لم تعد المهرجانات الفنية في مصر مجرد مناسبات احتفالية تنتهي بتوزيع الجوائز والتقاط الصور التذكارية، لكنها أصبحت واحدة من أهم النوافذ التي تطل منها الثقافة المصرية على جمهورها في الداخل والخارج، ووسيلة مهمة لاستعادة دور الفن في تشكيل الوعي، وتعزيز القوة الناعمة المصرية، وفتح مساحات للتواصل بين المبدعين والجمهور، وبين مصر ومحيطها العربي والإقليمي والدولي.

وعندما نتأمل خريطة المهرجانات الفنية التي شهدتها مصر خلال الفترة الأخيرة، وتلك التي تستعد لاستقبال دوراتها المقبلة، ندرك أننا أمام حالة فنية وثقافية متنوعة تستحق التوقف أمامها، بداية من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومهرجان الجونة السينمائي، مرورًا بمهرجان القاهرة الدولي للفيلم القصير ومهرجان الأفلام القصيرة جدًا، ومهرجان الموسيقى العربية، وصولًا إلى مهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي، ومهرجان الغردقة لسينما الشباب، ومهرجان بورسعيد السينمائي، ومهرجان المنصورة لسينما الأطفال.

ولا تتوقف الخريطة عند هذا الحد، فهناك مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة، ومهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة، ومهرجان الأقصر للسينما الأفريقية، ومهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط، ومهرجان القاهرة الدولي للجاز، ومهرجان الطبول الدولي وفنون التراث، ومهرجان الفسطاط الشتوي، ومهرجان العلمين الجديدة، إلى جانب مهرجانات المسرح والطفل، ومنها مهرجان الفضاءات المسرحية المتعددة، ومهرجان القاهرة الدولي للطفل العربي، ومهرجان أولادنا، والمهرجان القومي للمسرح المدرسي، وغيرها من الفعاليات المحلية والإقليمية والدولية التي تتسع لها خريطة مصر الثقافية عامًا بعد عام.

قد يرى البعض أن هذا العدد الكبير من المهرجانات يمثل حالة من التكرار أو التزاحم، لكنني أرى أن القضية لا ينبغي أن تُطرح من زاوية العدد وحده، وإنما من زاوية ما يمكن أن تضيفه هذه المهرجانات إلى المشهد الفني والثقافي المصري. فكل مهرجان يمتلك طبيعة مختلفة ورسالة خاصة وجمهورًا مستهدفًا، وكلما تنوعت المساحات التي تتيحها الدولة والمجتمع المدني أمام الفن، زادت فرص اكتشاف المواهب وتقديم التجارب الجديدة وخلق حالة من الحراك الثقافي الحقيقي.

والأهم في هذه الخريطة هو امتدادها الجغرافي خارج حدود القاهرة، فوجود مهرجانات في أسوان والأقصر والإسماعيلية وبورسعيد والمنصورة وشرم الشيخ والغردقة والإسكندرية يمنح أبناء المحافظات فرصة مهمة لمشاهدة أعمال فنية ومتابعة عروض وندوات ولقاءات مع صناع الفن، دون أن يضطروا دائمًا إلى السفر إلى العاصمة بحثًا عن جرعة ثقافية أو فرصة للتفاعل مع المبدعين.

وهنا يظهر الدور الحقيقي لوزارة الثقافة والجهات المنظمة والقائمين على هذه المهرجانات؛ فالمسألة ليست مجرد تنظيم دورة سنوية أو استضافة نجوم وضيوف من الخارج، وإنما صناعة حالة ثقافية تصل إلى الناس، وتخرج من القاعات المغلقة إلى الشارع والمدرسة والجامعة ومراكز الشباب والقرى والنجوع. فالفن لا ينبغي أن يظل حكرًا على جمهور محدود أو محصورًا في دوائر جغرافية بعينها.

كما أن المهرجانات التي تحمل طابعًا عربيًا أو أفريقيًا أو متوسطيًا أو دوليًا تمثل فرصة لا تعوض لتعميق العلاقات المصرية مع دول الإقليم والعالم، وتقديم صورة حقيقية عن مصر باعتبارها بلدًا يمتلك تاريخًا ثقافيًا وفنيًا عريقًا، وقادرًا على استقبال الثقافات الأخرى والتفاعل معها. فمهرجان الأقصر للسينما الأفريقية، ومهرجان الإسكندرية لدول البحر المتوسط، ومهرجان أسوان لأفلام المرأة، وغيرها من الفعاليات، لا تقتصر أهميتها على عروض الأفلام، بل تمتد إلى بناء جسور من الحوار والتعاون وتبادل الخبرات.

لكن وسط هذا الزخم، تبقى هناك نقطة أراها بالغة الأهمية، وهي ضرورة ألا تتحول الخلافات الإدارية أو الشخصية أو التنافس على المناصب والمواقع إلى معارك تلتهم طاقة المهرجانات وتؤثر على رسالتها. فمن الطبيعي أن تختلف وجهات النظر، وأن تكون هناك ملاحظات وانتقادات، بل إن النقد والمحاسبة ضرورة لتطوير أي تجربة، لكن ليس من المقبول أن تطغى الصراعات الداخلية على قيمة الحدث نفسه، أو أن يصبح الخلاف أهم من المهرجان ورسالة القائمين عليه.

أتمنى أن نغلب صوت العقل والمصلحة العامة، وأن تكون لدينا القدرة على احتواء الخلافات داخل أطر مؤسسية واضحة، بعيدًا عن تصفية الحسابات أو تحويل الاختلاف إلى خصومة. فالمهرجان أكبر من أي شخص، واستمراره وتطويره أهم من المكاسب الفردية، والنجاح الحقيقي هو أن تتراكم الخبرات من دورة إلى أخرى، لا أن نبدأ في كل مرة من نقطة الصفر بسبب خلافات كان من الممكن احتواؤها.

وفي تقديري، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى التوسع في خريطة المهرجانات، وليس تقليصها، مع الاهتمام بشكل أكبر بمهرجانات المدارس والجامعات، وإتاحة الفرصة أمام الأطفال والشباب للمشاركة في صناعة الفعاليات، وليس الاكتفاء بكونهم جمهورًا لها. نحتاج إلى مهرجانات تكتشف الممثل والمخرج والكاتب والمصور والموسيقي والناقد الصغير، وتمنح الموهوبين فرصة حقيقية للتجربة والتعلم والاحتكاك بأصحاب الخبرة.

وفي الوقت نفسه، لا بد أن ننتقل من الاهتمام بالكم إلى الاهتمام الموازي بالكيف. فليس المطلوب أن نضيف مهرجانًا جديدًا لمجرد زيادة العدد، وإنما أن تكون لكل مهرجان هوية واضحة، وبرنامج جاد، واختيارات فنية دقيقة، وأعمال مشاركة تمتلك قيمة إبداعية حقيقية، ولجان تحكيم مستقلة، وإدارة قادرة على التخطيط والتطوير. كما يجب أن يكون هناك تقييم موضوعي بعد كل دورة، لمعرفة ما تحقق وما لم يتحقق، وكيف يمكن تحسين التجربة في العام التالي.

كذلك ينبغي ألا تكون المهرجانات مجرد أيام من الاحتفال يعقبها صمت طويل، بل يجب أن تمتد آثارها طوال العام من خلال ورش التدريب، والندوات، وبرامج دعم المواهب، والتعاون مع المؤسسات التعليمية والثقافية، وإتاحة الأعمال المشاركة أمام جمهور أوسع.

مصر لديها تاريخ فني وثقافي يمنحها مكانة خاصة، ولديها طاقات بشرية ومواهب تستحق الرعاية، والمهرجانات واحدة من الأدوات القادرة على تحويل هذه الإمكانات إلى تأثير حقيقي. لذلك لا أرى أن كثرة المهرجانات مشكلة في حد ذاتها، بل قد تكون ثروة ثقافية إذا أحسنا إدارتها، وضمنّا تنوعها وجودتها واستقلاليتها.

رسالتي أن نحافظ على هذه النوافذ، ونفتح غيرها، ونمنح المحافظات والمدارس والجامعات نصيبًا أكبر منها، ونحتفي بكل تجربة جادة تضيف إلى وجدان المصريين. فالقوة الناعمة لا تُبنى بمهرجان واحد مهما بلغت أهميته، ولا تصنعها أسماء النجوم وحدها، وإنما تصنعها منظومة متكاملة تؤمن بالفن وتدعم المبدعين وتحترم الجمهور.

نحن لا نحتاج إلى مهرجانات أقل، بل إلى مهرجانات أكثر تأثيرًا، وأعلى جودة، وأوسع انتشارًا.. والأهم أن ننتصر فيها للفن على حساب أي خلاف آخر.

الأسئلة الشائعة

المقال يرى أن المهرجانات الفنية أصبحت أداة مهمة لتعزيز القوة الناعمة المصرية واستعادة دور الفن في تشكيل الوعي وفتح التواصل بين المبدعين والجمهور

لأن وجود مهرجانات في المحافظات يمنح أبناء هذه المناطق فرصة متابعة العروض والندوات ولقاء صناع الفن دون الحاجة للسفر إلى العاصمة

يطالب بالاهتمام بالجودة مثل الهوية الواضحة والبرامج الجادة ولجان التحكيم المستقلة والتقييم بعد كل دورة مع استمرار الأثر طوال العام عبر الورش والندوات