تولد المعصية حين يُطفيء العقل قنديله ليغري الظلمة بالدخول، فنقضي العمر في تصنيع الأعذار لجريمة لم تشهدها سوى ذواتنا.. ليس التاريخ سوى سيرة طويلة لسرقات صغيرة نبررها بالرجاء، ومحاكمات وهمية نقتاد إليها النوايا كي ننجو بأفعالنا العارية. لقد شُيِّدت المعابد داخل الجماجم كي لا يرى أحدهم كيف نُصلب الحقيقة عند كل صباح، ونمسح الدماء عن أيدينا لنرفعها بالدعاء. فمن أين يبدأ التطهير إذا كان الداء والمداوي والمعبد والضحية أطيافًا لشيء واحد يتشكل في العتمة؟.

كنا في القديم نسمع عن ذلك اللص، الذي قبل أن يسرق يرفع يده إلى السماء ويقول: «يا رب استرها معايا هذه المرة وسأتوب»،.

كان يقولها بتأثر، ثم يحمد الله بعد سرقته، كانت حالات فردية، كنا حينما نسمعها نضحك سخرية، ضاعت أعمارنا ونحن ننتظر اللصوص الذين يسرقون أعمارنا أن يتوبوا.

التزمنا بما قاله البعض لنا: “لا تسخروا من اللصوص فربما يتوبوا وتكونوا أنتم المذنبين”، وأخذوا يؤكدون ذلك بقصة العاصي الذي قرر التوبة فسقط فمات فاختلفت عليه الملائكة، واحتكموا لأن يحسبوا المسافة بالقياس بين مغادرته لنقطة المعصية ووصوله لنقطة التوبة!.

صدقنا ذلك ممن قالوه لكن لا العاصي تاب ولا الملائكة انتهت من تقدير المسافات، فتهنا نحن بحثا عن الحقيقة.

لمن وجبت التوبة؟ أللص الذي سرقنا؟ أم للشيخ الذي خدعنا؟ أم التوبة واجبة على عقولنا التي مضغت القصة تلو القصة ورغم مرارتها كانت تنتظر شهد النهاية!.

غريب أنا «أنتم».. فأنا السارق والمسروق وقاضي الحكاية، حكمت يوما على نفسي بقطع يمنايا فأخفيتها مني أسفل قميصي لدى تنفيذ الحكم، ثم أخرجتها ليلا للمارة وقلت لهم تلك آيتي كموسى إنها بيضاء كأن لم يكن بها شئ، وأخذت أستخدم يدي اليسرى لأخدعني أنا القاضي.

يا سيدي القاضي حروبنا ليست خارج جماجمنا، حروبنا لا تحتاج لكل هذا الرصاص العشوائي في كل مكان، لمن نوجه البنادق ونحن نقاتل ظلالنا في الخفاء؟.

حين أراد ديكارت أن يبدأ من الصفر، لم يهدم العالم الخارجي، بل هدم الجدران الآمنة داخل جمجمته. أدرك أن الشك ليس ضعفًا، بل هو السلاح الوحيد ضد الأساطير التي نقتات عليها مذ فطامنا. لكننا اليوم قلّبنا دليله؛ فشككنا في كل حقيقة يراها الصبح، وصدقنا كل وهم يدسه الليل في جيوبنا.

أي معضلة مضحكة تلك التي ننصبها كل يوم كلغز يحيرنا، وندس الحل في جيوبنا حتى يأتي المساء، ثم نخرجه لليل لا يرى ولا يعي معنى الضياء، نوصيه أن ذلك سرا فليخفه حتى آذان الصبح، وكأن الصبح قريب وكأننا نسينا أننا مذ ألف عام أذن للعشاء ولم نقم بعد الصلاة.

أيا سادة الجماجم على أي شئ نحاكم؟ على النوايا أم على الأفعال؟ خطأ إجابتكم كنا نُحاكم عن الفٍعل هذا نص السماء قبل أن تٌحرفوه وتحاسبونا على النوايا.

إذا أردتم تصحيح السطر فسيحتاج الأمر لمعجزة، من أين سنأتي بطبيب يُنقذ سقراط من السم، ويعيد للحلاج أوصاله المبتورة، ليُكمل تلك الكلمة المشطورة.. نصف الكلمة الباقية من حرق مداد ديكارت وابن الجعد وابن المعري وجمال الدين الأفغاني وكثيرون قُتلوا في ساحة معركة الجماجم.

كان سقراط يدرك أن أعتى السجون ليست تلك التي تُبنى من الحجر، بل تلك التي نتشبث بها داخل أفكارنا. حين جرع أثينا سمّه، لم يكن يقتل رجلًا، بل كان يختبر خوف مجتمع كامل من أن يستيقظ على عري حقيقته. لقد فضل الموت على أن يمارس تلك الخدعة التي نتقنها جميعًا: أن نساوم على عقولنا لنشتري راحة بال وهمية، ونبقي الجماجم فارغة إلا من صداها.

إنها مهزلة سيزيف ذاتها التي تحدث عنها كامو؛ نحمل صخرة أوهامنا إلى قمة الجبل، ننتظر أن يتوب اللص أو أن تنتهي الملائكة من قياس المسافات، وعندما تدحرج الصخرة إلى القاع، نبتسم بسخرية ونقول «ربما». لقد حولنا العبث من مأساة إلى عادة يومية، ونسينا أن الحرية تبدأ لحظة تتوقف فيها عن انتظار معجزة تُسقط الصخرة عن كاهلك.

لكن يا سادة أفيدوني: أيكون الرجل العاصي تظاهر بالموت ليُشغل عنا الملائكة بقياس مسافات الأرض، وتبقى جماجمنا فارغة للشياطين من الإنس ومن الجن؟.. ربما.. فنحن مذ فطامنا نتقوت على تلك الـ«ربما».. وربما نلتقي عند حرف فتعي ما كنت أقصده.

وهكذا نغلق القوس كما فتحناه، لا لنصل إلى يقين، بل لنستريح قليلًا من وطأة البحث. سنمشي خفافًا بحمولتنا من الأسئلة، نمرّ على أطلال الجماجم التي سقطت في المعركة، ونلوّح لأرواح الفلاسفة والشهداء الذين أدركوا مبكرًا أن المأساة ليست في السمّ الذي سُقوه، بل في أننا ما زلنا نشرب المصل ذاته وننتظر الشفاء. سنضع خطاطة الحقيقة في جيوبنا، ونمضي إلى عتمتنا الآمنة، متذرعين بالمخرج الأخير، تاركين للخوف أن يهمس في أذن الليل: ربما يُشرق الصباح على خالي الجماجم.. ربما.

الأسئلة الشائعة

المقال يناقش المعصية والسرقة والتوبة ومحاكمات النوايا، ويعرض صراع الإنسان مع نفسه وعقله بين الحقيقة والوهم.

استخدمهما للتعبير عن انتظار الناس لتوبة اللصوص أو العاصي بينما تبقى الأسئلة معلقة حول من يحتاج فعلًا إلى التوبة: اللص أم الشيخ أم العقول نفسها.

جاءت الإشارات لتأكيد فكرة الشك والصراع الداخلي والسجن الفكري والعبث اليومي الذي يحمله الإنسان وهو ينتظر الخلاص أو المعجزة.