كنت في اجتماع سياسي نناقش فيه التحديات أمام مصر، في ظل الخلاف المستمر مع إثيوبيا حول سد النهضة، وحقوق مصر المائية، وما يثيره ذلك من قلق مشروع بشأن مستقبل المياه والغذاء في بلادنا.
وكان الحديث يدور حول محدودية الموارد المائية، وزيادة السكان، والتوسع الزراعي، وضرورة توفير الغذاء لأكثر من مائة مليون مواطن.
وفي أثناء النقاش طُرحت حقيقة تستحق التأمل: مصر من أكبر مستوردي القمح في العالم، وتصل احتياجاتها السنوية من الواردات إلى نحو ثلاثة عشر مليون طن، مع اختلاف التقديرات من موسم إلى آخر.
وكان التساؤل المطروح: كيف نزيد إنتاج القمح محليًا، بينما لا تكمن المشكلة في توفير الأراضي الصالحة للزراعة وحدها، بل في توفير مياه الري اللازمة أيضًا؟
وهنا وجدت نفسي أطرح سؤالًا مختلفًا: لماذا نستهلك كل هذا القمح أصلًا؟ ولماذا نفترض أن رغيف الخبز المصري يجب أن يُصنع أساسًا من القمح، وكأن الطبيعة لم تخلق غيره، والعلم لم يتقدم منذ عرف الإنسان صناعة الخبز؟
هل يمكن أن يكون أحد حلول أزمة المياه في مصر مختبئًا داخل رغيف الخبز نفسه؟
الخبز ليس مجرد غذاء.
نحن المصريين لا نسمي الخبز خبزًا فقط، بل نسميه «العيش»، وهي كلمة تعني الحياة ذاتها.
فالخبز جزء من ثقافتنا، وذاكرتنا الاجتماعية، وتاريخنا الاقتصادي. وهو الغذاء الأكثر حضورًا على موائد المصريين، ومصدر رئيسي للسعرات الحرارية، خصوصًا لدى الأسر محدودة الدخل.
وقد أسهمت سياسات دعم الخبز عبر عقود طويلة في ترسيخ الاعتماد عليه، حتى أصبح عنصرًا أساسيًا في النمط الغذائي المصري.
لكنني أتساءل: هل كل ما اعتدناه يجب أن يستمر كما هو؟
إن ارتفاع استهلاك القمح ليس مجرد حقيقة زراعية أو اقتصادية، بل هو أيضًا نتيجة لاختيارات غذائية واجتماعية وسياسات عامة تراكمت عبر أجيال.
ولذلك فإن التفكير في تقليل الاعتماد على القمح لا ينبغي أن يقتصر على زيادة إنتاجيته، أو توسيع مساحاته الزراعية، أو البحث عن أسواق جديدة لاستيراده، بل يجب أن يمتد إلى إعادة النظر في تركيب الغذاء نفسه.
ولا أقصد هنا أن نستغني عن الخبز، بل أن نعيد التفكير في مكوناته.
بفضولي العلمي بحثت : هل القمح هو النبات الوحيد القادر على صناعة الخبز؟
الإجابة العلمية هي: لا.
علوم الغذاء الحديثة أثبتت إمكانية إنتاج الخبز باستخدام أنواع أخرى من الحبوب والمحاصيل، سواء منفردة أو ممزوجة بدقيق القمح.
فهناك الذرة الرفيعة، والدخن، والذرة الشامية، والحمص، والفول، والعدس، والبطاطا، وغيرها من المحاصيل التي يمكن أن تدخل، بنسب مدروسة، في صناعة الخبز.
وبعض هذه المحاصيل أكثر تحملًا للجفاف أو الملوحة في ظروف زراعية معينة، وبعضها يتميز بقيمة غذائية مرتفعة، خصوصًا من حيث البروتين أو الألياف أو بعض المعادن.
وقد طورت علوم الأغذية وسائل لتحسين قوام العجين باستخدام الإنزيمات والتخمير وتقنيات الطحن والمكونات الطبيعية المساعدة على التماسك.
وهناك دراسات مصرية بالفعل حول إنتاج الخبز البلدي باستخدام خلطات من دقيق القمح والدخن، أظهرت نتائج مشجعة في تقبل بعض التركيبات.
إذن نحن لا نتحدث عن خيال علمي، وإنما عن إمكانيات علمية موجودة تحتاج إلى الانتقال من المعامل ومراكز البحوث إلى المصانع والمخابز والأسواق.
لماذا لا نجعل من ابتكار رغيف مصري جديد مشروعًا قوميًا للبحث العلمي والصناعة والأمن الغذائي؟
وهنا يجب أن نتعامل مع الأمر بدقة علمية فليس كل بديل للقمح يوفر المياه.
لذلك فإن القضية ليست مجرد استبدال محصول بمحصول، وإنما البحث عن التركيبة الغذائية والزراعية والصناعية التي تحقق أكبر قيمة غذائية واقتصادية بأقل استهلاك ممكن من مواردنا المائية.
وأقترح أن يكون لدينا معيار علمي جديد: كم مترًا مكعبًا من المياه المصرية نحتاج لإنتاج ألف رغيف خبز، بقيمة غذائية مناسبة وجودة يقبلها المواطن؟
ثم نضيف إلى هذا المعيار تكلفة الإنتاج، والطاقة، ونسبة الاعتماد على الاستيراد، والقيمة الغذائية، وقدرة الصناعة على التوسع، وهكذا ننتقل من التفكير في محصول منفرد إلى التفكير في منظومة غذائية متكاملة.
هل يمكن تغيير ذائقة الإنسان؟
قد يقول قائل إن المصري اعتاد طعم الخبز البلدي، وإن تغيير مكوناته قد يواجه رفضًا اجتماعيًا.
لكن هل الذوق الإنساني ثابت لا يتغير؟
تشير دراسات علوم التغذية والسلوك الإنساني إلى أن التفضيلات الغذائية قابلة للتغيير، وأن التعرض المتكرر لمذاق جديد قد يزيد تقبله تدريجيًا.
وقد يبدأ الإنسان في التعود على مذاق جديد خلال نحو ثلاثة أسابيع من التجربة المتكررة، وإن كانت هذه الفترة ليست قانونًا علميًا ثابتًا؛ فبعض الناس يحتاجون إلى وقت أطول، وتختلف الاستجابة بحسب العمر والخبرة الغذائية وطبيعة الطعام.
ونحن نعرف من تجارب الحياة أن أطعمة كثيرة لم نكن نحبها في طفولتنا أصبحت محببة إلينا مع الزمن، وأن شعوبًا كاملة غيّرت أنماطها الغذائية عبر الأجيال.
وإذا كان الإنسان يستطيع تغيير عاداته في الملبس والعمل والتواصل والتكنولوجيا، فلماذا نفترض أن عاداته الغذائية لا يمكن أن تتطور؟
إن تغيير نمط الغذاء ممكن، لكنه يحتاج إلى علم وسياسة.
علم يفهم طبيعة المذاق والتغذية والتعود والسلوك الإنساني، وسياسة عامة تحسن إدارة التغيير، وتستخدم الحوافز بدلًا من الإكراه، والاقتناع بدلًا من الفرض.
وهذا في رأيي هو جوهر القضية.
محافظة مصرية واحدة قد تكون بداية الحل.
لماذا لا نختار محافظة مصرية واحدة، أو مجموعة من مراكزها ومدنها، لتكون نموذجًا تجريبيًا لمشروع «رغيف المستقبل المصري»؟
تبدأ التجربة بتعاون بين الجامعات ومراكز البحوث الزراعية ومعاهد تكنولوجيا الأغذية والمخابز والصناعات الغذائية، مع مشاركة خبراء التغذية والاقتصاد وعلم النفس السلوكي.
ننتج عدة أنواع من الخبز المركب، باستخدام نسب مختلفة من دقيق القمح والذرة الرفيعة والدخن والذرة الغذائية والبقوليات.
وتقدم الدولة حوافز محددة المدة للمخابز المشاركة، تشمل المساعدة في تطوير المعدات والتدريب وضمان الجودة، كما تقدم حوافز للمستهلكين لتجربة المنتجات الجديدة، مثل تخفيض أسعارها في البداية.
ونستخدم الأساليب العلمية في قياس تقبل المواطنين للمذاق، وتأثير التكرار في تغيير تفضيلاتهم.
ويمكن أن تبدأ التجربة بثلاثة أسابيع من التعرض المتكرر والتذوق، ثم تمتد المتابعة إلى ثلاثة أو ستة أشهر، لمعرفة ما إذا كان المواطن سيستمر في اختيار الرغيف الجديد بعد انتهاء الحوافز.
ويجب أن تتضمن التجربة مناطق مقارنة مماثلة، وأن تتولى مؤسسة بحثية مستقلة تقييم نتائجها.
فليس النجاح أن نجعل الناس يجربون رغيفًا جديدًا مرة واحدة، وإنما أن يختاروه بإرادتهم ويستمروا في شرائه لأنهم وجدوه جيدًا ومناسبًا.
السياسة الناجحة لا تفرض تغيير العادات، بل تخلق الظروف التي تجعل التغيير ممكنًا ومقبولًا ومستدامًا.
وإذا نجحت التجربة، يمكن توسيعها تدريجيًا إلى محافظات أخرى، مع مراعاة الاختلافات في العادات الغذائية والقدرة الشرائية وتوافر المحاصيل.
من يكون المسؤول عن هذا الابتكار؟
أتصور برنامجًا وطنيًا تتكامل فيه أدوار وزارات الزراعة والتموين والتعليم العالي والبحث العلمي والصناعة والموارد المائية، مع الجامعات ومراكز البحوث والقطاع الخاص.
لكنني لا أدعو إلى إنشاء جهاز بيروقراطي جديد، بل إلى تكليف تحالف علمي وصناعي واضح المسؤولية، بأهداف محددة، وجدول زمني، ومؤشرات قابلة للقياس.
تُطرح أمام الباحثين والصناعة أسئلة عملية: هل يمكن خفض نسبة القمح في الرغيف دون التأثير في جودته؟ وهل يمكن تحسين قيمته الغذائية باستخدام البقوليات؟ وما المحاصيل التي تحقق أعلى إنتاجية غذائية لكل متر مكعب من مياه الري المصرية؟ وما تكلفة الرغيف الجديد مقارنة بالتقليدي؟ وهل يمكن للمخابز القائمة إنتاجه دون استثمارات ضخمة؟ وهل يقبله المواطن بعد فترة من التجربة؟
إن هذه الأسئلة تصلح لأن تكون موضوعات لأبحاث جامعية ورسائل ماجستير ودكتوراه ومشروعات تخرج، كما تصلح لبناء صناعة غذائية جديدة.
وأرى أن دور الدولة هنا هو تمويل البحث الأساسي، ووضع المعايير، وتقديم الحوافز، وفتح المجال للمنافسة والابتكار، لا أن تحتكر إنتاج الرغيف الجديد أو تفرض تركيبة واحدة على الجميع.
ماذا لو وفرنا جزءًا من استهلاك القمح؟
لنفترض أننا استطعنا، بعد التجارب العلمية والصناعية، أن نستبدل 10% أو 15% من دقيق القمح المستخدم في صناعة الخبز بمكونات أخرى مناسبة.
قد يبدو الرقم صغيرًا، لكنه على مستوى استهلاك مجتمع بحجم مصر يمكن أن يمثل كميات كبيرة من القمح.
ولا يعني ذلك بالضرورة انخفاض واردات القمح بالنسبة نفسها، لأن القمح يدخل في صناعات غذائية أخرى، ولأن بعض البدائل قد تكون مستوردة أيضًا.
لكننا سنكون قد بدأنا في تنويع مصادر غذائنا، وتقليل اعتمادنا على محصول واحد، وفتح مجالات جديدة للزراعة والصناعة والبحث العلمي.
وإذا ثبت أن بعض التركيبات تحقق بالفعل وفرًا في المياه المصرية، فسنكون قد أضفنا بعدًا جديدًا للأمن المائي.
أما إذا لم تحقق هذا الوفر، فإن المعرفة التي سنكتسبها ستمنعنا من اتخاذ قرارات مكلفة تقوم على افتراضات غير صحيحة.
فالعلم لا يعني أن نثبت صحة فكرتنا، بل أن نختبرها ونقبل نتائج الاختبار.
الأمن المائي ليس قضية سدود فقط.
لا شك أن الدفاع عن حقوق مصر المائية، والوصول إلى قواعد عادلة وملزمة لإدارة السدود العابرة للحدود، يمثل قضية أساسية للأمن القومي المصري.
لكنني أرى أن الأمن القومي لا يتحقق بالدبلوماسية والاتفاقيات وحدها، ولا بالقوة العسكرية وحدها، بل أيضًا بقدرة المجتمع على استخدام العلم والتكنولوجيا لتوسيع خياراته.
وكلما ازدادت كفاءة استخدام مواردنا، وتنوعت مصادر غذائنا، وتقدمت صناعاتنا، ازدادت قدرتنا على مواجهة الضغوط الخارجية والتقلبات الاقتصادية والمناخية.
ولا يجوز أن يصبح الدفاع عن حقوقنا المائية بديلًا عن إصلاح سياساتنا الداخلية في إدارة المياه والغذاء، كما لا يجوز أن يصبح تحسين كفاءة استخدام المياه ذريعة للتنازل عن تلك الحقوق.
إنهما مساران متكاملان.
ومن هنا فإن الأمن الغذائي ليس مسؤولية وزارة الزراعة وحدها، والأمن المائي ليس مسؤولية وزارة الري وحدها.
إنهما مسؤولية دولة ومجتمع، تتكامل فيها المعرفة العلمية مع الإدارة الاقتصادية والسياسة العامة.
وأخيرًا… هل نستطيع تغيير السؤال؟
خرجت من الاجتماع وأنا أفكر في أن كثيرًا من مشكلاتنا لا تكمن فقط في محدودية الموارد، بل أحيانًا في محدودية الأسئلة التي نطرحها.
حين تنقص المياه، نسأل كيف نوفر المزيد منها. وحين يرتفع سعر القمح، نسأل من أين نستورده. وحين يزيد السكان، نسأل كيف ننتج أرغفة أكثر.
لكن ماذا لو سألنا: هل يمكن أن نعيد اختراع الرغيف نفسه؟
لا أدعو إلى إلغاء الخبز البلدي، ولا إلى تغيير غذاء المصريين بقرار حكومي، ولا إلى تحميل المواطن عبء أزمة لم يصنعها.
إنني أدعو إلى استخدام العلم والابتكار، وإلى تجارب مجتمعية مدروسة تحترم حرية الاختيار، وتستخدم الحوافز، وتقيس النتائج بشفافية.
وأدعو إلى أن ننظر إلى العادات الغذائية بوصفها اختيارات بشرية قابلة للتطور، لا حقائق طبيعية أبدية.
إن تغيير الرغيف ليس مجرد تغيير في الدقيق، بل تغيير في طريقة تفكيرنا في إدارة الموارد، وفي علاقتنا بالعلم، وفي قدرة السياسة على تحويل الابتكار إلى عادة اجتماعية.
وقد يبدأ مستقبل الأمن الغذائي المصري بتجربة علمية في محافظة واحدة، لا بقرار يُفرض على الجمهورية كلها.
فالأمم لا تواجه أزماتها فقط بما تملك من مياه وأراضٍ وأموال، بل أيضًا بما تملك من خيال علمي، وشجاعة في طرح الأسئلة، وقدرة على تحويل المعرفة إلى سياسات.
ولعل رغيف الخبز الذي نحمله كل يوم بين أيدينا يحمل في داخله فكرة لمستقبل مصر، لم نفكر فيها بما يكفي بعد.
ولمن يحب ان يعرف احصائيات زراعة واستيراد القمح في مصر يستطيع ان يفتح هذا اللينك:
https://docs.google.com/document/d/18rGJohI1rla0vcL9j5RR22ryVY_DxSYXRwmTUO8fp_4/edit?usp=drivesdk.
الرابط المختصر https://alhorianews.com/sh/acdy
يدعو المقال إلى إعادة التفكير في مكونات رغيف الخبز المصري بدل الاعتماد الكامل على القمح فقط، عبر إدخال محاصيل أخرى قد تساعد في تقليل الضغط على المياه وتعزيز الأمن الغذائي
ذكر المقال الذرة الرفيعة والدخن والذرة الشامية والحمص والفول والعدس والبطاطا وغيرها من المحاصيل التي يمكن أن تدخل بنسب مدروسة في صناعة الخبز منفردة أو مع دقيق القمح
يقترح تنفيذ تجربة نموذجية في محافظة واحدة أو مجموعة مناطق بالتعاون بين الجامعات ومراكز البحوث والمخابز والصناعة مع حوافز للمخابز والمستهلكين وقياس التقبل لمدة تمتد لأسابيع ثم أشهر


