في ظل التحديات العالمية المتصاعدة التي تفرضها الصراعات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار السلع الاستراتيجية، بات الأمن الغذائي أحد أبرز الملفات التي تتصدر أولويات الدول، باعتباره ركيزة أساسية للأمن القومي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وفي هذا السياق، تتحرك الدولة المصرية لتعزيز قدراتها الإنتاجية وتأمين احتياجاتها من الغذاء، من خلال التوسع الزراعي وزيادة إنتاج المحاصيل الاستراتيجية ورفع كفاءة استغلال الموارد، في إطار رؤية تستهدف تقليل التأثر بالأزمات العالمية وبناء منظومة غذائية أكثر قدرة على الصمود.

حيث أكد علاء فاروق، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، أن ملف الأمن الغذائي يأتي في مقدمة أولويات الدولة المصرية، باعتباره أحد المكونات الأساسية للأمن القومي، مشيرًا إلى أن الدولة تعمل وفق رؤية متكاملة تستهدف زيادة الإنتاج المحلي من المحاصيل الاستراتيجية، والتوسع في المساحات الزراعية، ورفع كفاءة استخدام الموارد المتاحة، إلى جانب تعزيز قدرة القطاع الزراعي على مواجهة التحديات والتغيرات التي يشهدها العالم.

وأوضح فاروق أن قمة البوسفور تمثل منصة دولية مهمة للحوار وتبادل الرؤى، خاصة أن مدينة إسطنبول تتمتع بموقع تاريخي وجغرافي جعلها حلقة وصل بين القارات ومركزًا للتواصل الحضاري والثقافي وأضاف أن انعقاد القمة في ظل التحولات العالمية المتسارعة يعكس الحاجة إلى مراجعة المفاهيم المرتبطة بالأمن والاستقرار والتنمية، والبحث عن آليات أكثر فاعلية للتعامل مع التحديات المشتركة.

وأشار الوزير إلى أن شعار القمة، الذي يركز على التحول العالمي والبحث عن الاستقرار، يكتسب أهمية خاصة في ظل تداخل الأزمات الدولية وتشابك تداعياتها، موضحًا أن تأثير هذه الأزمات لم يعد مقتصرًا على دولة أو منطقة بعينها، وإنما امتد ليشمل الاقتصادات العالمية والأسواق وسلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية، فضلًا عن تزايد الضغوط على الموارد الأساسية.

وشدد فاروق على أن قضايا الأمن المائي والغذائي والزراعي أصبحت من الملفات الاستراتيجية التي تتطلب تنسيقًا وتعاونًا دوليين على نطاق واسع، لافتًا إلى أن مفهوم الأمن الغذائي تجاوز حدود توفير السلع والمنتجات الزراعية أو ضمان توافرها في الأسواق، ليصبح أحد العوامل الحاسمة في تحقيق الأمن القومي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، فضلًا عن كونه مؤشرًا على قدرة الدول على مواجهة الأزمات والحد من تداعياتها.

ولفت إلى أن التطورات الأخيرة التي شهدها العالم، وما صاحبها من اضطرابات في سلاسل الإمداد، كشفت عن حجم المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها الأمن الغذائي نتيجة الصراعات الجيوسياسية، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، فضلًا عن التقلبات الحادة في أسعار الحبوب والأسمدة، والقيود التي قد تفرض على حركة التجارة الدولية، وهو ما يضع الدول أمام تحديات متزايدة لتأمين احتياجات شعوبها من الغذاء.

وأكد وزير الزراعة أن المرحلة الراهنة تفرض ضرورة تبني رؤية أكثر شمولًا للأمن الغذائي، لا تقتصر على تلبية الاحتياجات الحالية، وإنما تستهدف بناء منظومات متكاملة للإنتاج والتخزين والتوزيع، تتمتع بالمرونة والقدرة على مواجهة الصدمات والأزمات، مع الحفاظ على الموارد الطبيعية وضمان استدامتها للأجيال المقبلة.

واختتم فاروق بالتأكيد على أن تعزيز التعاون الدولي وتبادل الخبرات وتكامل الجهود بين الدول يمثل ضرورة أساسية لمواجهة التحديات المرتبطة بالمياه والغذاء والزراعة، بما يسهم في بناء منظومة غذائية أكثر استقرارًا واستدامة، ويحقق المصالح المشتركة للدول والشعوب في مواجهة المتغيرات العالمية.

تغيير النظرة التقليدية للقطاع الزراعي

وقال الدكتور طارق محمود، أستاذ بمركز البحوث الزراعية، إن التعامل مع قضية الأمن الغذائي يحتاج إلى تغيير النظرة التقليدية للقطاع الزراعي، بحيث لا يكون معيار النجاح هو زيادة المساحات المزروعة فقط، وإنما القدرة على تحقيق إنتاج أكبر من وحدة المساحة، باستخدام أساليب علمية حديثة تقلل التكلفة وتحافظ على الموارد الطبيعية.

وأضاف محمود، أن هناك فرصة كبيرة لتعظيم الاستفادة من الأراضي الزراعية الحالية من خلال التوسع في استخدام التقاوي المعتمدة والأصناف عالية الإنتاجية، وتطبيق الممارسات الزراعية السليمة، إلى جانب تطوير برامج المكافحة المتكاملة للآفات والأمراض، موضحًا أن كل زيادة في إنتاجية الفدان تمثل خطوة مباشرة نحو تقليل الفجوة بين الإنتاج المحلي والاحتياجات الاستهلاكية.

وأوضح محمود، أن التغيرات المناخية أصبحت أحد الاختبارات الصعبة أمام القطاع الزراعي، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة وتغير مواعيد سقوط الأمطار وزيادة معدلات الإجهاد المائي، وهو ما يستدعي التوسع في استنباط أصناف زراعية قادرة على تحمل الظروف المناخية غير المعتادة، دون التأثير سلبًا على معدلات الإنتاج وجودة المحاصيل.

وأشار محمود، إلى أن البحث العلمي يجب أن يكون حاضرًا في جميع مراحل العملية الزراعية، بداية من اختيار الصنف المناسب للأرض والمناخ، مرورًا بتحديد المواعيد المثلى للزراعة والري والتسميد، وصولًا إلى عمليات الحصاد والتخزين، مؤكدًا أن ربط نتائج الأبحاث باحتياجات المزارعين يمثل أحد أهم التحديات التي ينبغي العمل عليها خلال المرحلة المقبلة.

ولفت إلى أن ترشيد استخدام المياه لم يعد مجرد إجراء فني لتحسين كفاءة الري، وإنما أصبح ضرورة استراتيجية مرتبطة بمستقبل الإنتاج الزراعي، خاصة أن التوسع في الأراضي الجديدة يتطلب الاعتماد على نظم ري حديثة وإدارة دقيقة للموارد المائية، بما يضمن استمرار النشاط الزراعي دون تحميل الدولة أعباء إضافية.

وأضاف أن الأزمات العالمية كشفت أهمية امتلاك الدول قدرات إنتاجية محلية تقلل من تأثرها بتقلبات الأسواق الخارجية، موضحًا أن الاعتماد على الاستيراد في توفير بعض الاحتياجات الاستراتيجية يجعل الأسواق المحلية أكثر عرضة للتأثر بارتفاع الأسعار واضطرابات النقل والتجارة الدولية.

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب وضع المحاصيل الاستراتيجية في مقدمة أولويات التخطيط الزراعي، مع مراعاة احتياجات السوق المحلية وحجم الاستهلاك ومعدلات الإنتاج، مشيرًا إلى أهمية التوسع في المحاصيل التي تسهم في تقليل الفجوة الغذائية، خاصة محاصيل الحبوب والزيوت، والعمل على زيادة الإنتاج المحلي منها بصورة تدريجية ومدروسة.

دعم المزارع المصري

ومن جانبه، قال الدكتور سيد خليفة، نقيب الزراعيين، إن بناء منظومة قوية للأمن الغذائي لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن دعم المزارع المصري، باعتباره العنصر الأساسي في العملية الإنتاجية، مشيرًا إلى أن نجاح خطط التوسع الزراعي وزيادة المحاصيل الاستراتيجية يرتبط بمدى قدرة المزارع على الاستمرار في الإنتاج وتحقيق عائد اقتصادي مناسب.

وأضاف خليفة، أن الأزمات العالمية كشفت أهمية امتلاك الدول قدرات إنتاجية محلية تقلل من تأثرها بتقلبات الأسواق الخارجية، موضحًا أن الاعتماد على الاستيراد في توفير بعض الاحتياجات الاستراتيجية يجعل الأسواق المحلية أكثر عرضة للتأثر بارتفاع الأسعار واضطرابات النقل والتجارة الدولية.

وأكد خليفة، أن المرحلة المقبلة تتطلب وضع المحاصيل الاستراتيجية في مقدمة أولويات التخطيط الزراعي، مع مراعاة احتياجات السوق المحلية وحجم الاستهلاك ومعدلات الإنتاج، مشيرًا إلى أهمية التوسع في المحاصيل التي تسهم في تقليل الفجوة الغذائية، خاصة محاصيل الحبوب والزيوت، والعمل على زيادة الإنتاج المحلي منها بصورة تدريجية ومدروسة.

وأوضح خليفة، أن تحقيق التوازن بين احتياجات الدولة ومتطلبات المزارعين يمثل عنصرًا حاسمًا في نجاح السياسة الزراعية، فالمزارع يحتاج إلى وضوح في السياسات التسويقية وأسعار المحاصيل، وتوافر مستلزمات الإنتاج في التوقيت المناسب، إلى جانب وجود آليات تضمن تسويق إنتاجه بصورة تحقق له هامش ربح عادلًا، وهو ما يشجعه على زيادة المساحات المزروعة وتحسين جودة الإنتاج.

وأشار خليفة، إلى أن تطوير التعاونيات الزراعية يمكن أن يلعب دورًا مهمًا في تخفيف الأعباء عن المزارعين، من خلال توفير مستلزمات الإنتاج والخدمات الفنية والتسويقية، فضلًا عن دعم قدرتهم على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة، مؤكدًا أن تنظيم العلاقة بين حلقات الإنتاج والتسويق يساهم في الحد من الفاقد وتقليل الفجوات السعرية بين المنتج والمستهلك.