تحل اليوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026 ذكرى وفاة المفكر والأديب طه حسين الذي يعد واحدا من أبرز الرموز الثقافية والفكرية في تاريخ مصر والعالم العربي، فقد استطاع أن يحول رحلته من دروب الصعيد البسيطة إلى آفاق الثقافة العالمية إلى تجربة استثنائية في التنوير والتجديد، وأن يترك بصمة عميقة في الأدب والتعليم والحياة الاجتماعية. ولم تكن مسيرته مجرد رحلة علم وأدب، بل كانت نضالا متواصلا من أجل إعلاء قيمة العقل، وترسيخ حرية الفكر، وإتاحة التعليم للجميع.

من دروب الصعيد إلى رحاب الثقافة العالمية

نشأ طه حسين في بيئة بسيطة، وبدأ رحلته العلمية في الأزهر الشريف، حيث نهل من التراث العربي والإسلامي، قبل أن يسافر إلى باريس، فتتفتح أمامه آفاق جديدة من المعرفة والثقافة الإنسانية بمختلف روافدها. وهناك جمع بين ثقافته العربية الأصيلة وما اطلع عليه من الثقافتين اليونانية والرومانية والثقافات الأوروبية، ليعود إلى مصر حاملا مشروعا فكريا يقوم على التأصيل والتجديد، لا في الحياة الثقافية وحدها، بل في الحياة الاجتماعية أيضا.

ومع مرور السنوات، أصبح طه حسين رائدا في الفكر الأدبي والتقدم الاجتماعي، مستندا إلى قلمه وعقله وإيمانه بقدرة المعرفة على تغيير المجتمع. وخاض العديد من المعارك الفكرية التي ارتبطت بالدفاع عن المنهج العقلي في الأدب، وإشاعة الديمقراطية في الحياة الاجتماعية والسياسية، وإتاحة التعليم للجميع، انطلاقا من إيمانه بأن العلم حق لا ينبغي أن يقتصر على فئة دون أخرى.

معارك السياسة وكتاب «في الشعر الجاهلي»

خلال أحد اللقاءات التليفزيونية التي استعاد فيها طه حسين محطات من حياته، تحدث عن عدد من التجارب التي تركت أثرا عميقا في مسيرته، مشيرا إلى أن بعض هذه التجارب ارتبط بخلافاته السياسية والفكرية مع عدد من القوى المؤثرة في ذلك الوقت.

وأوضح أن إيمانه بالديمقراطية والحرية وضعه في خلاف مع الملك فؤاد والملك فاروق، إذ كان يدافع عن حق المجتمع في الحرية والمشاركة، بينما اختلفت رؤيته مع توجهات القصر. كما أشار إلى خلافاته مع حزب الوفد في بدايات حياته الصحفية، عندما كان يكتب في جريدة «السياسة» التي أصدرها حزب الأحرار الدستوريين.

وربط طه حسين بين هذه الخصومات السياسية والجدل الواسع الذي أثاره كتابه «في الشعر الجاهلي»، والذي تحول إلى واحدة من أبرز المعارك الفكرية في تاريخ الثقافة المصرية. وكشف أنه تلقى تهديدات بالقتل بسبب الكتاب، إلى جانب تهديدات أخرى رأى أنها ارتبطت بخلافاته السياسية، في شهادة عكست حجم المواجهات التي خاضها دفاعا عن أفكاره.

الجاحظ والمبرد.. محطات مؤثرة في تكوينه الأدبي

وعندما سئل طه حسين عن الشخصيات التي أثرت في تكوينه الفكري والأدبي، أبدى تواضعا واضحا، مؤكدا أنه لا يرى نفسه عظيما، رغم اعترافه بتأثره بعدد كبير من أعلام الثقافات القديمة والأوروبية والعربية.

وأشار إلى أن الجاحظ والمبرد كانا من أبرز الشخصيات التي تركت أثرا في تكوينه الأدبي، موضحا أن قراءاته المبكرة لكتب «البيان والتبيين» و«الحيوان» و«رسائل الجاحظ»، إلى جانب كتاب «الكامل» للمبرد، أسهمت في تشكيل وعيه الأدبي وصقل أدواته الفكرية.

كما استعاد دروسه في الأزهر على يد الشيخ سيد علي المرصفي، الذي قرأ عليه ديوان الحماسة وشرحه له، إلى جانب كتاب «الكامل» للمبرد وكتاب «الأمالي» لأبي علي القالي، مؤكدا أن هذه الدروس كان لها تأثير بالغ في حياته الأدبية خلال مراحلها الأولى.

رسالة التنوير والتعليم للجميع

لم يكن مشروع طه حسين مقتصرا على الإبداع الأدبي أو البحث العلمي، بل امتد إلى الدعوة لإحداث تغيير حقيقي في المجتمع من خلال نشر المعرفة وترسيخ قيم الحرية والعقل. وقد ارتبط اسمه بمقولة «التعليم كالماء والهواء»، التي عبرت عن رؤيته لحق كل إنسان في التعلم، باعتباره أساسا لبناء مجتمع أكثر وعيا وتقدما.

وبين معارك الفكر والسياسة، والبحث في التراث العربي والانفتاح على الثقافات العالمية، استطاع عميد الأدب العربي أن يؤسس تجربة استثنائية ظلت حاضرة في الوجدان الثقافي المصري والعربي، وأن يجعل من التنوير قضية حياة، ومن الكلمة وسيلة لمواجهة الجمود وفتح آفاق جديدة أمام الأجيال.

الأسئلة الشائعة

لأن اليوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026 يوافق ذكرى وفاة طه حسين الذي يعد من أبرز الرموز الثقافية والفكرية في مصر والعالم العربي

دافع عن المنهج العقلي في الأدب وإشاعة الديمقراطية وإتاحة التعليم للجميع مؤمنا بأن العلم حق لا ينبغي أن يقتصر على فئة دون أخرى

كتاب «في الشعر الجاهلي» الذي تحول إلى واحدة من أبرز المعارك الفكرية في تاريخ الثقافة المصرية وتلقى بسببه تهديدات بالقتل