكري والأمني في دعم الفيلق الأفريقي ، فلا يمكن فهم المنتدى بدون البعد الأمني . فبعد مقتل القائد الروسي المتمرد فاجنر ، حولت وزارة الدفاع الروسية نشاطها في أفريقيا للفيلق الأفريقي الذي تكون من مجموعة قوات فاجنر و قوات شركات عسكرية خاصة وأصبحت تتبع الدولة.
ينشط الفيلق الإفريقي في مالي والنيجر وبوركينا فاسو وأفريقيا الوسطى . ومقره الرسمي اللوجستي ليبيا . يحمل مهمة تدريب الجيوش المحلية وتأمين الأنظمة والمناجم ، ويمثل الذراع العسكري الجديد لروسيا في أفريقيا .
أفريقيا اليوم لا تختار نموذجاً واحداً، بل تنوع الشركاء طبقا لمصالحها . فبينما شطبت روسيا 20 مليار ديون قديمة علي دول إفريقية ، تقدم الأن قروضاً جديدة ضخمة مثل قرض الضبعة 25 مليار دولار . فهل هذا استدامة أم عبء؟
الفارق أن القرض النووي إستثماري طويل الأجل 30 سنة بفائدة 3% ويولد كهرباء تباع ، وليس قرض استهلاكي . لكن الدرس الأفريقي العام هو ضرورة ربط أي قرض بنقل تكنولوجيا وتوطين صناعة، وهو ما طالبت به مصر في المنطقة الصناعية الروسية.
روسيا تدرك أن معركتها ليست سلاحاً فقط ، بل تسعى لتقديم نفسها كضحية للعقوبات الغربية مثل أفريقيا ، ضحية الإستعمار ، وتريد كسر إحتكار وكالات الأنباء الغربية. هذا البعد الثقافي والإعلامي سيكون حاسماً في السنوات القادمة .
فمنتدى روسيا أفريقيا ليس حلفاً ضد الغرب ، ولا بديلاً كاملاً عن العقوبات ، بل هو محاولة روسية للعودة لقارة تعرفها وتستفيد منها ، ومحاولة أفريقية للحصول على بدائل تنموية بدون إملاءات سياسية و إقتصادية .
نجاح المنتدي يقاس بتحويل خطة العمل إلي مشروعات ملموسه ، وإلى حلول حقيقية لقضايا مثل الأمن المائي لمصر . و إلي واقع إيجابي إقتصادي ملموس يحسن من دخل المواطن سواء في مصر أو باقي دول إفريقيا .
عقدت القمة الثالثة في موسكو يوم 29 أكتوبر تحت شعار من أجل السلام والأمن والتنمية، بمشاركة 48 دولة أفريقية بينهم 22 رئيس دولة
شملت شطب أكثر من 20 مليار دولار ديون قديمة لبعض الدول وإرسال قمح مجانا وتقديم مشاريع طاقة نووية صغيرة ومفاعلات بحثية وتدريب عسكري وأسمدة منخفضة التكلفة
استفادت مصر سياسيا بترسيخ الاتزان الاستراتيجي واقتصاديا عبر مشروع الضبعة النووية والمنطقة الصناعية الروسية وقمح روسي بنسبة كبيرة من وارداتها


