في مارس عام ٢٠٢٤، وخلال ندوة صحفية جمعت عددًا من قيادات الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، كشفت الزميلة علا الشافعي، المشرفة وقتها على لجنة المحتوى الدرامي بالشركة، عن رفض عدد من السيناريوهات بسبب حاجتها إلى تعديلات كثيرة، ثم الموافقة على تنفيذها بعد إعادة معالجتها. وقدمت مثالًا من مسلسل «سر إلهي»، بطولة روجينا، موضحة أنها كانت تبحث أثناء مراجعة النص عن مبرر درامي للعداء بين الأخوات، وهو ما استدعى مناقشات مع صناع العمل. واستوقفتني هذه الشهادة لأنها تكشف جانبًا من العمل الذي يجري داخل المؤسسات الإنتاجية قبل وصول المسلسلات إلى الشاشة، حين يجلس أشخاص -من خلفيات مختلفة- لتقييم ما كتبه المؤلف، ويحددون ما يحتاج إلى تعديل، وما يصلح للانتقال إلى مرحلة التنفيذ.
وبعد عامين، ظهر في تتر مسلسل «صحاب الأرض»، الذي عُرض في رمضان ٢٠٢٦، اسم الكاتب محمد هشام عبية مقرونًا بمهمة «تطوير السيناريو والحوار»، إلى جانب اسم مؤلف العمل عمار صبري. وقد كشف عبية أنه انضم إلى المشروع قبل رمضان بنحو شهرين، بعدما كانت بعض الحلقات قد اكتملت، وتولى استكمال كتابة الحلقات المتبقية وإضافة مسارات درامية جديدة، إلى جانب مناقشة تسلسل الأحداث والنهاية مع المخرج بيتر ميمي. ووصف هذه المهمة في تصريحات لاحقة بأنها تدخل ضمن ما يُعرف بوظيفة «طبيب السيناريو»، الذي يُستعان به لمعالجة مشكلات النص وتطويره.
والحقيقة أن هاتين الشهادتين تفتحان بابًا واسعًا للبحث في واحدة من القضايا التي أرى أنها تستحق اهتمامًا أكبر في مناقشة أزمة السيناريو المصري. فنحن أمام أعمال تمر على لجان تتولى تقييمها وطلب تعديلها، وأخرى تستعين بكتاب متخصصين في تطوير نصوصها، بينما توجد تجارب مصرية تستغرق فيها الكتابة والمراجعة شهورًا طويلة، وأعمال يبدأ تصويرها قبل اكتمال السيناريو. وبين هذه الممارسات المختلفة تظهر أسئلة تتعلق بكفاءة من يقرأ النص، وطبيعة الملاحظات التي يقدمها، والمعايير التي تحدد قبوله أو رفضه، ثم الوقت والموارد التي يحصل عليها الكاتب لإعادة كتابته. وهي أسئلة تتجاوز مسؤولية المؤلف الفردية إلى طريقة إدارة العملية الإبداعية داخل منظومة الإنتاج.
وقد حاولت في الحلقات السبع السابقة من هذه السلسلة رصد بعض الأسباب التي تقف وراء أزمة السيناريو في مصر، بداية من العلاقة المضطربة بين الكاتب ومنظومة الإنتاج، مرورًا بحقوق المؤلفين وورش الكتابة والرقابة الذاتية، وصولًا إلى ضعف البحث والاستطالة ومشكلات الحوار. أما هذه المرة فأريد الاقتراب من مرحلة أخرى في صناعة العمل، تبدأ عندما يضع الكاتب نصه أمام قارئ أو لجنة تقييم، وتمتد إلى مناقشته وتطويره وإعادة كتابته قبل التصوير. وهي مرحلة تختلف عن النزاعات المتعلقة بملكية الحكاية أو سلطة تغييرها، لأن السؤال الذي يشغلني هنا يتعلق بأهلية من يكتشف عيوب السيناريو، وقدرته على مساعدة الكاتب في تجاوزها، ومدى استعداد الصناعة لمنح هذه المهمة ما تحتاج إليه من خبرة ووقت.
من يقرأ السيناريو أولًا؟
في الندوة نفسها التي تحدثت فيها علا الشافعي عن مراجعة السيناريوهات، كشفت تفاصيل أخرى تساعدنا على فهم الطريقة التي تمر بها الأعمال داخل إحدى أكبر جهات الإنتاج والعرض في مصر. فقد أوضحت أن اختيار النصوص يعتمد على جودة الفكرة وطريقة كتابتها وإيقاع الأحداث وتطور الشخصيات، وأن بعض المشروعات يعاد النظر فيها بعد تقديم الملاحظات ومعالجة المشكلات التي رصدتها لجنة القراءة. كما تحدثت عن جلسات مطولة مع المؤلفين والمخرجين، ومراجعات قد تستمر حتى مرحلة المونتاج، وهو ما حدث، وفق شهادتها، مع مسلسل «الحشاشين»، الذي قدمت اللجنة ملاحظات على بعض أجزائه بعد التصوير.
ومن جهة أخرى، أوضحت المنتجة دينا كريم، المسؤولة آنذاك عن التوزيع بالشركة، أن السيناريوهات تخضع أيضًا لدراسة تسويقية، وأن بعض المشروعات قد تواجه صعوبات في بيعها خارج مصر رغم ملاءمتها للإنتاج محليًا. وأضاف عماد ربيع، رئيس قطاع الإنتاج وقتها، أن الشركة تختار أعمالها من بين عدد كبير من المشروعات المعروضة عليها، وتخضع عملية الاختيار لجهود مشتركة بين المسؤولين عن المحتوى والإنتاج والتوزيع. وفي تصريحات أخرى، شرحت علا الشافعي أن المرحلة الأولى من تقديم المشروعات تتطلب معالجة درامية وعددًا يتراوح بين ثلاث وخمس حلقات، قبل اتخاذ القرار باستكمال الإجراءات الإنتاجية.
مسلسلات
وأعتقد أن هذه التفاصيل تضعنا أمام طبيعة معقدة لعملية التقييم، لأن السيناريو يمر على أشخاص ينظرون إليه من زوايا مختلفة. فالمسؤول عن المحتوى يهتم بجودة الكتابة وملاءمة الموضوع، والمنتج ينظر إلى إمكانات التنفيذ والميزانية، بينما يفكر الموزع في الأسواق التي يمكن أن تستقبل العمل والعائد المتوقع من بيعه. وهي اعتبارات مشروعة داخل أي صناعة، وتحتاج إلى قدر من التنسيق حتى يتحول النص المكتوب إلى مشروع قابل للإنتاج. لكن الصعوبة تبدأ عندما تختلط المعايير الفنية بالاعتبارات التجارية، ويصبح الحكم على جودة السيناريو مرتبطًا أحيانًا بمدى سهولة تسويقه، أو بوجود نجم يستطيع ضمان اهتمام جهة العرض.
مسلسلات
وما يشغلني أكثر هو السؤال عن الشخص الذي يتولى القراءة الفنية نفسها، وكيف يصل إلى حكمه على النص. فهناك فرق كبير بين قارئ يرى أن الحكاية تفتقر إلى التشويق، وآخر يستطيع تحديد المشكلة التي أضعفت التشويق، سواء كانت في طبيعة الصراع أو ترتيب الأحداث أو طريقة توزيع المعلومات على المشاهدين. وهناك أيضًا فرق بين من يشعر بأن شخصية معينة تتصرف بطريقة غير مقنعة، ومن يستطيع العودة إلى المشاهد السابقة لاكتشاف اللحظة التي فقدت فيها الشخصية منطقها الداخلي. وفي رأيي أن القدرة على تقديم هذا النوع من الملاحظات تحتاج إلى معرفة متخصصة وخبرة في قراءة السيناريوهات وتحليلها، وهي خبرة قد يمتلكها كاتب أو مخرج أو ناقد أو قارئ محترف، وفق طبيعة تكوينه وممارسته.
مسلسلات
ومن اللافت أيضًا أن عددًا من الجهات المنتجة يتخذ قرارًا أوليًا بشأن المشروع اعتمادًا على معالجة وعدد محدود من الحلقات. وقد يكون هذا الإجراء مفهومًا في مرحلة اختيار الأفكار وتحديد المشروعات التي تستحق استثمارًا إضافيًا، لكنه يترك سؤالًا آخر بشأن تقييم البناء الدرامي للعمل كاملًا. فالحلقات الأولى قد تكون جذابة، وتقدم شخصيات مثيرة للاهتمام وصراعات واعدة، بينما تظهر المشكلات الحقيقية في منتصف الحكاية أو عند الوصول إلى نهايتها. ومن هنا تبرز أهمية وجود مراحل متتابعة للقراءة، تبدأ بتقييم الفكرة والمعالجة، ثم تعود إلى النص بعد اكتمال البناء العام، وأخيرًا إلى الحلقات في صورتها التفصيلية، حتى يصبح الحكم على المشروع متصلًا بما أنجزه الكاتب بالفعل في كل مرحلة.
مسلسلات
وعندما نتحدث عن لجان القراءة، فمن المهم أن نميز بينها وبين الجهات التي تتابع الأعمال بعد عرضها وتقدم تقييمًا نقديًا لما شاهده الجمهور، وكذلك عن لجان الرقابة المعنية بإجازة المصنفات وفق الضوابط المنظمة لعملها. فمهمة القارئ الذي يشارك في اختيار السيناريو وتطويره تبدأ قبل التصوير، ويكون في استطاعته اكتشاف مشكلة ما زال الكاتب قادرًا على معالجتها، بينما يأتي التقييم النقدي بعد اكتمال العمل وقد أصبح جزءًا من تجربة الجمهور. وهذا الفارق في توقيت التدخل وطبيعته يمنح عملية القراءة السابقة للإنتاج أهمية خاصة، لأنها إحدى الفرص القليلة التي يمكن فيها إصلاح خلل درامي قبل انتقاله إلى الصورة.
مسلسلات
مَن المؤهل للحكم؟
أعادتني هذه الأسئلة إلى معركة قديمة شهدتها السينما المصرية قبل ثورة يناير ٢٠١١، واستعاد المخرج مجدي أحمد علي تفاصيلها في سلسلة مقالات نشرها خلال عام ٢٠٢٦. فقد كان عضوًا في لجنة كلفتها وزارة الثقافة باختيار السيناريوهات المستحقة للدعم، وقررت اللجنة أن تنزع الصفحة الأولى من النصوص المقدمة إليها، حتى يقرأ أعضاؤها الأعمال دون معرفة أسماء أصحابها. وكان الهدف تحقيق قدر أكبر من الحياد، وإتاحة الفرصة للكاتب أو المخرج الشاب كي ينافس أصحاب الأسماء الكبيرة، اعتمادًا على جودة السيناريو الذي تقدم به.
وقد جاءت النتائج مخيبة لآمال عدد من السينمائيين، بعدما رأت اللجنة أن معظم المشروعات تحتاج إلى إعادة نظر، وطلبت إعادة فتح باب التقديم، مع السماح لأصحاب الأعمال السابقة بإجراء تعديلات جوهرية عليها. واندلعت معركة شارك فيها مخرجون كبار، بينهم داوود عبد السيد ومحمد كامل القليوبي ويسري نصر الله، بينما دافع أعضاء اللجنة عن اختياراتهم وطريقة التقييم. وكشف مجدي أحمد علي أن العملية مرت بمراحل عدة،حيث قرأ أعضاء اللجنة النصوص أولًا دون أسماء، ثم أعيدت قراءة الأعمال التي اجتازت التصفية، قبل الكشف عن أصحاب المشروعات وإعادة النظر في بعضها احترامًا لتاريخهم الفني.
والحقيقة أنني وجدت نفسي أمام مسألة تحتمل أكثر من وجهة نظر، خصوصًا في ما يتعلق بإخفاء أسماء المتقدمين. فالفكرة تحمل وجاهة واضحة إذا كنا أمام امتحان يخضع فيه جميع الطلاب للشروط نفسها، وتُقيَّم إجاباتهم وفق معايير محددة، بحيث يصبح اسم الطالب وتاريخه السابق بعيدين عن الحكم على ما كتبه في ورقة الإجابة. أما عندما يتعلق الأمر بتقييم سيناريوهات ومشروعات أفلام، فإن المسألة في تقديري تصبح أكثر تعقيدًا، لأننا نتعامل مع عمل فني تتداخل في الحكم على إمكاناته جودة النص المكتوب، والرؤية الإخراجية التي سيقدم من خلالها، وخبرة صاحب المشروع وقدرته على تحويل الكلمات إلى صور ومشاهد.
وقد أجد من الصعب، على سبيل المثال، أن أتجاهل التاريخ الفني لمخرج قدم مجموعة من الأفلام المهمة، وأثبت عبر سنوات طويلة قدرته على بناء عالم سينمائي خاص، عندما أتولى تقييم مشروع جديد يتقدم به. فالسيناريو الجيد وحده يظل أحد عناصر الفيلم، وقد تتحول كتابة جيدة إلى عمل ضعيف بسبب إخراج عاجز عن استيعاب إمكاناتها، كما يستطيع مخرج موهوب أن يكتشف في نص يبدو عاديًا على الورق إمكانات فنية وبصرية تضيف إليه الكثير. وربما يحتاج مشروع يقدمه مخرج صاحب تجربة خاصة إلى معرفة بلغته السينمائية السابقة حتى نستطيع إدراك بعض ما يقترحه، خصوصًا عندما يعتمد على الصورة والإيقاع والتكوين البصري أكثر من اعتماده على التفاصيل المكتوبة في السيناريو.
ومع ذلك، فإن الاعتداد بالتجربة السابقة قد يحمل بدوره مخاطر واضحة، فقد يقدم مخرج كبير مشروعًا ضعيفًا، ويأتي مخرج شاب بمعالجة أكثر نضجًا وأصالة، وقد تتحول شهرة الاسم إلى نوع من الحصانة التي تؤثر في حياد التقييم. ولذلك أميل إلى التمييز بين الحكم على السيناريو بوصفه نصًا مكتوبًا، وتقدير مشروع الفيلم كاملًا، بما يشمله من رؤية المخرج وخبرته وإمكاناته الفنية والإنتاجية. وربما تكون المفارقة في الواقعة التي استعادها مجدي أحمد علي أن اللجنة نفسها انتهت إلى الكشف عن أسماء المتقدمين وإعادة قراءة بعض مشروعاتهم، وهو ما يعكس إدراكًا ضمنيًا لأهمية التجربة السابقة، حتى بعد محاولة استبعاد تأثيرها في المراحل الأولى.
وهناك مسألة أخرى أكثر حساسية تتعلق بأهلية أعضاء لجان التقييم أنفسهم، فقد تضم بعض اللجان أشخاصًا تقل تجاربهم الفنية وإنجازاتهم عن تجارب المخرجين والكتاب الذين يتقدمون بمشروعاتهم، ويصبح من المشروع التساؤل عن مدى امتلاك هؤلاء المحكمين القدرة والخبرة اللازمتين للحكم على أعمال أصحاب تجارب أكثر ثراءً وتعقيدًا. وفي المقابل، قد يمتلك ناقد متخصص أو قارئ محترف قدرة على تحليل السيناريو واكتشاف مشكلاته تفوق قدرة مخرج أكثر شهرة منه، لأن ممارسة الإبداع وتقييمه مهارتان تتقاطعان وتختلفان في الوقت نفسه. ولهذا فإن المسألة تتصل بالكفاءة الفعلية وتنوع الخبرات، إلى جانب المكانة الفنية لكل من المقيم وصاحب المشروع.
وبطبيعة الحال، فإن السينمائي الذي يتقدم إلى مسابقة أو يطلب دعمًا من مؤسسة معينة يكون قد قبل من حيث المبدأ الخضوع للتقييم وفق القواعد المعلنة، ومع ذلك يظل من حقه مناقشة المعايير والنتائج، مثلما يحق للجنة الدفاع عن اجتهاد أعضائها. وأرى أن قيمة هذه الواقعة تكمن في الأسئلة التي أثارتها حول طبيعة التقييم أكثر مما تكمن في الانتصار لأحد طرفي الخلاف. فمن الممكن أن تكون اللجنة محقة في اكتشاف مشكلات حقيقية في بعض السيناريوهات، وأن تكون هناك في الوقت نفسه ملاحظات مشروعة على تشكيلها أو طريقة عملها أو معاييرها. فالحكم على الإبداع يظل مجالًا للاجتهاد والخلاف، وتزداد أهميته عندما يكون قرار اللجنة قادرًا على فتح الطريق أمام مشروع أو إغلاقه.
من الملاحظات إلى التطوير
في نوفمبر ٢٠٢٥، وخلال جلسة حوارية بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، قدم المنتج والسيناريست محمد حفظي شهادة أراها مهمة في هذا السياق، حين تحدث عن طريقته في التعامل مع السيناريوهات المعروضة عليه، مؤكدًا حرصه على مساعدة النص في الوصول إلى أفضل صورة ممكنة، وفق الحكاية التي يريد صاحبها تقديمها. ولخص فلسفته في عبارة بسيطة: «ساعات بساعد السيناريو إنه ياخد اختيار صح، لكن مينفعش أتعامل معاه كأني الكاتب».
وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من أن حفظي بدأ حياته المهنية كاتبًا للسيناريو قبل انتقاله إلى الإنتاج، فأصبح يعرف طبيعة العملية من موقعين مختلفين. وقد تحدث أيضًا عن صعوبة الدخول في تصوير نص يفتقر المنتج نفسه إلى الاقتناع به، وهي ملاحظة تكشف أهمية المناقشات التي تسبق التنفيذ. فالمشروع الذي تبدأ كاميراته العمل بينما ما زالت هناك خلافات جوهرية حول بنائه وشخصياته ونهايته، قد يجد نفسه مضطرًا إلى حسم تلك الخلافات في توقيت أكثر تعقيدًا، بعدما تتحول بعض الاختيارات إلى مشاهد جرى تصويرها بالفعل.
وأعتقد أن أحد أهم أسباب اضطراب عملية التطوير يتعلق بالخلط بين اكتشاف المشكلة واقتراح الحل المناسب لها. فقد يلاحظ المنتج أن إيقاع الحلقات الأولى بطيء، أو يرى المخرج أن إحدى الشخصيات تفتقر إلى الدافع الذي يجعل تصرفاتها مقنعة، وقد تكون هذه ملاحظات صحيحة تمامًا. لكن علاج المشكلة يحتاج إلى إعادة النظر في البناء الذي أنتجها، وفي العلاقات التي تحكم الشخصيات، وطبيعة الصراع الذي يدفع الأحداث. وقد يصبح الحل المقترح أسوأ من المشكلة الأصلية إذا اعتمد على إضافة مواجهة مفتعلة أو حادث مفاجئ لمجرد تسريع الإيقاع، أو تغيير موقف شخصية لأن أحد المشاركين يرى أن الجمهور سيفضل هذا التصرف.
ومن هنا تتضح أهمية الوظيفة التي أصبحنا نسمع عنها كثيرًا في السنوات الأخيرة، وهي وظيفة «طبيب السيناريو»، أو الكاتب المتخصص الذي يُستعان به لمراجعة النصوص وتطويرها. وقد قدم محمد هشام عبية في تجربة «صحاب الأرض» مثالًا عمليًا لهذه المهمة، إذ كشف أن عمار صبري كان قد أنجز سبع حلقات تقريبًا قبل انضمامه، وأنه تولى تطوير الحلقات المكتوبة واستكمال الباقي، مع إضافة شخصيات ومسارات درامية جديدة، بينها شخصيتا الضابطة الإسرائيلية سارة، وفدوى الفلسطينية الحامل في طفل من زوج مصري. وهي إضافات ارتبطت بمحاولة توسيع العالم الدرامي وتدعيم العلاقات الإنسانية التي تتناولها الحكاية.
وفي حواره مع «الشروق»، أكد عبية أن التعاون مع المؤلف عمار صبري جرى في إطار من التفاهم، وأن المناقشات مع المخرج بيتر ميمي تناولت التفاصيل وتسلسل الأحداث وشكل النهاية. كما كشف عن الاستعانة بشهادات أشخاص عاشوا في غزة والضفة الغربية، والتواصل مع الهلال الأحمر المصري لفهم طبيعة المساعدات الإنسانية ومسارات وصولها. وهكذا جمعت مهمة التطوير بين إعادة بناء بعض الخطوط الدرامية واستكمال الكتابة والبحث عن التفاصيل التي تمنح الحكاية صدقها، وهي مهام تتجاوز مراجعة الحوار أو تعديل بعض المشاهد.
واللافت أن هذه التجربة جرت تحت ضغط موعد العرض الرمضاني، وهو ما أشار إليه عبية نفسه، لكنها تقدم في الوقت نفسه نموذجًا معلنًا للاستعانة بكاتب متخصص، وتحديد طبيعة مشاركته في العمل. وأرى أن أهمية ذلك تكمن في الاعتراف بأن تطوير السيناريو يحتاج أحيانًا إلى خبرة إضافية، وأن وجود كاتب ثانٍ يراجع النص ويسهم في إعادة بنائه يمكن أن يمثل إضافة حقيقية عندما تكون المهمة واضحة، وتوجد رؤية مشتركة بين المشاركين.
وتكشف هذه التجربة أيضًا عن جانب آخر من طبيعة الصناعة المصرية، يتعلق بتوقيت الاستعانة بمستشار التطوير أو الكاتب المتخصص. فقد يحتاج النص إلى مراجعة في مرحلة مبكرة، عندما تكون جميع احتمالات إعادة البناء متاحة، وقد تأتي الاستعانة بخبرة إضافية بعدما تقترب مواعيد التصوير والعرض، ويصبح المطلوب إنجاز التعديلات في وقت محدود. والفارق بين الحالتين مهم، لأن المراجعة المبكرة تتيح تجربة حلول متعددة، بينما تضطر المراجعة المتأخرة إلى العمل داخل حدود أضيق تفرضها الاختيارات التي استقر عليها المشروع بالفعل.
عندما يحصل السيناريو على وقته
ومن التجارب الحديثة التي تستحق التوقف عندها مسلسل «أندر إيدج»، الذي عُرض عبر منصة «شاهد» عام ٢٠٢٦. فقد كشف الكاتب مينا بباوي أن تطوير العمل استغرق نحو عامين، بينها قرابة عام ونصف في كتابة السيناريو قبل بدء التصوير، وأن المشروع مر بمراحل متعددة من المراجعة بالتعاون مع لجنة التطوير في المنصة. ثم انضم المخرج يحيى إسماعيل، وقدم رؤيته للعمل، وهو ما استدعى العودة إلى النص وإعادة النظر في بعض تفاصيله مرة أخرى.
واللافت أن المسلسل، الذي شارك في كتابة السيناريو والحوار له مينا بباوي ومحمد السوري، تحت إشراف أمين جمال، يتكون من اثنتي عشرة حلقة، ويقدم عالمًا يرتبط بعلاقات المراهقين بأسرهم وما يشهده هذا العمر من اضطرابات نفسية واجتماعية، من خلال حكاية ذات طابع تشويقي. وقد تحدث بباوي عن أن الوقت الطويل الذي استغرقه التطوير منح فريق العمل ثقة أكبر في المشروع، وساعد على الجمع بين التشويق والاهتمام بالشخصيات وعلاقاتها الإنسانية.
وفي رأيي أن أهمية هذه الشهادة تتعلق بالطريقة التي جرى بها تنظيم رحلة النص، أكثر من ارتباطها بالحكم على المستوى الفني للمسلسل. فهناك مشروع بدأ تطويره قبل التصوير بفترة طويلة، ومر على لجنة متخصصة، ثم خضع لمراجعات إضافية بعد انضمام المخرج. وهذا يكشف عن وجود نموذج إنتاجي يمنح الكتابة مراحل متتابعة، ويسمح بتغير النص مع تطور الرؤية الفنية للعمل، بدلًا من التعامل مع المسودة الأولى باعتبارها نسخة جاهزة للتنفيذ.
ومن الإنصاف أيضًا أن ندرك أن طول مدة التطوير يختلف وفق طبيعة المشروع، وأن العامين اللذين استغرقهما إعداد «أندر إيدج» قد لا يكونان المدة المناسبة لكل مسلسل. فقد يحتاج مشروع أكثر تعقيدًا إلى وقت أطول، بينما يستطيع كاتب صاحب خبرة إنجاز عمل جيد خلال فترة أقل، خصوصًا إذا كانت فكرته واضحة وبناؤه مستقرًا منذ البداية. لكن الشهادة تظل مهمة لأنها تكشف أن الاستثمار في تطوير السيناريو أصبح خيارًا موجودًا بالفعل داخل السوق المصرية، وأن المشكلة تتعلق بمدى انتشار هذه الممارسة واستقرارها، وبالفارق بين المشروعات التي تحصل على وقت كافٍ للمراجعة وتلك التي تدخل التصوير تحت ضغط مواعيد العرض.
وعلى الجانب الآخر، توجد شهادات تكشف ظروفًا مختلفة تمامًا. ففي عام ٢٠٢١، تحدث المخرج ماندو العدل عن بدء تصوير مسلسل «بين السما والأرض» بعد إنجاز اثنتي عشرة حلقة من أصل خمس عشرة، مع وجود تصور مسبق لمسار الحلقات المتبقية. وقد اعتبر أن دخول التصوير قبل اكتمال السيناريو يمثل مشكلة تواجه الصناعة، موضحًا أن بعض الأعمال قد تبدأ تصويرها بحلقة واحدة مكتوبة. وتكشف شهادته عن أن وجود معالجة واضحة للحكاية قد يساعد الفريق على مواصلة التنفيذ، لكنه يظل مختلفًا عن امتلاك نص مكتمل أُتيحت له فرصة المراجعة والتطوير.
وفي تجربة أخرى، تحدث المخرج تامر نادي عن الظروف التي صاحبت تصوير مسلسل «مذكرات زوج» عام ٢٠٢٣، مؤكدًا أن ضيق الوقت كان أحد أهم التحديات، خصوصًا مع بدء التصوير متأخرًا وإجراء تعديلات على السيناريو أثناء التنفيذ. وأوضح أن هذه التغييرات كانت تتطلب متابعة دقيقة لترابط الخطوط الدرامية وتسلسل الحلقات. وفي المقابل، كشف بطل العمل طارق لطفي عن جلسات ومناقشات مستمرة جمعته بالكاتب محمد سليمان عبد المالك والمخرج، تناولت تفاصيل المشاهد والحوار والشخصيات. وهي شهادات تكشف أن المراجعة قد تستمر بصورة طبيعية خلال التصوير، وأن المشكلة ترتبط بالوقت المتاح لها وبمدى وضوح الرؤية العامة للعمل قبل بدء التنفيذ.
والحقيقة أنني أرى في هذه الأمثلة ما يساعدنا على تجنب الحكم المطلق على الكتابة أثناء التصوير، فالأعمال الفنية تتطور أحيانًا نتيجة اكتشاف المخرج إمكانات جديدة في المكان أو الأداء، وقد يقدم الممثل اقتراحًا يضيف إلى الشخصية، ويعيد الكاتب صياغة مشهد ليصبح أكثر قدرة على التعبير عن الموقف الدرامي. وهي عملية طبيعية حين تأتي استجابة لاكتشاف فني حقيقي، وتختلف عن اضطرار الكاتب إلى استكمال بناء الحكاية الأساسية بينما يجري تصوير أجزائها الأولى، أو تغيير مسارات شخصيات لم تستقر دوافعها ونهاياتها بعد.
وما يستحق التأمل هنا هو أن عملية التطوير تصبح أكثر صعوبة كلما تأخرت، لأن الخيارات التي تبدو بسيطة على الورق تكتسب أبعادًا إنتاجية بعد التنفيذ. فقد يتطلب تعديل مشهد جرى تصويره إعادة جمع ممثلين ارتبطوا بأعمال أخرى، أو العودة إلى ديكور انتهى استخدامه، وقد يؤدي تغيير مسار شخصية إلى مراجعة مشاهد سابقة كان يفترض أن تمهد لهذا التحول. وقد يجد الكاتب نفسه مضطرًا إلى ابتكار حلول داخل الحدود التي فرضتها المشاهد المنفذة، حتى لو كان العلاج الأفضل للمشكلة يقتضي إعادة كتابة جزء أقدم من الحكاية.
ولذلك فإن الحديث عن تكلفة التطوير يحتاج إلى النظر في تكلفة الاستغناء عنه أيضًا. فقد يبدو تخصيص وقت إضافي للقراءة والمراجعة وإعادة الكتابة عبئًا على الميزانية وجدول الإنتاج، لكن المشكلات التي تظهر في مرحلة متأخرة قد تفرض نفقات أكبر، أو تؤدي إلى حلول فنية تقل عن طموح العمل. وتظل هذه المسألة بحاجة إلى بيانات إنتاجية تفصيلية تسمح بتحديد حجم الخسائر أو الوفورات في كل تجربة، بينما تكفي شهادات صناع الأعمال للكشف عن طبيعة العلاقة بين الوقت الذي يحصل عليه السيناريو والمرونة المتاحة للتعامل مع مشكلاته.
من المسؤول عن النص الجاهز للتصوير؟
بعد تأمل هذه الوقائع، أعتقد أننا نستطيع الاقتراب من أحد الأسباب المهمة لأزمة السيناريو في مصر، ويتعلق بالطريقة التي تتوزع بها المسؤولية عن تقييم النص وتطويره داخل منظومة الإنتاج. ففي بعض التجارب توجد لجان تقرأ الأعمال وتناقش ملاحظاتها مع المؤلفين والمخرجين، وفي أخرى يتولى المنتج بنفسه إدارة هذه العملية، بينما تستعين مشروعات بكتاب متخصصين أو لجان تطوير، وتعتمد تجارب أخرى على اجتماعات تجمع أصحاب العمل كلما ظهرت مشكلة تحتاج إلى حل. وهي ممارسات تختلف في طبيعتها ودرجة تنظيمها، وتعكس تنوعًا حقيقيًا داخل الصناعة المصرية.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا يتعلق بما يحدث عندما يحصل السيناريو على موافقة الجهة المنتجة؛ فهل تعني الموافقة أن النص أصبح جاهزًا للتصوير، أم أنها تعني أن الفكرة تستحق الاستثمار في تطويرها حتى تصل إلى مرحلة التنفيذ؟ وقد تكشف بعض الشهادات عن اختلاط هاتين المرحلتين، حين تبدأ الاستعدادات الإنتاجية اعتمادًا على معالجة وحلقات أولى، بينما تظل بقية الحكاية في مراحل الكتابة والمراجعة. ومن الطبيعي أن تختار الشركة المشروع الذي تؤمن به وتبدأ التحضير له، لكن نجاح هذه الخطوة يحتاج إلى وجود تصور واضح لما تبقى من النص، وإلى وقت يسمح باستكماله ومناقشته قبل انتقاله إلى الكاميرا.
وقد استوقفتني في هذا السياق شهادة أخرى لعلا الشافعي خلال ندوة مارس ٢٠٢٤، حين اعتبرت أن وصول نسبة الحلقات المسلَّمة قبل بدء التصوير إلى ستين في المائة يمثل إنجازًا مهمًا، وأعربت عن أملها في الوصول إلى تسليم الحلقات كاملة في المواسم التالية. وأعتقد أن العبارة تحمل اعترافًا صريحًا بحجم المشكلة التي كانت الصناعة تحاول تجاوزها، لأن اعتبار اكتمال الجزء الأكبر من السيناريو قبل التصوير إنجازًا يكشف عن ظروف سابقة كان النص فيها يصل إلى مواقع العمل على مراحل، وعن محاولات لإعادة تنظيم عملية الإنتاج ومنح الكتابة مساحة أكبر.
وربما يكون من أكثر ما يثير القلق أن بعض المشروعات تحصل على فرص واسعة للتنفيذ والتسويق، بينما يظل تطوير السيناريو نفسه مرتبطًا بقدرة الكاتب على الإنجاز تحت ضغط المواعيد. فالنجوم يحددون ارتباطاتهم، والمنتجون يضعون الميزانيات، والقنوات والمنصات تعلن خرائط العرض، وتبدأ الاستعدادات للديكورات ومواقع التصوير، وقد يصبح موعد التسليم الذي يواجهه المؤلف نتيجة لكل هذه القرارات السابقة. وعندها يتراجع الوقت المتاح للتجريب والمراجعة، وتصبح سرعة الكتابة إحدى المهارات الأساسية المطلوبة من الكاتب، حتى لو كان النص في حاجة إلى المزيد من العمل.
ومن جهة أخرى، فإن ظهور لجان القراءة ومستشاري التطوير وكتاب يعيدون معالجة السيناريوهات يمثل تطورًا يمكن أن يضيف إلى الصناعة، شرط أن تكون هذه الممارسة قائمة على الخبرة والمعرفة، وأن يحصل أصحابها على الوقت والموارد اللازمة لأداء مهمتهم. فالمؤلف يستطيع أن يستفيد كثيرًا من قارئ يمتلك القدرة على اكتشاف مشكلة حقيقية في البناء، ومن منتج يفهم كيف تساعد المراجعة المبكرة على تحقيق رؤية العمل، ومن مخرج يناقش النص قبل التصوير، ومن كاتب آخر يضيف خبرته في تطوير مسارات الحكاية. وتظل القيمة الفعلية لهذه المشاركات مرتبطة بما تضيفه إلى النص الذي سيشاهده الجمهور، ومدى قدرتها على تجاوز المشكلات التي كانت تهدد تماسكه.
وأعتقد أيضًا أن مسؤولية تطوير السيناريو تبدأ من لحظة اختيار المشروع، لأن الجهة التي توافق على إنتاجه تستطيع أن تحدد منذ البداية المراحل التي يحتاج إليها قبل التنفيذ، وطبيعة الخبرات التي يمكن الاستعانة بها، والوقت المتاح لإنجاز المسودات المختلفة. وقد تكون هذه المسؤولية أكثر أهمية من التدخلات المتأخرة التي تحاول إصلاح مشكلات ظهرت بعد بدء التصوير، لأن التقييم الجيد يمنح الكاتب فرصة لفهم ما يحتاج إليه نصه، بينما يسمح التطوير المبكر بتحويل الملاحظات إلى اختيارات فنية أكثر نضجًا.
والواقع أنني أرى في هذا الملف سببًا آخر يدعونا إلى مراجعة النظرة السائدة إلى السيناريو المصري، التي تحمل الكاتب وحده مسؤولية كل عيب يظهر على الشاشة. فالكاتب يتحمل بالتأكيد مسؤولية موهبته وأدواته ومعرفته بالعالم الذي يكتب عنه، وقد يختار الاستسهال أو يكرر وصفات درامية ثبت نجاحها سابقًا، لكن النص الذي يصل إلى الجمهور يمر أحيانًا بمراحل متعددة من القراءة والتقييم والمراجعة، ويشارك في تحديد مصيره أشخاص وجهات تمتلك سلطات وخبرات مختلفة. ولذلك فإن الحكم على أزمة السيناريو يحتاج إلى النظر في كفاءة العملية كلها، من اختيار المشروع إلى اعتماد نسخته النهائية، وما إذا كانت كل مرحلة تؤدي دورها في تطوير النص أو تضيف إليه مشكلات جديدة.
وأعود هنا إلى الملاحظة التي بدأت منها هذه الحلقة، حين كانت علا الشافعي تبحث عن مبرر درامي للعداء بين الأخوات في مسلسل «سر إلهي». فقد يبدو السؤال بسيطًا، وربما يستطيع أي مشاهد أن يطرحه عندما يجد الشخصيات تتصرف بطريقة تفتقر إلى الإقناع، لكن أهميته الحقيقية أنه طُرح في مرحلة تسمح بمراجعة النص وإعادة النظر في دوافع الشخصيات وعلاقاتها. والمفارقة أن هذه الملاحظة التي يمكن أن تمثل جزءًا طبيعيًا من عملية تطوير أي عمل درامي، تظل في الصناعة المصرية مرتبطة أحيانًا باهتمام شخص بعينه، أو بخبرة مسؤول عن المحتوى، أو بحرص منتج على مراجعة ما سيقدمه، بينما تدخل أعمال أخرى التصوير قبل أن تحصل نصوصها على فرصة مماثلة من القراءة والمناقشة والتطوير.
ولعل هذا هو جوهر المشكلة التي حاولت تتبعها في هذه الحلقة؛ فنحن أمام صناعة تمتلك كتابًا موهوبين ومخرجين ومنتجين أصحاب خبرة، وتعرف تجارب جادة في تقييم النصوص وتطويرها، لكنها تفتقر إلى منظومة مهنية مستقرة تحكم هذه العملية، حتى أصبح لكل شركة تقريبًا طريقتها، ولكل مسؤول معاييره، ولكل مشروع ظروفه التي تحدد مقدار ما يحصل عليه السيناريو من اهتمام ووقت. وقد رأينا كيف تتفاوت التجارب بين لجان قراءة متخصصة، ومنتجين يشاركون بوعي في تطوير الأعمال، وكتاب يستعان بهم لمعالجة مشكلات النصوص، ومشروعات يبدأ تصويرها بينما ما زالت حلقاتها قيد الكتابة. وفي اعتقادي أن هذه الفوارق تكشف مشكلة تتجاوز تفاوت مستوى الكتاب أنفسهم، وتتعلق بغياب قواعد مهنية واضحة تحدد مراحل التقييم والتطوير، والخبرات المطلوبة لهما، وطريقة مناقشة الملاحظات، والوقت الذي ينبغي تخصيصه للمراجعة قبل اعتماد النص للتصوير. وهي قواعد تنظم العمل وتمنح الاجتهاد الإبداعي فرصته، وتحافظ في الوقت نفسه على خصوصية كل مشروع واختيارات أصحابه الفنية.
والحقيقة أن الاجتهاد يظل ضرورة في كل عمل إبداعي، وقد تكون الملاحظة التي يقدمها منتج أو مخرج أو قارئ موهوب سببًا في اكتشاف إمكانات جديدة داخل الحكاية، لكن تحويل الاجتهادات الفردية إلى الأساس الذي تقوم عليه عملية التقييم والتطوير يجعل جودة هذه المرحلة مرهونة بالأشخاص أكثر من ارتباطها بنظام مهني مستقر. وهنا أرى أحد الأسباب المهمة لاستمرار أزمة السيناريو في مصر. فبين كاتب يجد من يناقش نصه ويمنحه الوقت والخبرة اللازمين لتطويره، وآخر يلاحقه موعد التصوير بينما لا تزال حكايته تحتاج إلى مراجعة، تتحدد أحيانًا فرص أعمال كاملة في الوصول إلى المستوى الذي تستحقه. وربما تكون المشكلة الأكبر أننا نعرف كيف نكتشف عيوب السيناريو بعد عرضه، ونتجادل طويلًا حول مسؤولية الكاتب عنها، بينما تظل الفرصة الأهم لاكتشاف تلك العيوب ومعالجتها قبل التصوير خاضعة لاجتهادات تتغير من عمل إلى آخر، ومن منتج إلى آخر، وكأن صناعة بحجم الدراما والسينما المصرية ما زالت تترك إحدى أهم مراحلها لظروف كل تجربة وحظ أصحابها.


