من أين بدأ التيه الذي نعيشه؟
نحن نقرأ السطر الأخير وننتزع الحكاية من سياقها، لنبني أحكامنا على “لحظة” عابرة في فضاء افتراضي يمتهن بيع “ثقافة التيك أوي”.
ننفعل، نصرخ، وربما نتقاتل دون تبين أو تثبت. من هنا يبدأ التيه.. فالقوة وحدها ليست كل شيء. التاريخ يعج بأمم ذات جيوش جبارة سقطت واندثرت. السر الحقيقي يكمن في تلك “الخلطة المصرية” الفريدة؛ خلطة تستعصي على الفهم الممنهج، وتفشل أمامها كل محاولات التمسيخ ومحو الهوية، لتبهرنا مصر دائمًا حين يلتف الجميع حول رايتها عند الخطر، متجاوزين كل أوجاعهم وشكاويهم. جينات ربانية لا تقلد ولا تُستسخ، ومجتمع فريد لم يحتله الغريب بلغته، بل أجبر الغريب أن ينطق بلسانه ولهجته.
إن ما تعيشه المجتمعات اليوم ليس عفويًا، بل هو نتاج حرب معلوماتية شعواء، أُمدت بالزيف لتجهيل العقول وتفتيت الوعي الجمعي. في هذا الخضم، تُحاك الفتن وتُشعل النيران ليلًا ونهارًا بهدف واحد: تشويه الشخصية المصرية وكسر استقلاليتها النفسية والتاريخية. ولولا تلك المناعة الذاتية المتجذرة في وجدان هذا الشعب، لكانت الأمور قد ذهبت في اتجاهات كارثية. غير أن المفاجأة تكمن دائمًا في لحظات الخطر الكبرى؛ حين يتخلى المواطن البسيط عن شكواه اليومية، وينزع عنه الخط الوريدي المحمل بهمومه، ليقف صابرًا صامدًا نصرةً لبلاده، دون تفسير علمي أو منطقي سوى أنها “عناية خاصة” و”جينات فريدة” لا تشبهها جينات شعوب الأرض قاطبةً.
هذا التيه المعاصر يدفعنا للبحث في جذور الفكر والتاريخ لعلنا نفهم أسرارنا. أثناء قراءتي لمذكرات المفكر الكبير “أحمد أمين”، توقفت طويلًا أمام فقرة توثق لشكل تطبيق العلمانية في تركيا على يد “مصطفى كمال أتاتورك”، وكيف تزامنت مع مخاض فكري مشابه في مصر. يروي “أحمد أمين” كيف تحولت تركيا بجرة قلم:
“ألغت وزارة الأوقاف، وألغت المحاكم والمدارس الدينية وجمعتها في وزارة المعارف لتعليم مدني واحد.. أُلغت الطرق الصوفية والزوايا والتكايا، وحُرمت الألقاب والعرافة والتنجيم.. حُدد الزي الديني لطائفة بعينها، وحررت المرأة سياسيًا واجتماعيًا وقانونيًا في الميراث.. وفُصل الدين عن الدولة تمامًا، بل وتغيرت حروف الكتابة التركية من العربية إلى اللاتينية”.
وفي الوقت الذي كانت فيه تركيا تحسم هويتها العلمانية وتلغي الخلافة، وراح ملوك العرب يتطلعون لوراثة اللقب، خرج في مصر الشيخ “علي عبد الرازق” بكتابه الصاعق “الإسلام وأصول الحكم” ليقرر أن الخلافة “ليست من الدين في شيء”. ووُجه للرجل هجوم ضارٍ وصدرت ضده الردود، لكن الخلاصة التاريخية أثبتت عبقرية الاختيار المصري؛ فمصر وحدها هي التي تقرر ما يصلح لها وما لا يصلح.
فلم تُلغِ مصر الطرق الصوفية، ولم تستبدل حروف لغتها العربية بلغات أخرى، ولم تنكر العمامة الدينية ولم تُشرع السفور بقوانين قسرية، بل ظلت تحتضن الوسطية والتنوع. لهذا السبب تحديدًا، لو طبقت مصر نموذجًا جاهزًا “بحذافيره” لما كانت أم الدنيا؛ فالبيئة المصرية هي وحدها القادرة على أن تحتضن الشيء ونقيضه في آنٍ واحد، ليعيش الجميع في سلام دون مذابح، أو حرائق، أو إقصاء.
لهذا السبب تحديدًا، لو طبقت مصر نموذجًا جاهزًا “بحذافيره” لما كانت أم الدنيا؛ فالبيئة المصرية هي وحدها القادرة على أن تحتضن الشيء ونقيضه في آنٍ واحد، ليعيش الجميع في سلام دون مذابح، أو حرائق، أو إقصاء.
في النهاية، تظل مصر هي اللغز الذي استعصي على كل محاولات الفك والتفكيك؛ فهي ليست وليدة نص فكري واحد، وليست رهينة لكتالوج مستورد من شرق أو غرب. هي نسيج فريد كُنسج التاريخ نفسه، يتسع للجميع، ويصنع من التناقضات تناغمًا مدهشًا. ربما يخطئ من يظن أننا بمعزل عن العالم، وربما يتعثر من يحاول قراءة المشهد من سطره الأخير، لكن الحقيقة الثابتة التي تختبرها الأيام كل مرة، هي أن هذا الشعب يمتلك بوصلة سرية لا تضل طريقها أبدًا نحو الوطن.
يرى المقال أن مصر تمتلك خصوصية تاريخية واجتماعية تجعلها قادرة على احتضان الاختلاف والتناقض دون أن تفقد هويتها
استند إلى تجربة تركيا في عهد مصطفى كمال أتاتورك كما وردت في مذكرات أحمد أمين، وإلى كتاب الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق
يخلص إلى أن مصر لا تتبع نموذجًا جاهزًا بحذافيره، وأن بيئتها الخاصة هي التي تصنع توازنها بين الشيء ونقيضه


