عقد مجمع البحوث الإسلامية، اليوم الأربعاء، ندوةً في جامعة بني سويف بعنوان: (الإيمان وبناء الإنسان)، ضمن فعاليَّات الأسبوع الدعوي السادس والعشرين، الذي تنظِّمه اللجنة العليا لشئون الدعوة بالمجمع تحت عنوان: (كن مؤمنًا)، برعاية كريمة من فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وإشراف الشيخ أيمن عبد الغنيّ، وكيل الأزهر، والدكتور محمد الجندي، الأمين العام للمجمع، والدكتور طارق عليّ، رئيس الجامعة.
وشَهِدَتِ الندوة التي استضافتها كليَّة (التربية) حضور الدكتور طارق عليّ، رئيس جامعة بني سويف، والدكتور عبد الفتَّاح العواري، عضو مجمع البحوث الإسلاميَّة، والدكتور أسامة قرني، عميد الكليَّة، والشيخ رضا عبد الحليم، المدير العام لمنطقة وعظ بني سويف، والشيخ يوسف المنسي، عضو أمانة اللجنة العُليا لشئون الدعوة بالمجمع.
وفي بداية الندوة، أعرب الدكتور طارق عليّ عن تقديره لجهود الأزهر الشريف، وعلى رأسه فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب، شيخ الأزهر، في دعم الحوار المباشر مع الطلاب ومناقشتهم في مختلف القضايا؛ لأنَّ بناء الإنسان الواعي والمستنير يمثِّل أولوية وطنية ومحورًا أساسًا في بناء الجمهورية الجديدة.
وأشار إلى أنَّ هذه الندوات تسهم في تعزيز قيم المواطنة والانتماء الوطني، وترسيخ مبادئ التسامح والاعتدال والوعي الديني الصحيح، وتنمية إدراك الطلاب لدورهم في المجتمع، وتحصينهم من الأفكار المغلوطة والتصورات التي تستهدف تشويه الحقائق أو النيل من ثوابت الهُويَّة.
وأوضح الدكتور عليّ، أنَّ بناء العقول الواعية لا يقل أهمية عن حماية الحدود، وأنَّ امتلاك المعرفة الصحيحة والقدرة على التمييز بين الحقائق والشائعات من أهم الأدوات التي تعين الشباب على أداء دورهم في خدمة مجتمعهم، لافتًا إلى أنَّ الإيمان يمثِّل الركيزة الأساسية والبوصلة الموجهة للسلوك الإنساني القويم.
وشدَّد رئيس جامعة بني سويف على ضرورة حرص الطلاب على تحقيق أقصى استفادة ممَّا تطرحه الندوة من أفكار ورؤًى ومعارف؛ بما يعكس اهتمام الأزهر الشريف بالشباب، مشيدًا بالتعاون المثمر مع مجمع البحوث الإسلاميَّة في نشر الفكر المستنير وتعزيز الهُويَّة لدى الشباب، كما أشار إلى أنَّ هذا التعاون يأتي استكمالًا للدور المجتمعي الذي تضطلع به الجامعة مع المؤسسات الوطنية والدينية، وتجسيدًا لرؤية (مصر 2030) في بناء الجمهورية الجديدة، القائمة على الوعي والثقافة وترسيخ القيم الإنسانية.
من جانبه، قال الدكتور عبد الفتَّاح العواري: إنَّ الله -سبحانه وتعالى- وهب الإنسان العقل، ومنحه القدرة على الحركة والتعبير باللسان، وجعل القلب محل الفقه والتدبُّر والتفكير، وهي نِعم تضع على الإنسان مسئوليَّة استخدامها فيما ينفعه وينفع الآخرين.
وأضاف أنَّ الله -تعالى- أتاح للإنسان الاختيار بين الإيمان والكفر، ولم يمنع رزقه عمَّن عصاه أو جحد وجوده، بل امتد فضله إلى الجميع، وقد يبلغ بعض الناس أعلى درجات العلم والمعرفة رغم عدم إيمانهم؛ لما يقدمونه من منافع للآخرين، غير أنَّ ذلك لا يعفي أحدًا من الوقوف بين يدَي الله والحساب على ما قدمه من أعمال.
واستشهد العواري، في هذا المعنى بقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾، مبيِّنًا أنَّ هذه الآية تقرَّر مسئوليَّة الإنسان عن اختياره، وتتضمَّن وعيدًا لمن يحيد عن طريق الحق، وتؤكِّد أنَّ حُريَّة الاختيار لا تعني غياب الحساب أو سقوط المسئوليَّة.
وأشار عضو مجمع البحوث الإسلاميَّة إلى أنَّ الإنسان مخلوق يجمع بين الروح والجسد، ولكل منهما حاجاته التي لا تستقيم الحياة دون تلبيتها، وقد راعت الشريعة الإسلاميَّة هذه الطبيعة الإنسانيَّة المتكاملة، فلم تهمل احتياجات الجسد لحساب الروح، ولم تجعل الاهتمام بالماديات على حساب القيم والمعاني الإيمانية؛ بل أقامت التوازن بينهما، وفتحت أمام الإنسان أبواب الحلال والطيبات كلما حرمته من أمر محرم، فلم تتركه الشريعة دون بديل مشروع؛ فحين حَرَّمتِ السرقة فتحت أبواب العمل والكسب الحلال.
وحين نهت عن الاعتداء دعت إلى العدل، وحثَّت الإنسان على السعي والأخذ بالأسباب، مع التوكُّل على الله؛ بما يحقِّق له حياة متوازنة تجمع بين العبادة والعمل، وبين مطالب الدنيا والاستعداد للآخرة؛ لأنَّ الإيمان بمفهومه المتكامل يعصم الإنسان من الزلل والغرور، ويضبط رغباته وتصرُّفاته، ويحُول دون انحرافه وراء الشهوات أو الاغترار بما يمتلكه من علم أو مال أو قوة.
الإيمان الحقيقي لا ينفصل عن العمل
وبيَّن أنَّ الإيمان الحقيقي لا ينفصل عن العمل؛ بل إنَّ النصوص النبوية ربطت بينهما ربطًا وثيقًا، وجعلت من العمل الصالح مظهرًا من مظاهر صدق الإيمان، ومنطلقًا لمشاركة الإنسان في إصلاح مجتمعه ونفع الآخرين، فلم يكُن المؤمن في التصوُّر الإسلامي شخصًا منعزلًا عن قضايا مجتمعه؛ وإنما هو إنسان إيجابي يحمل هم الإصلاح، ويؤدِّي واجباته بإخلاص وإتقان، ويجعل من إيمانه دافعًا للعطاء والبناء.
وتابع: في هذا المعنى يقول النبي: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»، كما قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفْسه»، وهي معانٍ تؤكِّد أنَّ الإيمان يمتدُّ أثره إلى سلوك الإنسان وعَلاقته بالآخرين، ويجعله عنصرًا فاعلًا في تحقيق الخير والاستقرار والتماسك داخل المجتمع؛ وبذلك يصبح بناء الإنسان المؤمن أساسًا لبناء مجتمع قوي ومتماسك قادر على تحقيق العمران وصناعة نهضة مجتمعه وتقدُّمه.
في السياق نفسه، أشار الدكتور أسامة قرني، إلى أنَّ الإيمان الحقيقي ينعكس في سلوك الإنسان وأخلاقه وعطائه، وأنَّ بناء الشخصيَّة الإنسانيَّة المتكاملة يبدأ من تحقيق التكامل بين العلم والقيم والوعي؛ بما يؤهِّلها للتفكير الواعي وتحمُّل المسئوليَّة والمشاركة الإيجابيَّة في خدمة المجتمع.
وأوضح عميد كليَّة التربية، أنَّ نشر الوعي وترسيخ ثقافة الاعتدال والتسامح يمثِّلان جوهر المسئوليَّة المجتمعيَّة للكليَّة، ومنطلقًا أساسًا لإعداد أجيال تمتلك القدرة على التمييز بين الأفكار الصحيحة والمغلوطة؛ لذلك فإنَّ الكليَّة تحرص على تنظيم الفعاليَّات واللقاءات التي تسهم في تنمية وعي الطلاب، وتعزيز انتمائهم الوطني، وتحصين عقولهم بالفكر المستنير، وترسيخ القيم الإيجابيَّة لديهم، بما يتَّفق مع رسالتها التربويَّة والمجتمعيَّة.
في حين قال الشيخ يوسف المنسي: إنَّ بناء الإنسان بناءً متكاملًا يبدأ بترسيخ الإيمان في قلبه، بوصفه ركنًا ركينًا وأصلًا أصيلًا في تشكيل شخصيَّته وتوجيه سلوكه؛ لأنَّ الإيمان ليس مجرد اعتقاد نظري؛ وإنما منهج حياة ينعكس على تصرُّفات الإنسان وعَلاقاته بالآخرين، ويغرس فيه قيم المسئوليَّة والأمانة والإتقان، ويدفعه إلى العمل الإيجابي والمشاركة الفاعلة في خدمة مجتمعه.
وأضاف الشيخ المنسي أنَّ الإنسان كلما استقام إيمانه انعكس ذلك على سلوكه وأدائه لدوره في الحياة، وأصبح أكثر قدرة على الجمع بين صلاح النفْس والإسهام في بناء المجتمع؛ من خلال القيام بدوره في المجتمع على النحو الأمثل، لافتًا إلى أنَّ هذه هي الغاية من بناء الإنسان؛ لأنَّ بناء الأوطان لا يمكن أن يتم قبل بناء الإنسان الذي لديه وعي ومنظومة من القيم التي تحكم سلوكه.
وتتواصل فعاليَّات الأسبوع الدعوي في جامعة بني سويف حتى غدٍ الخميس، بمشاركة نخبة من علماء الأزهر الشريف، وتتناول الندوات والمحاضرات: مفهوم الإيمان وأركانه، ودوره في توجيه سلوك الإنسان، وأثره في تحقيق العمران وبناء الإنسان، إلى جانب عَلاقته بتعزيز الروابط المجتمعيَّة وترسيخ قِيَم التعاون والتكافل بين أفراد المجتمع


جاءت الندوة بعنوان الإيمان وبناء الإنسان ضمن فعاليات الأسبوع الدعوي السادس والعشرين تحت عنوان كن مؤمنًا.
ركزوا على ترسيخ الوعي والاعتدال والتسامح والوعي الديني الصحيح، وتحذير الشباب من الأفكار المغلوطة والشائعات.
تستمر الفعاليات حتى غدٍ الخميس بمشاركة نخبة من علماء الأزهر الشريف.


