لا أحد ينكر على البعض براعتهم المشهودة، فكل شخص حر في اتخاذ السطر المناسب له والمداد الذي يستهويه.. لكن ما يشغلني دائمًا مع صاحب القلم، ذلك الخيط الرفيع جدًا الذي يفصل بين النبل الفكري والتهاوي الإنساني. فليس أسهل على نفسٍ مشحونة بطاقة الغضب من أن ترى القبح فتكسره، وتغتر بحفاوة الجماهير العابرة التي تصفق بحرارة لدوي الانفجار وتطالب بالمزيد؛ لكن الإصلاح التنويري مسؤولية أخلاقية ثقيلة لا تحتمل خفة التسلية ولا نشوة الهتاف.
تتجرد البلاغة من الحكمة حينما تصبح محض استعراضٍ ضوئي؛ يضيء اللحظة بالانفجار لكنه يخلف بعدها ظلامًا. فالكلمة الناقدة، إذا لم تكن مشفوعة برؤية إعمارية، تتحول من مشرط للجراح إلى سكينٍ في يد عابر، تزيد المريض نزفًا دون أن تبرئ له جرحًا. ولعل أشد أشكال الخداع الفكري ضراوة هو ذلك الذي يلبس فيه الغضب ثوب التنوير، فتتحول النوايا الحسنة إلى جرف يهوي بصاحبه وبمن تبعه إلى قاع العدمية.
تجربة الكثيرين الآن تقف كبيان علمي؛ حينما ينخدعون ببلاغة الحرف والعبارة الساطعة، فيحولون الفكر إلى ما يشبه “الحشيش” الكيميائي الذي يدغدغ مشاعر الغضب ويغيّب الوعي، بدلًا من أن يوقظه على حقائق البناء.
تجد نفسك وأنت تقرأ لهم، أنك أمام استحضار تام لشخصية “صلاح أبو العزم”، التي جسدها الفنان يحيى الفخراني في فيلم “الكيف”. ذلك الكيميائي الذي أراد إنقاذ شقيقه “المزاجنجي” من براثن الإدمان، فسقط في فخ الغرور العلمي، وأراد إثبات أن المخدرات مجرد وهم كيميائي، فتورط بنفسه في تصنيعها عبر فكرة اشتراها منه “البهظ” وادخرها لسلاحه الخاص.
وهنا تكمن المأساة: هل كان الأولى بـ “أبو العزم” إهدار علمه لإثبات وهمية المخدرات بالنزول إلى السوق، أم إنارة العقول بالبحث العلمي التنويري الراسخ؟ لقد انشغل بهدم صور قديمة وإرضاء شقيقه، بدلًا من زرع فسيلة تنمو للغد.
أخطأ “أبو العزم” حين استبدل البناء العلمي الرصين بالنقد السهل والحلول السريعة، وصنع مادة بديلة دفع بها للسوق؛ فنسي أنه بتحوله من عالم في محرابه إلى مُورّد لـ “الكيف” — وإن اختلفت خلطته — فتح الثغرة لـ “البهظ” ليستغل شططه ويحوله إلى سلاح فتاك.
تتجلى المأساة الفلسفية حين يظن المثقف أنه أذكى من الواقع، فيستعير أدوات الهدم ليمارس بها لعبة التغيير، تمامًا كمن يحاول إطفاء النار بالبنزين لمعاقبة اللعب باللهب؛ وهنا ينقلب السحر على الساحر، فيغدو النقد العنيف مجرد الوقود الذي يحرك العجلة التي يزعم الكاتب أنه جاء ليوقفها.
ينسى أو يتناسى الكثيرون، أن العلم لا يحارب الجهل بتبني أدوات الجهل نفسها، ولا بالنقر على أوتار الغضب الشديد، بل بنشر النور الهادئ والمستدام.
وبعيدًا عن الفلسفة، يعلمنا التاريخ أن من بحثوا عن الله في كل شيء وصنعوا التحولات الكبرى كانوا رسلًا وأنبياء وأهل علم حقيقيين، وما من أحد منهم هدم رمزا أو بنيانًا قبل أن يجد تعريفا حقيقيًا وقيميًا يهديه للناس ويجمعهم عليه.
بناء الإنسان وإحياء الوعي يتطلبان نفسًا طويلًا وزهدًا في الثناء الفوري؛ فالمصلح الصادق كالمزارع الذي يغرس البذرة وهو يعلم أنه قد لا يستظل بظلها، أما الكاتب الباحث عن نشوة التأثير السريع فهو كمن يحرق الغابة ليلفت الأنظار إلى شرارة يملكها.. أن تكون كاتبًا ألمعيًا فهذا شيء عادي، فهذا شأن يتكرر كثيرًا؛ للبلاغة مريدوها، وللغضب زبائنه، وللصدى الجماهيري حلاوةٌ تستدرج أعتى العقول. لكن أن تكون صاحب رسالة علمية، فتلك مكابدةٌ من نوع آخر.. مكابدةٌ تتطلب زهدًا في صخب التصفيق، وصبر المزارع الذي يغرس الفسيلة وهو يعلم أنه قد لا يستظل بظلها.
يتجلى الفرق بين هذا وذاك في القدرة على التسامي فوق لحظة الغضب، والانحياز لدور “المشرط الذي يطبب” بدلًا من “السكين التي تجرح”. فالرسالة العلمية ليست مجرد درجة تُكتب على غلاف كتاب، بل هي بوصلة أخلاقية تُوجّه الحرف ليضيء العقول ويدلها على الطريق، لا ليُشعل الحرائق ويتوارى خلف دخانها.
الهدم أسهل ما يكون، أما الإصلاح فهو بناء ومسؤولية؛ والمصلح الحقيقي لا يسحب من الإنسان قشته التي يتمسك بها وسط الموج المتلاطم، إلا بعد أن يمد له طوق النجاة الحقيقي الذي يقيه الغرق.
وفي النهاية، يظل الرهان الحقيقي للكاتب هو قدرته على المقاومة دون أن يسقط في فخ المشهدية. فالناس في أوقات التيه لا يحتاجون إلى من يُعرّي لهم ظلامهم فحسب، بل إلى من يمسك بأيديهم ويضيء لهم سبل الخروج.
يناقش المقال خطورة استخدام البلاغة والنقد الغاضب كأداة للهدم فقط دون رؤية إعمارية أو علمية واضحة
استشهد بشخصية صلاح أبو العزم لتوضيح كيف يمكن أن يتحول السعي للإصلاح إلى فخ غرور علمي ونقد سهل يقود إلى نتائج عكسية
الرسالة هي أن الإصلاح يحتاج بناءً ومسؤولية ونفسًا طويلًا، لا إلى صخب لحظي أو أدوات هدم تشبه الجهل الذي يُراد مقاومته


