يواجه الفكر العربي المعاصر مأزقًا بنيويًا لا يكف عن إعادة إنتاج أزماته في كل منعطف تاريخي، متمثلًا في ذلك الاشتباك المحتدم بين صرامة الواقع المعيش وصرامة الإرث التاريخي المنقول، حيث تحول التراث في الوجدان الجمعي من كونه مادة اجتهاد بشري قابلة للمراجعة إلى مقدّس متعالٍ فوق الزمان والمكان. إن إشكالية التعامل مع التراث لا تكمن في وجوده بذاته، بوصفه الوعاء الحاضن لتجارب الأمم وأسئلتها عبر العصور، بل تكمن في تلك الآلية الإيديولوجية التي تُفرغ التراث من سياقاته التاريخية والاجتماعية لتمنحه طابعًا أبديًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. هذه العملية من الأدلجة والتقديس لا تؤدي فقط إلى تجميد العقل وتعطيل آلياته النقدية، بل تنتج بالضرورة منظومة دفاعية مستميتة ترفض أي محاولة لتفكيك النصوص أو مساءلة الظروف التي أنتجتها، مما يجعل المجتمع بأسره أسيرًا لماضٍ متخيل يُدار بمنطق الحراسة المطلقة. إن أطروحة هذا المقال تنطلق من فرضية أساسية مفادها أن الخروج من هذا المأزق التاريخي يقتضي بالضرورة إحداث قطيعة معرفية مع آليات التقديس الأبدي، وإعادة الاعتبار للتراث كمنتج بشري محض، أنتجته شروط زمنية ومجتمعية محددة، وبالتالي فهو خضع لمنطق التطور والقصور البشري، مما يجعله قابلًا بطبيعته للنقد، والتجاوز، وإعادة البناء، بما يتناسب مع أفق العصر وتحديات الدولة الوطنية الحديثة.
يتأصل هذا المأزق الفكري في بنية العقل الأصولي الذي يعاني من أزمة عميقة في فهم طبيعة المعرفة التاريخية، إذ يرتكن إلى ثنائيات قطبية حادة تفصل بين الحق المطلق والباطل المطلق، متجاهلًا أن التراث الإسلامي والعربي ليس كتلة صماء متجانسة، بل هو سيرورة تاريخية طويلة ومتعرجة حفلت بالصراعات والتأويلات والتباينات السياسية والاجتماعية. إن عملية تقديس التراث لم تكن يومًا بمعزل عن صراعات السلطة والنفوذ، بل كانت في كثير من الأحيان غطاءً إيديولوجيًا لتثبيت شرعية النظم السياسية التاريخية التي سعت إلى توظيف النصوص ووضعها في قوالب نهائية تحصنها ضد أي مراجعة نقدية. وحين يتعطل النقد التاريخي، تتضخم الآليات النفسية والاجتماعية المدافعة عن هذا الجمود، حيث يغدو الخروج عن المألوف التراثي تهديدًا وجوديًا للأنظمة الهوياتية، ومسًا بالمقدس الذي تلتئم حوله الجماعة. هذا الخوف المرضي من التغيير يولد سلوكيات تنظيمية وجماعية تحاصر المبدعين والمفكرين، وتعيد إنتاج ثقافة القطيع التي ترفض الاختلاف وتستعدي الآخر، مما ينعكس سلبًا وتدميريًا على بنية الدولة الوطنية الحديثة التي يفترض أن تقوم على أسس التعاقد الاجتماعي العقلاني، والمواطنة المتساوية، وسيادة القانون، لا على العصبيات التاريخية أو الوصاية الدينية المطلقة.
تتجسد التداعيات الكارثية لهذه الهيمنة التراثية المتقديسة في هشاشة البناء المجتمعي وتآكل مفهوم الدولة الوطنية، إذ تفشل المجتمعات التي تعاني من هذا العطب التاريخي في إنتاج أفق حداثي يزاوج بين الأصالة والمعاصرة بوعي نقدي عقلاني. فحين يُصبح الماضي هو الحاكم المطلق على الحاضر والمستقبل، تفقد المؤسسات المدنية والتشريعية قدرتها على الابتكار والتنظيم، وتتحول المجالات العامة إلى ساحات صراع هوياتي عقيم يتم فيه استدعاء النصوص والنقاشات الفقهية القديمة لحسم قضايا مدنية واجتماعية واقتصادية معاصرة لا علاقة لها بتلك السياقات التاريخية. هذا التناقض الصارخ بين أدوات العصر ومنطق التراث المقدّس يخلق انفصامًا مجتمعيًا خطيرًا، حيث يعيش الأفراد بأجسادهم في القرن الحادي والعشرين بينما تعيش عقولهم ومرجعياتهم في قرون سابقة، وهو ما يستدعي تفكيكًا جذريًا لآليات الخطاب الأصولي الذي يستثمر في الذاكرة الجمعية المأزومة، ويغذي شعور المظلومية والتفوق الوهمي لعرقلة أي مسار نحو التنوير والعقلانية.
إن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب شجاعة فكرية ونقدية لا تكتفي بملامسة السطوح، بل تغوص في جذور البنية المعرفية السائدة لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والتراث. هذا المخرج المنشود يكمن أولًا وقبل كل شيء في تبني “القراءة التاريخية النقدية”، وهي المنهجية التي تعامل النصوص والمنتجات الفكرية البشرية بما يناسب ظروف إنتاجها، وتفصل بين الثابت الأخلاقي الإنساني وبين المتغير التاريخي الإجرائي. فالتعامل مع التراث كمنتج بشري يعني بوضوح الشجاعة في رفض ما أثبت الزمن بطلانه، وتجاوز ما تعارض مع حقوق الإنسان وكرامته وقيم العدالة والحرية في العصر الحديث، دون شعور بالذنب المعرفي أو الخوف من الاتهام بالانسلاخ عن الهوية. إن الهوية الحية والمتجددة ليست تلك التي تُحنط في المتاحف التراثية وتُقدس حروفها، بل هي الهوية التي تمتلك القدرة على الحوار، والنقد الذاتي، والتفاعل الخلاق مع منجزات الفكر الإنساني العالمي.
ختامًا، إن معركة التنوير في عالمنا العربي ليست ترفًا فكريًا نخبويًا، بل هي معركة وجود وبناء مستقبلي تتوقف عليها سلامة المجتمعات واستقرار الدول. إن تحرير العقل من أسر التقديس الأبدي للتراث لا يعني إلغاء الماضي أو قطيعةً رعناء معه، بل يعني تملكه بوعي نقدي عقلاني يضع الإنسان وحاجاته المعاصرة في قلب معادلة التفكير والتطوير. ولن يتأتى بناء دولة المواطنة الحديثة، التي تضمن الحقوق وتصون الحريات وتقوم على أساس الكفاءة وسيادة القانون، إلا عبر إنجاز هذه الثورة المعرفية التي تعيد الاعتبار للتاريخ بوصفه مجئ بشريًا متواصلًا، لا نصًا مقدسًا مهيمنًا. وحين تدرك المجتمعات أن التراث أداة لخدمة الإنسان وليس غاية تُعبد، حينها فقط تفتح أبواب المستقبل على مصراعيها نحو النهضة والتقدم والحرية.
يناقش المقال تحويل التراث من مادة اجتهاد بشري قابلة للمراجعة إلى مقدس ثابت فوق الزمان والمكان، ويدعو إلى التعامل معه بوعي نقدي تاريخي
يقترح المقال تبني القراءة التاريخية النقدية التي تفصل بين الثابت الأخلاقي الإنساني وبين المتغير التاريخي الإجرائي، وتتعامل مع التراث كمنتج بشري قابل للنقد والتجاوز
يرى أن الهيمنة التراثية المتقدسة تؤدي إلى هشاشة البناء المجتمعي وتآكل مفهوم الدولة الوطنية، وتضعف قدرة المؤسسات المدنية والتشريعية على الابتكار والتنظيم


