قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن الله أرسل سيدنا رسول الله ﷺ بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وترك لنا القرآن الكريم معجزةً باقيةً إلى يوم الدين، يهدي بها الله العالمين، ويرسم لهم طريق القرب منه سبحانه.

واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ۝ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ۝ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾، فنحن نرجو الله أن يجعلنا من المقربين، والقرب من الله ليس دعوى تُقال، وإنما له علامات وأركان تظهر في أخلاق الإنسان وسلوكه.

العفو والصفح

أول هذه الأركان: العفو والصفح، قال تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.

فالعفو يقرب الإنسان من الله؛ لأنه يطهر القلب من التشفي والانتقام، ويعلِّمه أن يتجاوز عن زلات الناس ابتغاء وجه الله، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾.

وأشار إلى أن المؤمن لا ينسى الفضل، ولا يجعل الخصومة تمحو المعروف، ولا يترك الغضب يقطع ما أمر الله به أن يوصل.

والركن الثاني: العدل والإنصاف.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.

فالمؤمن يبحث عن الحق، ويقر به ولو خالف هواه، ولا يحملُه حبُّه أو بغضُه على الظلم.

والعدل ليس فقط في الحكم بين الناس، وإنما في الكلمة، وفي الشهادة، وفي نقل الأخبار، وفي تقييم الآخرين، وفيما نقول وما نسمع.

ومن أراد الحق لا يلبسه بالباطل، ولا يكتمه وهو يعلم.

والركن الثالث: رجاء رحمة الله والخوف من عذابه.

فالمقرب إلى الله قلبه متعلق بربه؛ يرجو رحمته، ويخاف عذابه، ويعلم أن الحول والقوة لله سبحانه وتعالى.

قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾.

فلا يأمن المؤمن على نفسه، ولا يقنط من رحمة ربه؛ بل يسير إلى الله بين الرجاء والخوف، مستعينًا به، مفتقرًا إليه.

والركن الرابع: السبق إلى الخيرات.

قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾.

فالناس في سيرهم إلى الله درجات: منهم المقصر في حق نفسه، ومنهم المقتصد الذي يؤدي ما عليه، ومنهم السابق بالخيرات الذي يزيد من الطاعات والقربات ويسابق إلى أبواب الخير.

وهذا هو مقام القرب: أن يعفو الإنسان، وأن يعدل، وأن يعيش بين الرجاء والخوف، ثم لا يقف عند الحد الأدنى من الخير، بل يسابق إليه على قدر استطاعته.

قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.

فالإسلام دين القرب من الله، والقرب منه متاح لكل إنسان؛ لا يحتاج إلى سلطان ولا مال ولا جاه، وإنما يحتاج إلى قلب يعرف الله، وخُلُق مستقيم، وعمل صالح.

يعفو عن الناس، ويعدل في قوله وحكمه، ويرجو رحمة الله ويخاف عذابه، ويسابق إلى الخير ما استطاع.

ثم تكون الثمرة ما قاله الله سبحانه: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ۝ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾.

فنسأل الله أن يجعلنا من المقربين، وأن يرزقنا العفو والعدل، والرجاء والخوف، والسبق إلى الخيرات.

الأسئلة الشائعة

ذكر أربعة أركان للقرب من الله هي العفو والصفح، والعدل والإنصاف، ورجاء رحمة الله مع الخوف من عذابه، والسبق إلى الخيرات

قال إن العدل ليس فقط في الحكم بين الناس، بل أيضًا في الكلمة والشهادة ونقل الأخبار وتقييم الآخرين وفيما نقول وما نسمع

لا يحتاج إلى سلطان ولا مال ولا جاه، وإنما يحتاج إلى قلب يعرف الله وخُلُق مستقيم وعمل صالح