في بلفاست، عاصمة أيرلندا الشمالية، اجتمع الممارسون وصناع السياسات والباحثون من أنحاء العالم في المؤتمر الدولي الثامن والعشرين للإصلاحيات والسجون. ولم تكن خلفية هذا اللقاء بعيدة عن أسئلته؛ فالمدينة ما زالت تحمل آثار نحو ثلاثين عامًا من العنف السياسي والطائفي، امتدت من أواخر الستينيات حتى اتفاق السلام المعروف باتفاق «الجمعة العظيمة» عام 1998. وقد ارتبطت تلك المرحلة، التي عُرفت باسم «الاضطرابات»، بالخلاف بين من أرادوا بقاء أيرلندا الشمالية ضمن المملكة المتحدة ومن سعوا إلى توحيدها مع جمهورية أيرلندا. وفي مدينة تحمل ذاكرة الصراع وتجربة التحول، وجدتني أتأمل ما طرحه المؤتمر من زاوية تتجاوز إدارة السجون إلى معنى الإصلاح نفسه. ومن هنا أبدأ هذه القراءة بسؤال قديم يتجدد مع كل محاولة للإصلاح: ماذا لو كان السجن بداية طريق لا نهايته؟

لقد انعقد المؤتمر السنوي الثامن والعشرون للجمعية الدولية للإصلاحيات والسجون (ICPA) في بلفاست، بين 25 و30 أكتوبر 2026، تحت شعار «الشراكات في مشهد إصلاحي حديث: الاستجابة للنمو والتعقيد المتزايدين». ولا أقرأ هذا الشعار بوصفه عبارة تنظيمية مألوفة فحسب، بل بوصفه دعوة إلى مراجعة ما ننتظره من السجن: فمع امتلاء السجون وتزايد تعقيد ملفات نزلائها، تبدو لي إدارة المخاطر وحدها غير كافية، ما لم تقترن بمسارات حقيقية للتأهيل والعودة إلى المجتمع.

وفي قراءتي لأعمال المؤتمر، لم تستوقفني عروض الذكاء الاصطناعي وحدها؛ بل وجدت في بعض التجارب الإصلاحية حكايات أقل صخبًا وأعمق دلالة، يجمعها الاهتمام بالإنسان من حيث تعليمه، واستمرار رعايته عبر الأنظمة الرقمية، ودعم من يعملون معه، وفهم احتياجاته الصحية. ومن هذه الحكايات آخذكم في مقال اليوم، لا لأقدّم وصفات جاهزة، بل لنتأمل معًا ما يمكن أن نتعلمه من أبواب فُتحت للإنسان، لا من أقفال أُحكمت عليه.

في ضواحي بلفاست تقف مؤسسة «هايدبانك وود» (Hydebank Wood)، وهي مكان كان اسمه قبل سنوات قليلة مرادفًا للإخفاق. وقد ذكّرت وزيرة العدل في أيرلندا الشمالية، نعومي لونغ، بأن المفتشين وصفوها قبل ما يزيد قليلًا على عقد بأنها «سجن فاشل».

ثم جاء تفتيش عام 2024 بمفاجأة. فقد نالت المؤسسة تقييم «جيد» في الاختبارات الأربعة لمعيار «السجن الصحي» من حيث الأمان، والاحترام، والنشاط الهادف، والاستعداد للإفراج. وكانت تلك أول مرة تبلغ فيها المؤسسة هذا المستوى، وعدّتها وزارة العدل سابقةً في سجون أيرلندا الشمالية.

والسؤال هنا، ما الذي تغيّر؟ لم يتغير الطوب ولا الأسلاك الشائكة، بل تغيرت الفكرة. فقد كان المكان «مركزًا للجانحين الشباب» يُحتجز فيه شباب بين الثامنة عشرة والحادية والعشرين، وقد يبقى بعضهم حتى الرابعة والعشرين. وفي أبريل 2015 تحوّل، بناءً على توصية مراجعة مستقلة لأوضاع السجون، إلى «كلية آمنة» (Secure College)، هي الأولى من نوعها في المملكة المتحدة. وصار التعليم والتدريب المهني قلب العقوبة لا هامشها.

وتتحدث الأرقام بلغة واضحة. فقد قال حاكم المؤسسة، ريتشارد تايلور، إن المفتشين أفادوا بأن أكثر من 90% من المحتجزين يشاركون في التعليم واكتساب المهارات والعمل. وأضاف أن المؤسسة منحت خلال عام واحد أكثر من 600 شهادة إنجاز. وتعلّم الشباب في هذه البرامج مهارات يطلبها سوق العمل، منها الطهي والضيافة، والحلاقة، والبستنة، وتربية الحيوانات.

لكن سر الحكاية ليس في الأرقام. فقد لاحظ المفتشون أن مفتاح النجاح هو العلاقة الإنسانية؛ فالضباط يعرفون من يرعونهم معرفة عميقة، والتعاون مع مقدمي الرعاية الصحية والتعليم يضمن لكل فرد دعمًا يناسبه. ولهذا لم يتردد الحاكم تايلور في وصف الشراكة مع كلية بلفاست الحضرية (Belfast Met) بأنها «تحويلية».

ولم يكن الطريق ممهدًا بالكامل. فقد رصدت دراسة ميدانية رافقت التحول في مراحله الأولى فجوة بين الخطاب والتطبيق، إذ لم يحصل المحتجزون المصنفون عالي الخطورة على جميع البرامج. وهذه التفاصيل تمنح القصة صدقها، لأن التحول الحقيقي لا يحدث دفعة واحدة.

و إذا كانت بلفاست قد علّمت السجن أن يكون مدرسة، فإن النرويج جاءت بسؤال آخر: كيف نتابع رحلة الإنسان عبر منظومة العدالة دون أن يضيع بين الملفات؟ ففي المؤتمر عرضت شركة «يونيلينك» (Unilink) شراكتها مع مصلحة الإصلاح النرويجية (Kriminalomsorgen) في نظام U-Case.AI لإدارة قضايا المحتجزين، ويُعرف في النرويج باسم KODA. وبدأت تجربته الحية الأولى في الأول من أكتوبر 2024 بوحدة لإدارة الأمانات في سجن «إلا» (Ila)، وشملت معه مكتب المراقبة في أوسلو. وكان مخططًا أن تمتد إلى سجن بيرغن وسجون أخرى مختارة.

والفكرة بسيطة في ظاهرها، وهي أن تبقى معلومات النزيل متصلة من التقييم والحكم، إلى الاحتجاز والمراقبة، وحتى العودة إلى المجتمع. وتكمن أهميتها المحتملة في الحد من خطر ضياع تفاصيل حياته بين الجهات التي تتعامل معه، كلما تعددت تلك الجهات.

أما الفصل الأكثر إنسانية في الحكاية النرويجية فهو منصةKOMPASS، التي طورتها مديرية الإصلاح النرويجية (KDI). فمن خلالها يصل السجين إلى خدمات رقمية معتمدة مسبقًا، عبر حل تقني آمن تصاحبه رقابة محلية، ويتفاوت نطاقه بحسب المستوى الأمني لكل سجن. وتسعى المنصة، كما يقرر تعميمها المنظم، إلى موازنة دقيقة بين حق النزيل في التأهيل والتواصل الرقمي مع المجتمع، ومتطلبات منع الجريمة وحفظ النظام والأمن.

قد يبدو ذلك ترفًا تقنيًا، لكنه ليس كذلك. فالسجين الذي يقضي سنوات خلف الأسوار يخرج إلى عالم تُنجز فيه أبسط المعاملات بنقرة. فإن لم يعرف كيف يتعامل مع هذا العالم، وجد نفسه غريبًا في وطنه. ويمكن النظر إلى هذا الاستبعاد الرقمي بوصفه صورة حديثة من «الموت المدني»، وإن كانت علاقته بالعودة إلى الجريمة ما زالت تحتاج إلى إثبات علمي.

ولفهم هذا البعد من الإصلاح، أعود إلى فكرة طُرحت في مؤتمر سابق للجمعية، لا في مؤتمر بلفاست: ففي إسطنبول، في أكتوبر 2025، طرحت الدكتورة سارة لويس، من مؤسسة «حلول الإصلاح الجنائي» (Penal Reform Solutions) البريطانية، فكرة «عيش الحلم»، وهي خلق ثقافة نمو ورفاهية للممارسين الجنائيين. والمقصود هنا هو مساعدة العاملين في العدالة الجنائية، ومنهم موظفو السجون، على تطوير قدراتهم وتحسين صحتهم النفسية وحياتهم في العمل. ولا تقتصر فكرة النمو (Growth) على السجين، بل تشمل المؤسسة كلها. وتستند إلى أبحاث في السجون النرويجية، وتقوم على ثلاث ركائز وهي: أولا، الإنتاج المشترك، أي مشاركة الموظفين والسجناء في وضع طرق التحسين. وثانيًا، بيئات تدعم الانقطاع عن الجريمة، أي تساعد النزيل على الابتعاد عنها. ثالثًا، تمكين الموظفين، أي دعمهم وإتاحة مشاركتهم في القرارات وتطوير العمل.

وترى لويس أن ذلك يعزز لدى الموظفين والسجناء المرونة، أي تجاوز الضغوط والصعوبات؛ والهوية، أي نظرتهم إلى أنفسهم وما يمكن أن يصبحوا عليه؛ والإحساس بالمعنى، أي الشعور بهدف لحياتهم وعملهم، بما يدعم تغييرًا يدوم. ويتصل هذا بعملها عن العلاقات الإصلاحية العلاجية، أي بناء علاقات تساعد النزيل على التغيير، ولا تكتفي بمراقبته.

وهنا يمكننا القول أنه من يحرس الباب يحتاج هو الآخر إلى من يؤمن بقدرته على التغيير. والسؤال هنا، كيف نعرف ما يحتاجه من يعيش خلف الباب من رعاية صحية؟

قاد البروفيسور ستيوارت كينر من جامعة كيرتن الأسترالية عملًا لإعداد بيان توافقي دولي، أي بيان يتفق المشاركون على مضمونه، بشأن المعلومات المتعلقة بصحة السجناء. بدأ هذا العمل بورشة تمهيدية يوم 25 أكتوبر، وتواصل في جلسة يوم 26 أكتوبر. تبدأ المبادرة من مشكلة مؤلمة تتمثل في أن المعلومات اللازمة لتحديد احتياجات الرعاية الصحية في السجون، وتنظيم إدارتها والرقابة عليها، وتوفير المال لها، ناقصة أو متفاوتة الاكتمال أو غير متاحة في كثير من الدول. ولهذا يصبح القياس خطوة لازمة لفهم الاحتياجات ومتابعة الاستجابة لها، لا ضمانًا لإنجازها بمفرده. وتُنفَّذ المبادرة بالتعاون مع شبكة الرعاية الصحية في الجمعية، وتسعى إلى جعل الاهتمام بصحة السجناء جزءًا من أهداف التنمية المستدامة، بما يخدم تحسين حياة الناس على المدى الطويل، وبما يتفق مع المعايير الدولية لمعاملة السجناء، وفي مقدمتها قواعد نيلسون مانديلا.

والرسالة واضحة: لا إصلاح بلا معلومات موثوقة، ولا تخطيط للرعاية الصحية على أساس التخمين. ومع ذلك، تبقى الحكايات الأربع مختلفة في طبيعتها وفي ما تقيسه من نتائج. فتحسن نتائج التفتيش، والمشاركة في التعليم، وإتاحة الخدمات الرقمية، وتحسين المعلومات الصحية، لا يثبت أيٌّ منها وحده انخفاض العودة إلى الجريمة. وتطبيق أي تجربة في بلد آخر يتطلب تعديلها بما يناسب قوانينه وإمكاناته وأوضاع المحتجزين فيه.

في اليوم المخصص للدولة المضيفة للمؤتمر، صعد ديفيد كينيدي، مدير السجون في أيرلندا الشمالية، ليروي حكاية مؤسسته تحت عنوان «من الصراع إلى المؤتمر». روى كيف كانت مصلحة السجون في زمن «الاضطرابات» (The Troubles) تركز على إبقاء المحتجزين تحت السيطرة والتعامل مع الصراع، ثم كيف تحولت إلى نظام يجعل مساعدة النزلاء على تغيير سلوكهم، والابتعاد عن الجريمة، والعودة إلى الحياة في المجتمع أساسًا لعمله. وجاء ذلك التحول بعد اتفاق بلفاست/الجمعة العظيمة عام 1998، وبعد مراجعة آن أورز عام 2011.

وهنا تكتمل الحكاية. فالدرس ليس في تقنية بعينها ولا في مبنى جديد، بل في تعاون الجهات المختلفة والتي تتمثل في إقامة شراكة بين السجن والكلية تربط ما يتعلمه النزيل بفرصه بعد الإفراج، وربط بين الأنظمة الرقمية والخدمات الاجتماعية يضمن استمرار الرعاية دون انقطاع، وتعاون بين الباحث وصانع القرار يساعد على الاستفادة من نتائج البحث في العمل.

وأخيرًا، يبقى أمامنا جميعًا سؤال لا ينبغي تأجيله وهو: هل نحن مستعدون لأن نقيس نجاح السجون، لا بعدد الأقفال التي تغلقها، بل بما تفتحه من أبواب للتعليم والرعاية والعودة إلى المجتمع؟ ففتح هذه الأبواب لا يتحقق بمجرد الإعلان عنها، بل ببناء مسارات نتابع أثرها الحقيقي في حياة الإنسان بعد الإفراج.

الأسئلة الشائعة

تحولت من مركز للجانحين الشباب يوصف سابقًا بأنه فاشل إلى كلية آمنة هي الأولى من نوعها في المملكة المتحدة، وحققت تقييم جيد لأول مرة عام 2024

هدفه إبقاء معلومات النزيل متصلة عبر مراحل التقييم والحكم والاحتجاز والمراقبة وحتى العودة إلى المجتمع حتى لا تضيع تفاصيله بين الجهات المختلفة

تسعى إلى إتاحة خدمات رقمية معتمدة مسبقًا للسجين عبر حل تقني آمن مع رقابة محلية بما يوازن بين التأهيل والتواصل الرقمي ومتطلبات الأمن ومنع الجريمة