لم تكن الذكرى السادسة عشرة لمذبحة كنيسة سيدة النجاة في بغداد مجرد مناسبة لاستعادة واحدة من أبشع الجرائم الإرهابية التي استهدفت المسيحيين في العراق، بل تحولت إلى مناسبة لطرح أسئلة أكثر إلحاحًا بشأن مستقبل الوجود المسيحي، وقدرة المكونات الكلدانية والسريانية والآشورية على مواجهة تحديات التهميش والهجرة والتراجع السكاني، والحفاظ على هويتها وحقوقها التاريخية والسياسية.
وفي هذا السياق، نظم حزب اتحاد بيث نهرين الوطني، في مدينة بغديدا (قره قوش) بسهل نينوى، مراسيم تأبينية بمناسبة الذكرى السادسة عشرة للمذبحة، في قاعة دار مار بولس للخدمات الكنسية، بحضور ممثلين عن المؤسسات الدينية والسياسية والأمنية والمجتمعية، إلى جانب حشد من أبناء الشعب الكلداني السرياني الآشوري.
وجاءت المناسبة هذا العام محملة بدلالات تتجاوز استعادة ذكرى الضحايا، إذ عكست أهمية التضامن بين المؤسسات والقوى السياسية والمجتمعية المسيحية، خصوصًا في منطقة سهل نينوى التي تمثل إحدى أهم الحواضن التاريخية للوجود المسيحي في العراق.
حزب اتحاد بيث نهرين الوطني..
يُعد حزب اتحاد بيث نهرين الوطني أحد الأحزاب السياسية التي تنشط في الدفاع عن القضايا القومية والسياسية للشعب الكلداني السرياني الآشوري في العراق، ويعود تأسيسه إلى 10 يونيو 1996، وفقًا لما وثقته بيانات الحزب واحتفالاته بذكرى تأسيسه التاسعة والعشرين في يونيو 2025.
وتحمل تسمية «بيث نهرين» دلالة تاريخية وجغرافية مرتبطة ببلاد ما بين النهرين، وهي التسمية التي ترتبط بالهوية التاريخية لشعوب المنطقة الناطقة باللغات الآرامية والسريانية، وما يتصل بها من امتداد حضاري وثقافي.
وينطلق الحزب من المطالبة بالحفاظ على الهوية القومية للشعب الكلداني السرياني الآشوري، والعمل على انتزاع حقوقه السياسية والثقافية والإدارية والتعليمية، وضمان مشاركته في مؤسسات الدولة العراقية، بما يحفظ له حقه في البقاء على أرضه التاريخية وممارسة خصوصيته الثقافية واللغوية.
ولا تقتصر توجهاته على المطالب المتعلقة بالهوية، بل تشمل العمل من أجل بناء عراق ديمقراطي تعددي وفيدرالي، وتعزيز التعاون بين القوى السياسية الوطنية، ورفض التهميش والانفراد بتمثيل المكونات العراقية.
وفي برنامجه السياسي الذي طرحه خلال الانتخابات العراقية عام 2021، تبنى الحزب مجموعة من المطالب، من بينها تطوير مناطق وبلدات سهل نينوى، وتحسين الخدمات وفرص العمل للشباب للحد من الهجرة، وضمان الحقوق القومية والسياسية والإدارية والثقافية والتعليمية للكلدان والسريان والآشوريين، إلى جانب المطالبة باستحداث محافظة سهل نينوى وفق المادة 119 من الدستور العراقي، ومعالجة التغييرات الديموغرافية في المناطق التاريخية لأبناء هذا الشعب.
كما تضمنت مطالبه الاعتراف بعيد رأس السنة البابلية الآشورية «أكيتو» عطلة وطنية، وتطوير المؤسسات والمراكز المتخصصة في تعليم اللغة السريانية، وحصر السلاح بيد الدولة.
وعلى صعيد الحضور التنظيمي، يمتلك الحزب نشاطًا في عدد من مناطق وجود أبناء الشعب الكلداني السرياني الآشوري، من بينها بغديدا وبرطلة وعنكاوا وكرملش، وافتتح مقرًا جديدًا لمحليته في بغديدا عام 2023، في خطوة عكست اهتمامه بتعزيز حضوره المباشر في سهل نينوى والتواصل مع أبناء المنطقة ومؤسساتها.
وتشير التغطيات الإعلامية إلى أن جوزيف صليوا سبي يتولى رئاسة الحزب، وقد استقبل وفودًا حزبية مهنئة في مقره بمناسبة الذكرى التاسعة والعشرين لتأسيسه عام 2025
ويأتي نشاط الحزب ضمن مشهد سياسي أوسع تتعدد فيه الأحزاب والتنظيمات التي تتبنى الدفاع عن حقوق الكلدان والسريان والآشوريين، في ظل تحديات تتعلق بتوحيد المواقف، وتعدد المرجعيات السياسية، والقدرة على تحويل المطالب القومية إلى مكاسب دستورية وإدارية واقتصادية ملموسة.
مذبحة سيدة النجاة..
وتعود أحداث مذبحة كنيسة سيدة النجاة إلى مساء الأحد 31 أكتوبر 2010، عندما اقتحمت مجموعة مسلحة كنيسة سيدة النجاة للسريان الكاثوليك في منطقة الكرادة بالعاصمة بغداد، أثناء إقامة القداس الإلهي، واحتجزت أكثر من مائة شخص من المصلين ورجال الدين رهائن داخل الكنيسة.
وبدأت العملية بهجوم مسلح وتفجيرات في محيط الكنيسة، قبل أن يقتحم المسلحون المبنى ويحتجزوا المصلين، ثم تتحول الكنيسة إلى ساحة مواجهة دامية استمرت عدة ساعات، بعدما اقتحمت القوات الأمنية العراقية المكان لتحرير الرهائن.
وخلال الهجوم، استخدم المسلحون الأسلحة النارية والقنابل والأحزمة الناسفة، وانتهت المجزرة بسقوط 58 قتيلًا وفق حصيلة أوردتها تقارير الأمم المتحدة، فضلًا عن عشرات المصابين، بينهم مدنيون وعناصر أمنية.
وأعلن تنظيم «دولة العراق الإسلامية»، المرتبط بتنظيم القاعدة آنذاك، مسؤوليته عن الهجوم، الذي لم يكن مجرد اعتداء على كنيسة أو مجموعة من المصلين، بل مثّل حلقة بالغة الدموية في سلسلة استهداف المسيحيين العراقيين، وأثار مخاوف واسعة من تعرض الوجود المسيحي التاريخي في البلاد لمزيد من التفكك والهجرة.
وقد تركت المجزرة آثارًا عميقة في المجتمع المسيحي العراقي، إذ دفعت عائلات كثيرة إلى التفكير في مغادرة البلاد، وسط تصاعد المخاوف من استهداف الكنائس والمنازل والمؤسسات المسيحية. وأشارت تقارير صحفية آنذاك إلى أن الهجوم سرّع موجة النزوح المسيحي من بغداد ومناطق أخرى.
ولم تكن خطورة المجزرة في عدد الضحايا وحده، وإنما في الرسالة التي حملتها إلى المجتمع المسيحي العراقي، ومفادها أن أماكن العبادة، التي يفترض أن تكون ملاذًا آمنًا للمصلين، لم تعد بمنأى عن الإرهاب.
سهل نينوى.. جراح داعش.
وتكتسب إقامة التأبين في بغديدا أهمية خاصة، بالنظر إلى المكانة التاريخية والدينية للمدينة، المعروفة أيضًا باسم قره قوش، والتي تُعد من أبرز التجمعات السريانية الكاثوليكية في العراق، فضلًا عن كونها إحدى أهم بلدات سهل نينوى التي تعرضت لعمليات تهجير واسعة خلال سيطرة تنظيم داعش على المنطقة عام 2014.
ففي أغسطس 2014، اضطر آلاف المسيحيين إلى مغادرة بلداتهم وقراهم في سهل نينوى هربًا من تقدم التنظيم، تاركين منازلهم وكنائسهم وممتلكاتهم، قبل أن تتمكن القوات العراقية وقوات البيشمركة، بدعم التحالف الدولي، من استعادة المنطقة لاحقًا.
ورغم عودة أعداد من العائلات وإعادة إعمار المنازل والكنائس، فإن التعافي لم يكن كاملًا، ولا تزال المنطقة تواجه مشكلات تتعلق بالأمن والاقتصاد والبطالة والنزاعات على الملكيات، فضلًا عن تعدد القوى المسلحة والإدارية المتنافسة على النفوذ.
وفي هذا السياق، أشار تقرير المفوضية الأوروبية لشؤون اللجوء (EUAA) الصادر في ديسمبر 2025 إلى استمرار التغيرات الديموغرافية في سهل نينوى، وتراجع الوجود المسيحي في عدد من مناطقه، إلى جانب استمرار مشكلات الملكيات العقارية ومخاوف المسيحيين من التمييز والقيود الأمنية.
كما أشار تقرير الحرية الدينية الصادر عن منظمة «عون الكنيسة المتألمة» لعام 2025 إلى أن استمرار نفوذ بعض الفصائل المسلحة، والمخاوف الأمنية، وضعف الثقة في المؤسسات، من العوامل التي تعرقل عودة النازحين المسيحيين إلى مناطقهم الأصلية، في وقت تتواصل فيه الهجرة إلى الخارج.
وهكذا، لم تعد قضية المسيحيين في سهل نينوى مرتبطة فقط باستعادة المنازل والكنائس التي دمرها تنظيم داعش، بل أصبحت مرتبطة بضمان وجود بيئة سياسية وأمنية واقتصادية تسمح للأجيال الجديدة بالبقاء، وتمنح العائلات الثقة في مستقبلها داخل وطنها.
صلاة وشعر موسيقى.
وشهدت المراسيم التي نظمها حزب اتحاد بيث نهرين الوطني في قاعة دار مار بولس للخدمات الكنسية ببغديدا، مشاركة واسعة من أبناء الشعب الكلداني السرياني الآشوري، وممثلين عن المؤسسات الدينية والأمنية والسياسية والمجتمعية.
واستُهلت الفعاليات بالوقوف دقيقة صمت إجلالًا لأرواح شهداء مذبحة سيدة النجاة وشهداء الشعب والوطن، أعقبتها إقامة صلاة «التشمشت» لراحة أنفس الشهداء، بمشاركة الآباء الكهنة فارس تمس، وقرياقوس البرطلي، ويونان هداي.
وألقى رئيس حزب اتحاد بيث نهرين الوطني، حورو جوزيف صليوا، الكلمة الرئيسية في المناسبة، تناول فيها المسار التاريخي للمذابح والتهجير القسري الذي تعرض له الشعب الكلداني السرياني الآشوري عبر مراحل تاريخية مختلفة، مشددًا على ضرورة مراجعة التجربة السياسية والاجتماعية، وإجراء تقييم داخلي لمواجهة التحديات الراهنة.
وأكد صليوا أهمية مراجعة الذات وترتيب البيت الداخلي، وتعزيز التكاتف بين أبناء الشعب الواحد ومؤسساته المختلفة، باعتبار أن وحدة الموقف تمثل أحد الشروط الأساسية لمواجهة التحديات التي تهدد مستقبل هذا الشعب وحقوقه.
كما تضمن التأبين فقرة أدبية وفنية، ألقى خلالها عدد من الشعراء قصائد مرثية باللغتين السريانية والعربية، شارك فيها إبراهيم خضر حنيش، وأمير، وبولص عكو، وجميل الجميل، وسرمد حنو، مستعيدين من خلال قصائدهم آلام المجزرة ومعاني الصمود والتمسك بالهوية.
وقدمت العازفة الشابة تارا أمانج مقطوعات موسيقية حزينة على آلة الكمان، في فقرة عكست الأجواء الإنسانية للمناسبة، واستحضرت مشاعر الحزن على الضحايا.
وشهدت المراسيم مشاركة وفد من الحركة الديمقراطية الآشورية، ورئيس مجلس أعيان بغديدا والوفد المرافق له، ومجلس عشائر السريان في برطلة، وممثلية محلية الاتحاد الوطني الكردستاني، ووفد الفوج الثالث عشر في الحشد الشعبي، إلى جانب ممثلين عن مديرية شرطة الحمدانية ومركز شرطة الحمدانية ومفرزة الشرطة المجتمعية، وعدد من مسؤولي الدوائر الحكومية والمؤسسات المدنية في القضاء.
باستذكار الشهداء ومعركة الهوية.
وتكشف هذه المناسبة عن جانب مهم من طبيعة التحديات التي تواجه المسيحيين العراقيين؛ فإحياء ذكرى مذبحة سيدة النجاة لم يعد مجرد استعادة لحدث مأساوي وقع قبل ستة عشر عامًا، وإنما أصبح مناسبة للتذكير بأن استمرار الوجود المسيحي في العراق يحتاج إلى ما هو أبعد من الاحتفالات والبيانات التأبينية.
فالمطلوب هو توفير ضمانات حقيقية لعودة المهجرين، وحماية الممتلكات، وخلق فرص عمل للشباب، وضمان التمثيل السياسي العادل، واحترام الخصوصية الثقافية واللغوية، وتوفير الأمن بعيدًا عن نفوذ الجماعات المسلحة.
كما تطرح دعوة رئيس حزب اتحاد بيث نهرين الوطني إلى مراجعة الذات وترتيب البيت الداخلي قضية بالغة الأهمية، تتعلق بمدى قدرة الأحزاب والتنظيمات المسيحية على تجاوز خلافاتها وتوحيد رؤيتها بشأن مستقبل مناطقها التاريخية، خصوصًا في ظل التراجع العددي للمسيحيين وتعدد القوى السياسية التي تتحدث باسمهم.
فالمشكلة لا تتعلق فقط بوجود أحزاب عديدة، وإنما بمدى قدرتها على بناء مشروع سياسي مشترك، يتجاوز التنافس على التمثيل والمقاعد، ويضع حماية الأرض والهوية والحقوق في مقدمة الأولويات.
وبين ذكرى ضحايا سيدة النجاة وذكريات التهجير الذي شهدته بلدات سهل نينوى، تبقى الرسالة الأهم أن الحفاظ على الوجود المسيحي العراقي لا يتحقق بمجرد إحياء ذكرى الشهداء، بل بضمان ألا تضطر الأجيال الجديدة إلى مغادرة الأرض التي عاش عليها أجدادها لقرون طويلة.
نظم الحزب المراسيم التأبينية في مدينة بغديدا قره قوش بسهل نينوى داخل قاعة دار مار بولس للخدمات الكنسية
أكد حورو جوزيف صليوا ضرورة مراجعة التجربة السياسية والاجتماعية وترتيب البيت الداخلي وتعزيز التكاتف بين أبناء الشعب الواحد ومؤسساته المختلفة
شدد الخبر على أن استمرار الوجود المسيحي يحتاج إلى ضمانات لعودة المهجرين وحماية الممتلكات وخلق فرص عمل للشباب وضمان التمثيل السياسي العادل وتوفير الأمن


