تواجه المؤسسات الثقافية في عدد من دول أمريكا اللاتينية ضغوطا متزايدة في ظل التحولات السياسية وصعود حكومات يمينية تتبنى سياسات تقشفية وتدعو إلى إعادة صياغة دور الفنون والثقافة بما يتماشى مع قيم محافظة، في تطور يثير تساؤلات بشأن مستقبل المتاحف والمسارح وبرامج حماية التراث والذاكرة التاريخية في المنطقة.

وذكر تقرير نشرته صحيفة الفن The Art Newspaper، أن التغيرات التي تشهدها دول من بينها بوليفيا والأرجنتين وتشيلي وبيرو والسلفادور وفنزويلا انعكست على ميزانيات المؤسسات الثقافية وهياكل الوزارات المعنية بها، فضلا عن القرارات المتعلقة بالمعارض الفنية والآثار والنصب التذكارية.

وأشار التقرير إلى أن هذه التحولات تأتي في سياق اتساع نفوذ التيارات اليمينية في المنطقة، بالتزامن مع تزايد تأثير السياسات الأمريكية في المشهد السياسي بأمريكا اللاتينية.

وأوضح التقرير أن مصطلح “الحرب الثقافية” أصبح حاضرا في الخطاب السياسي بعدد من هذه الدول، إذ يرى مؤيدو هذا التوجه ضرورة مواجهة ما يعتبرونه نفوذا للأفكار اليسارية والتقدمية داخل المؤسسات الثقافية، بينما يحذر منتقدون من أن هذه السياسات قد تؤدي إلى تهميش الفنون وتقليص استقلالية المؤسسات العامة، فضلا عن إضعاف قدرتها على عرض وجهات نظر متنوعة بشأن التاريخ والمجتمع.

وفي بوليفيا، قلص الرئيس رودريجو باز، الذي تولى السلطة في نوفمبر الماضي بعد نحو عقدين من حكم اليسار، عدد الوزارات الحكومية من 14 إلى 12 في إطار مساعيه لمعالجة الأزمة الاقتصادية.

وشمل القرار إلغاء وزارة السياحة المستدامة والثقافات والفولكلور وفنون الطهي، ونقل مسؤوليات الثقافة إلى مستوى نائب وزارة تابع لوزارة الخارجية.

وأثار هذا التغيير اعتراضات من مؤسسات ومنظمات ثقافية، من بينها منصة “التنسيقات الثقافية” (Articulados Culturales)، التي تضم جهات معنية بالفنون والتصميم.

وحذرت المنصة من تراجع مكانة الثقافة داخل الهيكل الحكومي، مؤكدة أن الفنون ليست مجرد عنصر تجميلي أو امتداد للقطاع السياحي، بل جزء أساسي من الحياة العامة والهوية الوطنية.

وفي الأرجنتين، اتخذت حكومة الرئيس خافيير ميلي إجراءات لتقليص الإنفاق الحكومي، شملت القطاع الثقافي، إذ خُفضت مكانة وزارة الثقافة الاتحادية إلى أمانة عامة، وتأثرت مؤسسات تعمل في مجالات السينما والمكتبات وحفظ التراث والفن المعاصر بتخفيضات الميزانية.

كما أعربت جمعيات تمثل المسارح المستقلة عن قلقها إزاء ما وصفته بالتراجع الحاد في قدرة المعهد الوطني للمسرح على أداء مهامه، بعد إلغاء برنامج تمويل كان يساعد المسارح على مواصلة نشاطها.

وامتدت آثار خفض الإنفاق إلى المشاركة الأرجنتينية في بينالي البندقية (Venice Biennale)، حيث اقتصر الدعم الحكومي على الجناح والترتيبات اللوجستية، دون تغطية تكاليف الأعمال الفنية نفسها.

وفي تشيلي، أدى قرار خفض الإنفاق الحكومي بنسبة 3% إلى تراجع ميزانية وزارة الثقافة بنحو 9.8%، وفقا للتقرير، وهو ما طال قطاعات تشمل المتاحف والمكتبات وبرامج حماية التراث ومواقع الذاكرة التاريخية.

وكان متحف الفنون الجميلة الوطني في سانتياجو (Museo Nacional de Bellas Artes) قد ألغى معرضا للفنان الأرجنتيني ليون فيراري في يوليو الماضي، بعد نحو 3 سنوات من التحضير، معللا القرار بعدم توافر التمويل اللازم.

وفي منتصف سبتمبر، أعلنت وزارة الثقافة إقالة مديرة المتحف فارينيا برودسكي، التي كانت قد أعلنت إلغاء المعرض في وقت سابق.

وتبرز قضية الذاكرة التاريخية بصورة خاصة في بيرو، حيث أثار تولي كيكو فوجيموري الرئاسة مخاوف بشأن مستقبل متحف مكان الذاكرة والتسامح والاندماج الاجتماعي (Lugar de la Memoria، la Tolerancia y la Inclusión Social)، المعروف اختصارا باسم “إل يو إم” (LUM).

ويخصص المتحف مساحة لتوثيق عقدين من العنف السياسي في البلاد بين عامي 1980 و2000، بما يشمل جرائم جماعة الطريق المضيء المسلحة وانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها الدولة، ومن بينها انتهاكات وقعت خلال رئاسة ألبرتو فوجيموري، والد الرئيسة الحالية.

وأشار التقرير إلى ارتفاع أعداد زوار المتحف وسط مخاوف بشأن مستقبله، رغم تأكيد وزير الثقافة ألبرتو بينغوليا أنه لا يعتزم إغلاقه، مع انتقاده ما اعتبره تحول المؤسسة إلى مصدر للخلاف بين المواطنين.

وفي السلفادور، اتخذت الحكومة خطوات أثارت جدلا بشأن توجه المؤسسات الثقافية، إذ أُقيل أكثر من 300 موظف بوزارة الثقافة خلال الولاية الثانية للرئيس نجيب بوكيلي، مع تبرير القرار بأن بعض الموظفين يروجون لأجندات لا تتوافق مع رؤية الحكومة.

كما أزالت السلطات نصب المصالحة التذكاري في العاصمة سان سلفادور، وهو عمل نحتي أُقيم عام 2017 تخليدا لاتفاقات السلام الموقعة عام 1992، التي أنهت 12 عاما من الحرب الأهلية.

وتناول التقرير كذلك التغيرات الإدارية في فنزويلا، حيث شهدت وزارة الثقافة تغييرات في قيادتها خلال العام الجاري، في وقت تسعى فيه الحكومة المؤقتة إلى إعادة بناء العلاقات السياسية والاقتصادية مع الولايات المتحدة، مع إعلانها أن تعزيز الهوية الوطنية وصون التراث الثقافي من أولويات المرحلة المقبلة.

وتعكس هذه التطورات، بحسب التقرير، خلافا أوسع بشأن وظيفة المؤسسات الثقافية في المجتمع، وحدود تدخل الحكومات في توجيه النشاط الفني وتحديد أولويات تمويله. وبينما تبرر بعض الإدارات إجراءاتها باعتبارات الكفاءة وترشيد الإنفاق وتعزيز القيم الوطنية، يحذر العاملون في المجال الثقافي من أن تقليص الدعم أو إعادة تشكيل المؤسسات قد يحد من تنوع الإنتاج الفني ويضعف فرص حفظ التاريخ وتقديم قراءات متعددة له.

وتضم أمريكا اللاتينية تجارب ثقافية متنوعة تشكلت عبر تاريخ طويل من التفاعل بين الشعوب الأصلية والاستعمار الأوروبي والتحولات الاجتماعية والسياسية الحديثة.

وتؤدي المتاحف والمكتبات والمسارح والمؤسسات المعنية بحفظ التراث دورا في توثيق هذه التجارب وإتاحتها للجمهور. وفي دول شهدت حروبا أهلية أو عنفا سياسيا، اكتسبت المؤسسات المعنية بالذاكرة التاريخية أهمية إضافية، إذ تسعى إلى توثيق الانتهاكات ومساعدة الأجيال الجديدة على فهم الماضي.

ويجعل الجدل الدائر حول تمويل هذه المؤسسات واستقلاليتها من السياسات الثقافية إحدى ساحات الخلاف الأوسع بشأن هوية المجتمعات واتجاهاتها المستقبلية.

الأسئلة الشائعة

المخاوف جاءت بسبب صعود حكومات يمينية تتبنى سياسات تقشفية وتعيد صياغة دور الفنون والثقافة بما يتماشى مع قيم محافظة.

التقرير أشار إلى بوليفيا والأرجنتين وتشيلي وبيرو والسلفادور وفنزويلا باعتبارها دولا شهدت تغييرات انعكست على ميزانيات وهياكل المؤسسات الثقافية.

في بوليفيا نُقلت مسؤوليات الثقافة وخُفضت مكانتها الحكومية، وفي الأرجنتين وتشيلي تأثرت مؤسسات السينما والمكتبات والمسرح والمتاحف والبرامج الخاصة بحفظ التراث ومواقع الذاكرة بسبب التخفيضات.