في المشهد الثقافي والفكري المعاصر، يظل الاشتباك بين الفن والمقدس، أو بين الدراما والخطاب الديني والأسطوري، أحد أكثر الموضوعات إشكالية وجاذبية في آن واحد. ومن قلب هذا التابوه الفكري، يطل علينا الإصدار الجديد للباحثة الدكتورة ألفت شافع، الصادر من الهيئة العامة للكتاب بعنوان “الدراما المعاصرة: من الأسطورة إلى نهاية العالم”، ليحفر في منطقة عميقة وكرّاسة دقيقة تعيد رسم الحدود والتقاطعات بين الفن الدرامي، الميثولوجيا، والأديان.

عتبات النص ومفهوم “الدراما الدينية المعاصرة”

يفتتح الكتاب بجهد تعريفي وتأصيلي لمفهوم “دراما نهاية العالم” والمصطلحات المرتبطة بها؛ إذ لا تقف الكاتبة عند المعنى التداولي السطحي، بل تغوص في جذور النشأة والتطور التاريخي للدراما بدءًا من الطقوس البدائية والفرعونية واحتفالات إله الخصب أوزوريس، مرورًا بمسرح البحر الأبيض المتوسط والدراما اليونانية المرتبطة بإله الخصب ديونيسوس، وصولًا إلى دراما العصور الوسطى وحروبها.

ومن خلال هذا التطواف، تقدّم الدكتورة ألفت شافع تعريفًا إجرائيًا رصينًا لما تطلق عليه “الدراما الدينية المعاصرة”؛ وهي برأيها كل شكل درامي يقدم في عصرنا الراهن ويستمد أصوله من مصدر ديني، أسطوري، أو بدائ، أو كتاب سماوي، أو يناقش قضايا كونية كبرى تتعلق بالبدايات والنهايات، والأفكار الميتافيزيقية، وقصص الدعوات الدينية (اليهودية والمسيحية والإسلام)، وخوارق الطبيعة، وعوالم الجن والملائكة والشياطين، إضافة إلى تناول حياة الأنبياء والرجال الدينيين مهما اتخذت من أشكال حداثية في التناول.

هندسة الفصول: خريطة طريق نحو الوعي الكوني

جاءت بنية الكتاب (كما يوضح الفهرس) موزعة على ستة فصول محورية استطاعت أن تغطي الظاهرة الدرامية في أبعادها الشرقية والغربية وتجلياتها الفلسفية واللاهوتية:

الفصل الأول: تطور الدراما بين الشرق والغرب.

الفصل الثاني: الأسطورة كمصدر للدراما الدينية المعاصرة.

الفصل الثالث: الأديان السماوية كمصدر للدراما الدينية المعاصرة.

الفصل الرابع: الصفة الفاوستية.

الفصل الخامس: الدراما الدينية: بين الخرافة والعلم.

الفصل السادس: اللاهوت الديني وفكرة المخلص.

هذه الثيمات الأساسية التي تتحرك عبرها التطبيقات والمباحث —وهي: الأسطورة، الأديان السماوية، فاوست، فكرة المخلص، وأثر الفلسفات الدينية والنبوءات— تشكّل معًا “الأقانيم” التي يستند إليها الفهم التطبيقي للكاتبة، حيث يحمل كل مصدر بداخله خصائص ودرجات مختلفة من التفسير والتلقي لدى البشر.

إشكالية الإبهار البصري وتجلّيات العقلين الشرقي والغربي

تتوقف الكاتبة بذكاء نقدي عند تحولات الدراما في حقبة السينما والتلفزيون؛ حيث تلاحظ كيف اختلف مفهوم هذا النوع من الدراما وازداد ثراءً حتى غدا الإبهار البصري (من تصوير للأرض، البراكين، الزلازل، والتقنيات المعقدة) هو السمة الأساسية للإنتاجات الغربية المعاصرة. في المقابل، تشير الكاتبة إلى خصوصية الدراما الشرقية وفي الوطن العربي تحديدًا، حيث تعتمد الكلمة كمكون أساسي وسمة رئيسية، متأثرة بازدهار الدراما الدينية الإيرانية في مجال الإبهار البصري، ومؤكدة على ظاهرة التحرر النسبي والتخفف من التواريخ المثبتة لصالح المقاربات المتخيلة للحدث الديني والتراثي.

وفي الأخير نجد ان كتاب “الدراما المعاصرة.. من الأسطورة إلى نهاية العالم” للدكتورة ألفت شافع ليس مجرد رصد تاريخي أو توثيق عابر لمساحات التمايز والتشابه بين الأعمال الدرامية؛ بل هو عمل تحليلي عميق يطرح تساؤلات كبرى حول كيفية استيعابنا للتناول الدرامي لقضايا الوجود الكبرى. إنه دعوة لإعادة قراءة الخطاب الديني والأسطوري بعيون نقدية واعية، واسهام حقيقي في المكتبة النقدية العربية بمرجع أساسي يفكك عرى العلاقة الجدلية بين الإبداع الفني والمقدس الإنساني.

الأسئلة الشائعة

يتناول علاقة الفن الدرامي بالمقدس والأسطورة والأديان، ويبحث في مفهوم دراما نهاية العالم والموضوعات المرتبطة بالبدايات والنهايات والقضايا الميتافيزيقية

يتكون الكتاب من ستة فصول هي تطور الدراما بين الشرق والغرب، والأسطورة كمصدر للدراما الدينية المعاصرة، والأديان السماوية كمصدر لها، والصفة الفاوستية، والدراما الدينية بين الخرافة والعلم، واللاهوت الديني وفكرة المخلص

يشير إلى أن الإنتاجات الغربية تعتمد على الإبهار البصري بشكل أكبر عبر الصورة والمؤثرات، بينما تتميز الدراما الشرقية والعربية باعتماد الكلمة كمكون أساسي مع تأثرها ببعض تجارب الإبهار البصري الإيرانية