لم تتشكل النخبة السياسية والعسكرية الإسرائيلية من جيل واحد أو من أصول جغرافية متجانسة، بل كانت نتاج موجات متتالية من الهجرة اليهودية من أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي موجات أعادت رسم الخريطة السكانية والاجتماعية للدولة التي أُعلنت عام 1948.

وبينما سبقت الهجرة اليهودية إلى فلسطين قيام إسرائيل بعقود، فإن السنوات التي أعقبت إعلان الدولة شهدت واحدة من أكبر موجات انتقال السكان في تاريخ المنطقة الحديث، مع وصول مئات الآلاف من اليهود من بلدان عربية وإسلامية.

ولم تكن هذه الهجرات مجرد انتقال جغرافي لعائلات وأفراد، بل أسهمت في تشكيل مجتمع إسرائيلي جديد، ظهرت داخله أجيال لاحقة من أبناء المهاجرين الذين وصل بعضهم إلى مواقع متقدمة في السياسة والجيش والحكومة، وصولًا إلى رئاسة الدولة ورئاسة الكنيست وقيادة المؤسسة العسكرية.

ومن هنا تبرز المفارقة التي تستحق البحث: “كيف أصبحت جذور عائلية ممتدة إلى مدن عربية جزءًا من تاريخ عدد من قادة إسرائيل، بينما لا تزال الهوية الفلسطينية العربية والمشاركة السياسية للمواطنين العرب داخل إسرائيل موضع خلاف وصراع؟”.

أولًا: متى بدأت الهجرة اليهودية إلى فلسطين وإسرائيل؟

تعود بدايات الهجرة اليهودية الحديثة إلى فلسطين إلى أواخر القرن التاسع عشر، مع موجات الهجرة المعروفة تاريخيًا باسم «علياه»، التي ارتبطت بالحركة الصهيونية وصعود القومية اليهودية في أوروبا، فضلًا عن دوافع دينية واجتماعية واقتصادية مختلفة.

لكن التحول الأكبر جاء بعد الحرب العالمية الثانية، ومع قيام دولة إسرائيل في مايو 1948، إذ فتحت الدولة الجديدة أبوابها أمام الهجرة اليهودية، وجعلت استقبال المهاجرين جزءًا أساسيًا من مشروعها السياسي والديموغرافي.

وخلال السنوات الأولى من قيامها، وتحديدًا بين عامي 1948 و1951، استقبلت إسرائيل نحو 700 ألف مهاجر من بلدان مختلفة، بينهم قرابة 340 ألف يهودي قدموا من البلدان الإسلامية والشرق الأوسط وشمال أفريقيا- وفق دراسة أكاديمية للمؤرخة إستير مائير-جليتزنشتاين، نُشرت عام 2024-.

وتشير الدراسة إلى أن الهجرة من هذه البلدان لم تكن حدثًا واحدًا متشابهًا، بل اختلفت دوافعها وظروفها من دولة إلى أخرى؛ ومنها عوامل الصراع العربي الإسرائيلي.

وكانت السنوات 1949-1951 ذروة الموجة الأولى من الهجرة الجماعية، فيما استمرت حركة الانتقال خلال الخمسينيات، ثم شهدت دول شمال أفريقيا موجات أخرى في الستينيات.

وهكذا لم تتشكل إسرائيل فقط من الهجرة الأوروبية، بل أسهمت هجرات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تغيير حجم السكان وتركيبتهم الثقافية والاجتماعية بصورة كبيرة.

اليمن.. عملية «بساط الريح»

شهدت اليمن بدورها واحدة من أكبر عمليات نقل السكان في تلك المرحلة، من خلال عملية «بساط الريح» المعروفة أيضًا باسم «السجادة السحرية»، التي نُفذت بين عامي 1949 و1950، ونُقل خلالها عشرات الآلاف من اليهود اليمنيين إلى إسرائيل.

وتغيرت بذلك خريطة الوجود اليهودي في اليمن بصورة كبيرة، بعدما انتقلت غالبية الجماعة اليهودية إلى الدولة الجديدة.

المغرب.. موجات متتابعة حتى الستينيات

أما المغرب، فقد شهد هجرة يهودية متواصلة منذ أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات، ثم تسارعت في منتصف العقد، واستمرت خلال الستينيات.

وتأثرت هذه الحركة بالتحولات السياسية التي شهدها المغرب في مرحلة الاستقلال عام 1956، وبالمخاوف المرتبطة بالمستقبل السياسي والاجتماعي للجماعة اليهودية، فضلًا عن النشاط الصهيوني وتنظيم عمليات الهجرة.

ومن أبرز المحطات عملية «ياخين»، التي بدأت في نوفمبر 1961 واستمرت حتى نهاية عام 1964، وأسهمت في نقل نحو 90 ألف يهودي مغربي إلى إسرائيل، عبر ترتيبات سرية واتفاقات شاركت فيها جهات إسرائيلية ومنظمات دولية.

كيف انعكست الهجرة على المجتمع الإسرائيلي؟

أحدثت الهجرات الواسعة من الدول العربية وشمال أفريقيا تحولًا ديموغرافيًا واجتماعيًا داخل إسرائيل، وأصبح اليهود القادمون من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يُعرفون على نطاق واسع باسم «المزراحيم» او “السفارديم”، أي اليهود الشرقيين.

لكن وصول هذه الأعداد الكبيرة لم يعنِ اندماجها بصورة متساوية في مراكز القوة منذ البداية؛ ففي العقود الأولى لقيام إسرائيل، ظلت النخبة السياسية والإدارية والعسكرية مهيمنة إلى حد كبير من جانب اليهود ذوي الأصول الأوروبية، المعروفين باسم «الأشكناز»، بينما واجه كثير من اليهود القادمين من الدول العربية وشمال أفريقيا ظروفًا اقتصادية واجتماعية صعبة.

واستقرت عائلات مهاجرة كثيرة في مخيمات انتقالية ومناطق تطوير، وعانت من تفاوت في فرص التعليم والعمل والسكن، إلى جانب التمييز الثقافي والاجتماعي.

وفي عام 1959، اندلعت احتجاجات وادي الصليب في حيفا، على خلفية التوترات والتمييز الذي تعرض له اليهود المغاربة والشرقيون، ثم ظهرت في السبعينيات حركة «الفهود السود» الإسرائيلية، التي رفعت مطالب المساواة والعدالة الاجتماعية.

ومع مرور العقود، تمكن أبناء هذه العائلات من دخول المؤسسات السياسية والعسكرية، وتأسيس قواعد انتخابية، والوصول إلى مواقع قيادية، لتصبح أصولهم جزءًا من خلفية عدد من الشخصيات المؤثرة في إسرائيل اليوم.

من عائلات المهاجرين إلى قمة السلطة.. أبرز الشخصيات ذات الجذور العربية

جادي آيزنكوت.. من مراكش والدار البيضاء إلى قيادة الجيش

ينحدر جادي آيزنكوت، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق والقيادي السياسي، من عائلة يهودية مغربية.

وُلد والده مئير في مراكش، بينما وُلدت والدته إستر في الدار البيضاء، قبل هجرة الأسرة إلى إسرائيل.

وتدرج آيزنكوت في المناصب العسكرية حتى أصبح رئيسًا لأركان الجيش الإسرائيلي بين عامي 2015 و2019، ثم انتقل إلى العمل السياسي، وأصبح من الشخصيات البارزة في المشهد السياسي الإسرائيلي.

وتعكس تجربته انتقال أبناء العائلات المغربية من جيل الهجرة إلى مواقع القيادة في واحدة من أهم مؤسسات الدولة الإسرائيلية.

أمير أوحانا.. ابن عائلة مغربية على رأس الكنيست

يُعد أمير أوحانا، رئيس الكنيست الإسرائيلي، من أبرز الشخصيات السياسية ذات الأصول المغربية.

وُلد أوحانا في بئر السبع عام 1976 لأبوين من الجالية اليهودية المغربية المهاجرة إلى إسرائيل. وخدم في الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن الداخلي «الشاباك»، قبل أن يدخل الحياة السياسية ويتدرج في المناصب حتى أصبح رئيسًا للكنيست في ديسمبر 2022.

وتكتسب تجربته أهمية خاصة باعتباره ابن الجيل الثاني من العائلات المغربية المهاجرة، الذي وصل إلى رئاسة المؤسسة التشريعية الإسرائيلية.

إيتامار بن غفير.. جذور عراقية وكردية في الحكومة الإسرائيلية

أما إيتامار بن غفير، وزير الأمن القومي الإسرائيلي، فتعود جذور عائلته إلى العراق وكردستان.

وُلد بن غفير في القدس، وينتمي والده إلى عائلة ذات أصول عراقية، بينما تعود أصول والدته إلى عائلة يهودية كردية.

وأصبح بن غفير أحد أبرز وجوه اليمين القومي المتشدد في إسرائيل، وتولى وزارة الأمن القومي، وهي حقيبة تمنحه نفوذًا على الشرطة وأجهزة إنفاذ القانون.

وتطرح سيرته سؤالًا حول العلاقة بين الأصل العائلي والهوية السياسية، إذ لا يعني الانحدار من عائلة عاشت في بلد عربي أن صاحبها يتبنى الهوية العربية أو المواقف السياسية المرتبطة بها.

ميري ريغيف.. أصول مغربية في المؤسسة العسكرية والسياسية

وُلدت ميري ريغيف في كريات غات بإسرائيل عام 1956، وتنحدر من عائلة ذات أصول مغربية من جهة والدها، بينما تعود أصول والدتها إلى يهود السفارديم ذوي الجذور الإسبانية.

عملت في الجيش الإسرائيلي، ووصلت إلى رتبة عميد، وشغلت منصب المتحدثة باسم الجيش، قبل انتقالها إلى السياسة، وتوليها حقائب وزارية من بينها الثقافة والرياضة والنقل والمواصلات.

أرييه درعي.. من مكناس إلى قيادة حزب شاس

وُلد أرييه درعي في مدينة مكناس المغربية عام 1959، وهاجر إلى إسرائيل مع أسرته عام 1968.

وأصبح أحد أبرز قادة حزب شاس، الذي يمثل قطاعًا واسعًا من اليهود الشرقيين المتدينين، وشغل مناصب وزارية في حكومات إسرائيلية سابقة.

وتكشف تجربته عن الدور الذي لعبته الهوية الشرقية في تشكيل أحزاب سياسية وقواعد انتخابية مؤثرة داخل إسرائيل.

دافيد أمسالم.. من عائلة مغربية إلى مواقع حكومية

وُلد دافيد أمسالم في القدس عام 1960 لأسرة من أصول مغربية، وأصبح من الشخصيات البارزة في حزب الليكود.

وشغل مناصب برلمانية وحكومية، من بينها منصب وزير في مكتب رئيس الوزراء، وفق بيانات الكنيست عن الحكومة الإسرائيلية.

شخصيات تاريخية صنعت حضور اليهود الشرقيين في السياسة الإسرائيلية

ديفيد ليفي.. من الرباط إلى وزارة الخارجية.

وُلد ديفيد ليفي في الرباط المغربية عام 1937، وهاجر إلى إسرائيل مع أسرته عام 1957. بدأ حياته المهنية عاملًا في قطاع البناء، قبل أن يدخل العمل النقابي والسياسي، ويتولى قيادة حزب الليكود في فترات مختلفة، ثم يصبح وزيرًا للخارجية الإسرائيلية ثلاث مرات.

وكان ليفي من أبرز السياسيين الذين تحدثوا عن التمييز ضد اليهود الشرقيين، وتوفي في يونيو 2024.

أمير بيريتس.. من المغرب إلى وزارة الدفاع

وُلد أمير بيريتس في مدينة بجعد المغربية عام 1952، وهاجر إلى إسرائيل مع أسرته عام 1956.

وتدرج في العمل النقابي والسياسي حتى أصبح رئيسًا لحزب العمل، ثم تولى وزارة الدفاع الإسرائيلية.

وتقدم تجربته نموذجًا آخر لوصول أبناء العائلات المغربية إلى مواقع كانت ترتبط تقليديًا بالنخبة العسكرية والسياسية الإسرائيلية.

هل أخفت إسرائيل جذور قادتها العربية؟

هنا ينتقل التقرير من سرد السير الذاتية إلى السؤال الأعمق المتعلق بالهوية.

فاليهود الذين هاجروا من البلدان العربية، لم يدخلوا المجتمع الإسرائيلي باعتبارهم كتلة واحدة متجانسة، بل جرى تصنيف قطاعات واسعة منهم ضمن فئة «المزراحيم»، أو اليهود الشرقيين.

ومع ذلك، لم يكن اندماجهم خاليًا من الصراعات، إذ تشير دراسات أكاديمية إلى تعرضهم لمحاولات تهميش ثقافي واجتماعي، وإلى سياسات استهدفت دمجهم في هوية إسرائيلية ذات طابع أوروبي مهيمن في العقود الأولى للدولة.

وتشير أبحاث تاريخية إلى أن مؤسسات الدولة الإسرائيلية سعت في مراحل مبكرة إلى صهر المهاجرين في هوية وطنية جديدة، ومحو الهويات العربية وهو ما أثار خلافات حول مكانة اللغة العربية والثقافات التي حملها اليهود القادمون من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

لماذا تختلف الجذور العربية لليهود عن الهوية العربية للفلسطينيين؟

تتخذ المفارقة بعدًا سياسيًا أكثر تعقيدًا عند المقارنة بين اليهود ذوي الأصول القادمة من البلدان العربية وبين المواطنين الفلسطينيين العرب داخل إسرائيل.

فاليهود القادمون من البلدان العربية اندمجوا في الدولة باعتبارهم جزءًا من الأغلبية اليهودية، رغم اختلاف أصولهم الثقافية والجغرافية.

أما المواطنون الفلسطينيون العرب في إسرائيل، فهم أقلية قومية داخل الدولة، ولهم تجربة تاريخية وهوية وطنية وسياسية مختلفة، ويشاركون في الحياة البرلمانية من خلال أحزاب وقوائم عربية ومشتركة.

وتشير تقارير حقوقية إلى وجود فجوات في التمثيل السياسي والمشاركة في مواقع صنع القرار، فضلًا عن الجدل الذي أثاره قانون أساس القومية لعام 2018، الذي نص على أن حق تقرير المصير القومي في إسرائيل يخص الشعب اليهودي وحده.

ولا يعني ذلك أن المواطنين العرب ممنوعون من المشاركة السياسية؛ فقد شاركت أحزاب عربية في الكنيست، كما انضم حزب القائمة العربية الموحدة، برئاسة منصور عباس، إلى الائتلاف الحكومي عام 2021، في سابقة سياسية مهمة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا يمكن لابن عائلة يهودية مهاجرة من بلد عربي أن يصل إلى قمة مؤسسات الدولة باعتباره جزءًا من الأغلبية اليهودية، بينما تظل مشاركة المواطن الفلسطيني العربي في مراكز صنع القرار موضع جدل سياسي مستمر؟

من الهجرة إلى السلطة.. هل بقي شيء من الهوية العربية؟

إن تتبع مسارات هذه الشخصيات يكشف أن الهجرات اليهودية من الدول العربية لم تكن مجرد فصل من فصول التاريخ الديموغرافي لإسرائيل، بل كانت أحد العوامل التي أسهمت في تشكيل المجتمع السياسي والعسكري للدولة.

الجذور لا تعني أن أصحابها يحملون هوية عربية سياسية، ولا أنهم يمثلون المواطنين الفلسطينيين العرب أو يتبنون قضاياهم.

والسؤال الأهم الذي يظل مفتوحا للبحث إجابة، أمام الباحثين والمؤرخين هو: كيف تحولت عائلات كانت تعيش في مجتمعات عربية إلى جزء من هوية إسرائيلية جديدة؟ وما الذي احتفظت به من لغتها وثقافتها وذاكرتها؟ وهل جرى تهميش هذا الإرث عمدا في إطار عملية بناء الهوية القومية الإسرائيلية؟

الأسئلة الشائعة

بدأت بدايات الهجرة الحديثة أواخر القرن التاسع عشر مع موجات «علياه»، لكن التحول الأكبر جاء بعد قيام دولة إسرائيل في مايو 1948

استقبلت إسرائيل نحو 700 ألف مهاجر خلال تلك السنوات الأولى، بينهم قرابة 340 ألف يهودي قدموا من البلدان الإسلامية والشرق الأوسط وشمال أفريقيا

ذكر الخبر جادي آيزنكوت وأمير أوحانا وإيتامار بن غفير وميري ريغيف وأرييه درعي ودافيد أمسالم وديفيد ليفي وأمير بيريتس