عقد قسم الآثار المصرية بكلية الآدابجامعة المنصورة ندوة علمية متميزة بعنوان «كوم الخلجان في ضوء الاكتشافات الحديثة»، وذلك انطلاقًا من حرص القسم على ترسيخ الهوية الحضارية لدى طلابه، وتعزيز روح الانتماء والوعي بأهمية التراث الأثري والحضاري، ونشر ثقافة الحفاظ على المواقع الأثرية والتراثية بجمهورية مصر العربية عامة، ومنطقة الدلتا بصفة خاصة.

جاء ذلك تحت رعاية الدكتور شريف خاطر، رئيس الجامعة والدكتور طارق غلوش، نائب رئيس الجامعة وريادة الدكتور مسعد سلامة، القائم بعمل عميد الكلية وإشراف الدكتور أيمن وهبي طاهر، وكيل الكلية لشئون التعليم والطلاب وتنسيق الدكتورة نهاد كمال الدين، رئيس قسم الآثار المصرية.

وفي هذا الإطار، استضاف القسم أحد خريجيه المتميزين في مجال العمل الأثري والتنقيب عن الآثار، محمد توفيق حشيش، رئيس بعثة الحفائر المصرية بموقع كوم الخلجان الأثري، يرافقه أعضاء البعثة، وذلك لإلقاء الضوء على أحدث نتائج أعمال الحفائر والاكتشافات الأثرية التي شهدها الموقع خلال المواسم الأخيرة، وما تمثله من إضافة علمية مهمة لفهم تاريخ وحضارة منطقة شرق الدلتا.

وخلال فعاليات الندوة، استعرض المحاضر الأهمية الأثرية والتاريخية لموقع كوم الخلجان، الذي يقع عند الحدود الجنوبية الشرقية لقرية السمارة، التابعة لمركز تمي الأمديد بمحافظة الدقهلية، على بُعد نحو 40 كم من مدينة المنصورة، ونحو 20 كم جنوب موقع منديس (تل الربع حاليًا)، عاصمة الإقليم السادس عشر من أقاليم مصر السفلى.

كما تناول تاريخ التعرف على الموقع، الذي ورد ذكره في أعمال المسح الأثري التي أجراها عالم الآثار (Van den Brink) خلال ستينيات القرن العشرين، قبل أن يقوم المجلس الأعلى للآثار بتسجيله عام 2001، وتبدأ أعمال الحفائر به من خلال البعثة الفرنسية التابعة للمعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة (IFAO) خلال الفترة من 2002 إلى 2004، برئاسة كل من (Béatrix Midant-Reynes) و(Nathalie Buchez)، ثم استكمال أعمال التنقيب من خلال البعثة المصرية التابعة لمنطقة آثار الدقهلية خلال المواسم الأثرية اللاحقة، وصولًا إلى استئناف أعمالها خلال موسمي 2024/2025 و2025/2026.

كما تناولت الندوة أبرز الاكتشافات الأثرية التي أسفرت عنها أعمال الحفائر، والتي كشفت عن سجل حضاري متنوع يعكس استمرارية الاستيطان البشري بالموقع منذ عصور ما قبل الأسرات وحتى العصر الروماني، حيث تم الكشف عن عدة مراحل حضارية متعاقبة، تمثلت في حضارة مصر السفلى بوتو الأولى والثانية كشفت أعمال الحفائر عن أقدم الشواهد الحضارية بالموقع، والتي ترجع إلى الثلثين الأول والثاني من الألف الرابع قبل الميلاد؛ حيث تم العثور على ثلاث حفر دفن تنتمي إلى مرحلة بوتو الأولى، ونحو 31 حفرة دفن بيضاوية الشكل ترجع إلى مرحلة بوتو الثانية، تميزت بتنوع أوضاع الدفن بين وضع القرفصاء والوضع المثني، مع محدودية الأثاث الجنائزي المصاحب لها.

وكذا حضارة نقادة الثالثة (Naqada III): تم الكشف عن 15 دفنة ترجع إلى هذه المرحلة المهمة من عصور ما قبل الأسرات وبدايات العصر العتيق، من بينها دفنتان احتوت كل منهما على تابوت من الفخار، بالإضافة إلى مجموعة متميزة من الأواني الفخارية الأسطوانية والكمثرية الشكل، وصلايات الكحل المزخرفة برسوم وأشكال هندسية، بما يعكس تطور الفنون والتقاليد الجنائزية خلال تلك الفترة، ويفتح آفاقًا مهمة لدراسة العلاقات الحضارية بين مجتمعات مصر العليا ومصر السفلى.

وكذا عصر الانتقال الثاني وفترة حكم الهكسوس: شهد الموقع الكشف عن حاضرة سكنية ارتبطت بها جبانة، بما يعكس طبيعة المجتمع الذي استقر بالموقع خلال هذه الفترة واستمرار نشاطه حتى بدايات الدولة الحديثة وقد تضمنت المكتشفات بقايا وحدات سكنية مشيدة بالطوب اللبن، وصوامع لتخزين الحبوب والغلال، وأفرانًا متنوعة داخل الوحدات السكنية وأفنيتها، فضلًا عن الكشف عن جدران متعرجة (Sinusoidal Walls) أحاطت بالمباني السكنية والمقابر.

كما تنوعت أنماط المقابر بين منشآت ذات بناء علوي وأخرى ذات بناء سفلي، ومن بينها مقابر ذات طراز الكورنيش، عُثر بداخلها على مجموعة من اللقى الأثرية المتميزة، شملت الحلي والتمائم والجعارين المصنوعة من الأحجار شبه الكريمة، والأدوات البرونزية، والأواني الفخارية، والقنينات التي تحمل طراز تل اليهودية.

وكذا عصر الدولة الحديثة الأسرة الثامنة عشرة: أسفرت أعمال الحفائر عن الكشف عن أساسات مبنى مشيد من الطوب اللبن، عُثر بأرضيته على كسرات فخارية وأدوات حجرية متعددة الاستخدامات، بالإضافة إلى الكشف عن مقبرة مبنية بالطوب اللبن، ضمت مجموعة متنوعة من الأواني الفخارية التي تمثل جانبًا من الأثاث الجنائزي المرتبط بممارسات الدفن خلال هذه الفترة.

وكذا العصر البطلمي: تم الكشف عن مجموعة من الدفنات التي تشابهت في أنماطها واتجاهاتها مع دفنات العصر الروماني، وقد أمكن تأريخها من خلال الأمفورات الفخارية من طراز (AE1)، التي تمثل أحد الشواهد الأثرية المهمة على تحديد الإطار الزمني لهذه الدفنات.

وكذا العصر الروماني: كشفت أعمال التنقيب عن جبانة ضمت نحو 50 حفرة دفن مستطيلة الشكل، وُضع المتوفون فيها في وضع الامتداد على الظهر، وقد عُثر ضمن المكتشفات المرتبطة بهذه المرحلة على عملة برونزية، وكسرات من أمفورات فخارية، بالإضافة إلى قرط من الذهب، بما أسهم في تأكيد التأريخ الأثري لهذه المجموعة من الدفنات.

وفي سياق التعريف بالجهود الميدانية القائمة على هذه الاكتشافات، تم استعراض فريق عمل بعثة حفائر كوم الخلجان لموسم 2025/2026، والذي يضم نخبة من القيادات والمفتشين الأثريين بمنطقة آثار الدقهلية والمخزن المتحفي بالربع، وهم السيد فتحي الطلحاوي المشرف على منطقة آثار الدقهلية ودمياط، والمشرف على موقع حفائر كوم الخلجان و محمد توفيق حشيش مفتش آثار المخزن المتحفي بالربع، ورئيس بعثة حفائر كوم الخلجان و محمد أحمد عبد العظيم مفتش آثار الدقهلية وأسماء مصطفى حسن مفتش آثار المخزن المتحفي بالربع وإيمان السيد يوسف مفتش آثار الدقهلية ورشا السيد محمد مفتش آثار المخزن المتحفي بالربع.

وتعكس جهود فريق البعثة أهمية العمل الأثري الجماعي والتكامل بين الخبرات المتخصصة في تنفيذ أعمال الحفائر والكشف والتسجيل والتوثيق العلمي، بما يسهم في الحفاظ على المكتشفات الأثرية وإبراز القيمة التاريخية والحضارية للموقع.

وأكدت الندوة أن أهمية موقع كوم الخلجان لا تقتصر على تعدد مراحله الحضارية، بل تمتد إلى ما يقدمه من أدلة أثرية مهمة حول تطور أنماط الاستيطان البشري والعمارة السكنية والجنائزية، والممارسات الاجتماعية والاقتصادية والدينية لسكان شرق الدلتا عبر آلاف السنين، كما تبرز مكتشفاته أهمية الموقع في دراسة التفاعل الحضاري بين ثقافات مصر العليا ومصر السفلى، وإعادة قراءة جانب مهم من تاريخ المنطقة ودورها في الحضارة المصرية القديمة.

وقد أتاحت الندوة للطلاب فرصة علمية وتطبيقية متميزة للتعرف عن قرب على طبيعة العمل الميداني في مجال الحفائر الأثرية، ومراحل الكشف والتوثيق والتسجيل الأثري، والتحديات التي تواجه البعثات الأثرية، فضلًا عن الربط بين الدراسة الأكاديمية والتطبيق العملي، والاستفادة من الخبرات الميدانية المتخصصة في مجال التنقيب عن الآثار.

وتأتي هذه الندوة في إطار حرص قسم الآثار المصرية على تعزيز التواصل مع خريجيه المتميزين، وإبراز النماذج المهنية الناجحة التي تمثل امتدادًا لرسالته العلمية، وإتاحة الفرصة أمام الطلاب للاطلاع على أحدث المستجدات في مجال العمل الأثري، بما يسهم في إعداد كوادر متخصصة قادرة على خدمة التراث الحضاري المصري وصونه والحفاظ عليه فتراثنا ليس مجرد شواهد من الماضي، بل هو هويتنا التي نعتز بها، ومسؤوليتنا التي نحملها للأجيال القادمة.


