لا يتوقف تأثير النظام الغذائي على الوزن أو مستويات السكر والدهون في الدم، فاختيارات الطعام قد ترتبط أيضا بكيفية تنظيم القلب لنبضاته على مدار اليوم، وهو ما دفع فريقا من الباحثين في هولندا إلى دراسة العلاقة بين أربعة أنظمة غذائية معروفة بفوائدها الصحية ومؤشرات انتظام النشاط العصبي للقلب، في محاولة لفهم ما إذا كانت جودة الغذاء تنعكس على هذه الوظيفة الحيوية.
وكشفت الدراسة، التي نشرت في مجلة «التقارير العلمية» واعتمدت على بيانات مشروع ماستريخت البحثي، أن الالتزام بنظام «داش» الغذائي والنظام الهولندي الصحي ارتبط بارتفاع أحد مؤشرات التغير في الفواصل الزمنية بين ضربات القلب، بينما لم تظهر علاقة واضحة مماثلة مع النظام المتوسطي ونظام «مايند» بعد احتساب العوامل الأخرى المؤثرة.
تسجيل نبضات القلب لمدة 24 ساعة.
شملت الدراسة 7256 شخصا تتراوح أعمارهم بين 40 و75 عاما، جرى اختيارهم من بين 9187 مشاركا في مشروع ماستريخت، وهو دراسة رصدية سكانية أجريت في جنوب هولندا خلال الفترة من نوفمبر 2010 إلى أكتوبر 2020، واستبعد الباحثون بعض الحالات التي قد تؤثر في دقة القياسات، مثل اضطرابات نظم القلب والعمليات السابقة بالقلب والأوعية الدموية.
ولفحص العلاقة بين الغذاء ووظائف القلب، استخدم الباحثون استبيانا غذائيا شمل 253 نوعا من الأطعمة موزعة على 23 مجموعة، ثم حددوا مدى التزام المشاركين بأربعة أنظمة غذائية، كما سجلوا النشاط الكهربائي للقلب على مدار 24 ساعة باستخدام جهاز مراقبة محمول، لقياس التغيرات الطبيعية في الفواصل الزمنية بين النبضات المتتالية.
ويعرف هذا المؤشر باسم تباين معدل ضربات القلب، ويعكس نشاط الجهاز العصبي اللاإرادي الذي يشارك في تنظيم وظائف القلب، وقد ارتبط انخفاضه في أبحاث سابقة بزيادة مخاطر الوفاة المرتبطة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
أربعة أنظمة غذائية في المقارنة.
لم تقتصر المقارنة على نظام واحد، بل شملت النظام المتوسطي المعروف بالاعتماد على الخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة وزيت الزيتون، ونظام «داش» المصمم للمساعدة في خفض ضغط الدم، والنظام الهولندي الصحي الذي يركز على جودة الاختيارات الغذائية، بالإضافة إلى نظام «مايند» الذي يجمع بين عناصر من النظامين المتوسطي و«داش» مع الاهتمام بالأطعمة المرتبطة بصحة الدماغ.
وأظهرت المقارنة أن الالتزام بالأنظمة المتوسطية و«داش» والنظام الهولندي ارتبط عموما بانخفاض ضغط الدم والتدخين ومؤشر كتلة الجسم والدهون الثلاثية، إلى جانب ارتفاع مستويات النشاط البدني، كما تناول أصحاب الدرجات الغذائية الأعلى كميات أكبر من الفاكهة والخضراوات والحبوب الكاملة والألياف والمغنيسيوم.
لماذا لفت نظام «داش» والنظام الهولندي الانتباه؟
عند تحليل قياسات القلب بعد ضبط العوامل الصحية والشخصية المحتملة، لم يجد الباحثون ارتباطا واضحا بين الأنظمة الأربعة والمؤشرات التي تقيس التغيرات الزمنية المباشرة بين ضربات القلب، لكنهم رصدوا علاقة إيجابية بين الالتزام بنظام «داش» والنظام الهولندي الصحي وبين ارتفاع مؤشر يعرف باسم القوة فائقة الانخفاض للتردد، وهو مقياس يرصد التقلبات البطيئة في الفواصل الزمنية بين النبضات.
وكانت هذه العلاقة أكثر وضوحا لدى المشاركين الذين لا يستخدمون أدوية حاصرات بيتا، وهي أدوية توصف في حالات مختلفة من أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم، كما ظهرت بعض الارتباطات في تحليلات فرعية بين أنظمة غذائية ومؤشرات محددة لدى الرجال والنساء والأشخاص غير المصابين بالسمنة أو السكري، إلا أن الاختبارات الإحصائية لم تؤكد وجود اختلافات ثابتة بين هذه الفئات.
نتائج تحتاج إلى تفسير حذر.
ورغم أن النتائج تضع نظام «داش» والنظام الهولندي الصحي في مقدمة الأنماط الغذائية المرتبطة بالمؤشر الذي رصده الباحثون، فإن ارتفاع هذا المؤشر لا يعني بالضرورة أن صحة القلب أصبحت أفضل، إذ لا يزال المعنى الفسيولوجي للقوة فائقة الانخفاض للتردد في تسجيلات القلب الممتدة على مدار 24 ساعة محل نقاش علمي.
كما أن الدراسة رصدية واعتمدت على بيانات غذائية أبلغ عنها المشاركون بأنفسهم، وهو ما يمنع إثبات أن الأنظمة الغذائية تسببت في التغيرات المسجلة، فضلا عن احتمال وجود عوامل أخرى لم يتمكن الباحثون من احتسابها بالكامل، وزيادة تمثيل المصابين بالسكري من النوع الثاني ضمن العينة.
وتؤكد النتائج أهمية مواصلة البحث في العلاقة بين التغذية وتنظيم وظائف القلب، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن نظاما غذائيا بعينه يحمي من أمراض القلب أو يحسن تباين ضربات القلب، وهو ما يتطلب تجارب سريرية ودراسات مستقبلية أطول لتحديد القيمة الصحية الفعلية لهذه الارتباطات.
الدراسة ربطت الالتزام بنظام «داش» والنظام الهولندي الصحي بارتفاع أحد مؤشرات التغير في الفواصل الزمنية بين ضربات القلب
شملت الدراسة 7256 شخصا من عمر 40 إلى 75 عاما، واستخدم الباحثون استبيانا غذائيا وجهاز مراقبة محمول لتسجيل النشاط الكهربائي للقلب لمدة 24 ساعة
لا، فالدراسة رصدية ولا تثبت سببية مباشرة، كما أوضح الباحثون أن ارتفاع المؤشر المسجل لا يعني بالضرورة أن صحة القلب أصبحت أفضل


