تواصل الدولة المصرية جهودها لتهيئة مناخ جاذب للاستثمار، عبر إصلاحات تشريعية وإجرائية، والاستراتيجية الوطنية للاستثمار الأجنبي المباشر، وأدوات مثل الرخصة الذهبية. وقد حافظت مصر على موقعها كأكبر متلقٍّ للاستثمار الأجنبي المباشر في أفريقيا عام 2025، وفق تقرير الأونكتاد. ومع الأهمية الكبيرة لاستقطاب مستثمرين جدد، يبرز مؤشر لا يقل دلالة: قرار المستثمر القائم بإعادة استثمار أرباحه وتوسيع نشاطه داخل السوق المصرية.
وتعكس بيانات البنك المركزي المصري عن السنة المالية 2025/2026 هذا الاتجاه بوضوح. فقد ارتفع صافي الاستثمار الأجنبي المباشر إلى نحو 18 مليار دولار، مقابل 12.2 مليار دولار في العام السابق. وكان من بين مكوناته الأرباح المعاد استثمارها، التي ارتفعت من نحو 4.2 مليار دولار إلى 6.2 مليار دولار، بزيادة تقارب 48%.
وتُحتسب هذه الأرباح ضمن الاستثمار الأجنبي المباشر وفق المعايير الدولية، رغم أنها لا تمثل تدفقات نقدية جديدة قادمة من الخارج، بل أرباحًا مستحقة للمستثمر الأجنبي جرى الاحتفاظ بها وإعادة استثمارها داخل النشاط القائم في مصر.
واللافت أن هذه الأرباح مثلت نحو ثلث صافي الاستثمار الأجنبي المباشر في كل من العامين؛ إذ بلغت نحو 34% من الإجمالي في 2025/2026، ونسبة مقاربة في العام السابق. وهو ما يشير إلى أنها ليست مكونًا هامشيًا، بل عنصر مهم ومتكرر في هيكل الاستثمار الأجنبي المباشر.
وتكتسب هذه الحقيقة أهمية خاصة إذا قارناها ببقية المكونات. فصافي الاستثمار المباشر يتأثر بالصفقات الكبرى، ومنها صفقة رأس الحكمة التي أسهمت بنحو 35 مليار دولار في العام المالي 2023/2024، وصفقة علم الروم التي أسهمت بنحو 3.5 مليار دولار في العام المالي الماضي. وهذه الصفقات ثمرة جهود مقدّرة وتعبّر عن ثقة المستثمرين الكبار، لكنها بطبيعتها لا تتكرر بانتظام. أما الأرباح المعاد استثمارها فتأتي من شركات تعمل بالفعل في السوق، وتتجدد كل عام ما دامت مشروعاتها تحقق عائدًا.
وتنبع القيمة الحقيقية لإعادة الاستثمار من أنها تعبّر عن ثقة قائمة على التجربة. فالمستثمر الجديد يقرر استنادًا إلى دراسات وتوقعات، أما المستثمر القائم فقد اختبر الإجراءات وبيئة التشغيل وتوافر العمالة وسلاسل الإمداد، وقراره بالبقاء والتوسع يعكس رضاه عمّا وجده. ومن الطبيعي أن تتأثر قرارات إعادة الاستثمار أيضًا بعوامل أخرى كالربحية والاعتبارات الضريبية، لكن النتيجة الاقتصادية واحدة: أرباح تتحول إلى مصانع وخطوط إنتاج وفرص عمل داخل الاقتصاد الوطني.
كما أن توسع الشركة القائمة أسرع وأقل تكلفة من تأسيس مشروع جديد، لأنها تجاوزت مراحل الدراسة والتأسيس والتعريف بالسوق. وهذه ميزة مهمة في ظل منافسة عالمية شديدة على رؤوس الأموال، إذ أظهر تقرير الأونكتاد للاستثمار العالمي 2026 أن 20 اقتصادًا فقط استحوذت على أكثر من 80% من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في العالم عام 2025، وأن نمو التدفقات إلى الاقتصادات النامية بلغ 2% فقط. وفي المقابل، تسهم إعادة الاستثمار في دعم موارد النقد الأجنبي، لأن الأرباح التي تبقى داخل البلاد لا يُطلب لها عملة صعبة للتحويل إلى الخارج.
ويمكن البناء على ما تحقق من خلال خطوات عملية. أولها إصدار مؤشر دوري معلن لإعادة الاستثمار وزيادات رأس المال والتوسعات، موزعًا على القطاعات والمحافظات، بما يتيح قياس الأداء وتوجيه السياسات. وثانيها تبسيط إجراءات التوسع للشركات القائمة، بمدد زمنية محددة لترخيص زيادة رأس المال وإضافة خطوط الإنتاج. وثالثها تعزيز آليات التواصل المباشر والمنتظم بين الجهات المعنية بالاستثمار وكبرى الشركات العاملة، لحصر خطط توسعها والتعرف إلى احتياجاتها قبل أن تتحول إلى عقبات. ورابعها مواصلة ترسيخ استقرار القواعد الضريبية وقواعد تحويل الأرباح ووضوحها، حتى يكون قرار إعادة الاستثمار خيارًا اقتصاديًا حرًا. وخامسها ربط الحوافز بالتوسعات التي تزيد الصادرات وتوطّن المكونات وتعمّق سلاسل التوريد.
إن جذب المستثمر الجديد والحفاظ على المستثمر القائم هدفان متكاملان، ومصر تحتاج إليهما معًا. غير أن المستثمر الذي يقرر البقاء والتوسع يقدّم أقوى شهادة على جودة المناخ الاستثماري، وهي شهادة تُقنع غيره بالقدوم أكثر من أي حملة ترويجية. ومن هنا فإن تشجيع إعادة الاستثمار يستحق أن يكون محورًا أساسيًا في السياسة الاستثمارية خلال المرحلة المقبلة.
بلغ نحو 18 مليار دولار وفق بيانات البنك المركزي المصري، مقابل 12.2 مليار دولار في العام السابق
ارتفعت الأرباح المعاد استثمارها من نحو 4.2 مليار دولار إلى 6.2 مليار دولار بزيادة تقارب 48%
لأنها تمثل جزءًا مهمًا ومتكررًا من الاستثمار الأجنبي المباشر، وتأتي من شركات تعمل بالفعل داخل السوق وتساعد على دعم موارد النقد الأجنبي


