عثر على بقايا سفينة تجارية تعود إلى العصر البرونزي المبكر، تحمل جراراً فخارية ومراسي حجرية، في اكتشاف قد يعيد رسم تاريخ الملاحة البحرية في البحر المتوسط، في اكتشاف أثري يسلط الضوء على تاريخ الملاحة والتبادل التجاري بين الحضارات القديمة.

وأعلن باحثون العثور على حطام سفينة قبالة سواحل تركيا، يُقدر عمره بنحو 4400 إلى 4700 عام، ما يجعله مرشحاً لتسجيل رقم قياسي بوصفه أقدم حطام سفينة معروف في العالم، متجاوزاً اكتشافاً سابقاً قرب جزيرة دوكوس اليونانية يعود إلى نحو 4200 عام.

ويقع الحطام بالقرب من جزيرة كيكوفا في ولاية أنطاليا جنوب غربي تركيا، حيث عثر الباحثون على بقايا شحنة تضم أكثر من 30 إناءً فخارياً كبيراً وثلاثة مراسٍ حجرية، في حين لم يصمد الهيكل الخشبي للسفينة أمام مرور آلاف السنين تحت الماء وتشير التقديرات الأولية إلى أن السفينة كانت مخصصة لنقل البضائع عبر البحر المتوسط، ويُرجح أن طولها بلغ نحو 10 أمتار، وأنها أبحرت في فترة كان العالم القديم يشهد خلالها تطوراً في شبكات التجارة والاتصال بين المجتمعات الساحلية.

الجرار الفخارية تكشف عمر السفينة

لم يكن تحديد عمر الحطام أمراً سهلاً، إذ اختفت الأجزاء الخشبية التي كان من الممكن إخضاعها لاختبارات التأريخ بالكربون المشع، لذلك اعتمد الفريق البحثي على دراسة شكل الأواني الفخارية وخصائص تصنيعها، وهي من الوسائل التي يستخدمها علماء الآثار لتحديد الفترة الزمنية التي تعود إليها المكتشفات.

وتتميز الجرار التي عُثر عليها في كيكوفا بتصميم يتضمن مقبضين ونتوءاً في منتصف الجسم وقاعدة مسطحة، وأظهرت المقارنات بينها وبين أوانٍ اكتُشفت في مصر ومناطق أخرى من الشرق الأوسط وجود تشابهات تدعم إرجاعها إلى العصر البرونزي المبكر، قبل نحو 4400 إلى 4700 عام.

وكان الغواصون قد رصدوا القطع الأثرية للمرة الأولى عام 2022، لكنهم لم يتوقعوا في البداية أن تكون مرتبطة بسفينة بهذا القِدم، ومع إجراء المزيد من المقارنات الأثرية، بدأت تتضح أهمية الموقع واحتمالاته التاريخية.

وقال البروفيسور هاكان أوينيز، من جامعة أكدينيز التركية، الذي قاد بعثة جمعية الآثار المتوسطية، إن الحطام يمثل أشبه بكبسولة زمنية تحفظ جانباً من تفاصيل الحياة والتجارة في العالم القديم.

بقايا غامضة داخل الأواني

ولا تقتصر أهمية الاكتشاف على عمر السفينة، بل تمتد إلى ما قد تكشفه حمولتها عن السلع التي كانت تُنقل بحراً قبل آلاف السنين فبعد انتشال عدد من الجرار إلى السطح، لاحظ الباحثون وجود بقايا لزجة ولامعة داخل بعضها، ما أثار تساؤلات بشأن طبيعة المواد التي احتوتها.

وتخضع الأواني حالياً لأعمال الترميم والفحص، في محاولة لتحديد مكونات هذه البقايا ومعرفة ما إذا كانت تمثل آثاراً للشحنة الأصلية أم ناتجة عن استخدام الجرار في مراحل لاحقة، وتدرس عالمة الآثار كارين سوادا، من جامعة ماكواري الأسترالية، احتمالات متعددة لطبيعة المحتويات، من بينها زيت الزيتون أو النبيذ أو راتنج الأشجار.

غير أن تحديد المادة بصورة نهائية يتطلب تحليلات إضافية، ولا يزال من المبكر الجزم بما كانت تنقله السفينة تحديداً، ويرى الباحثون أن الجرار الكبيرة ربما استُخدمت في نقل السلع وتخزينها، ثم أُعيد استعمالها بعد تفريغها، وهو أمر يساعد على تفسير وجود بقايا داخل بعض الأوعية رغم مرور هذه المدة الطويلة.

إلى أين كانت تتجه السفينة؟

لا تزال وجهة الرحلة غير معروفة على وجه الدقة، لكن موقع الحطام وطبيعة المكتشفات يفتحان المجال أمام فرضيات بشأن مسار السفينة، ويرجح الباحثون أنها انطلقت من منطقة تقع على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وربما كانت متجهة إلى مراكز تجارية في غرب المنطقة، مثل طروادة، الواقعة في شمال غربي تركيا حالياً، أو جزيرة كريت.

وفي تلك الحقبة، لم تكن التجارة البحرية تقتصر على المواد الغذائية، بل شملت سلعاً متنوعة، من المعادن والعاج والمنسوجات إلى الفخار ومواد أخرى ذات قيمة اقتصادية.

وكانت السفن تؤدي دوراً أساسياً في نقل هذه المنتجات بين المجتمعات الساحلية، بما يتيح تبادل السلع والخبرات والثقافات، وقد تساعد دراسة الجرار والمراسي وغيرها من البقايا على تحديد منشأ الحمولة بصورة أدق، وربطها بمراكز الإنتاج والتجارة في المنطقة، فضلاً عن تقديم معلومات جديدة عن تقنيات الملاحة المستخدمة آنذاك.

اكتشاف يعيد النظر في تاريخ السفن الغارقة

تكتسب نتائج البحث أهمية خاصة إذا تأكد التأريخ المقترح، إذ يمكن أن يتقدم حطام كيكوفا على حطام سفينة جزيرة دوكوس في اليونان، الذي يعود إلى نحو 4200 عام، وكان يُعد من أقدم حطام السفن المعروفة، ومع ذلك ينبغي التمييز بين أقدم حطام سفينة يُكتشف على الإطلاق وأقدم حطام لا تزال أجزاء من هيكله الخشبي محفوظة فيه، فهناك حطام أقدم من حيث البقايا الأثرية والحمولة، بينما يعود أحد أقدم الأمثلة المعروفة التي احتفظت بأجزاء خشبية إلى نحو 2400 عام، وقد عُثر عليه في البحر الأسود قبالة سواحل بلغاريا.

وتفرض ظروف الموقع تحديات على أعمال البحث، إذ لا تتجاوز مدة الغوص المتاحة للباحثين نحو 30 دقيقة في المرة الواحدة، وفقاً للتقرير، ما يجعل توثيق القطع وانتشالها وفحصها عملية دقيقة تتطلب وقتاً وجهداً، وبينما تتواصل الدراسات، يظل الحطام شاهداً نادراً على عالم البحارة والتجار الذين عبروا البحر المتوسط قبل آلاف السنين، وقد لا تكشف الأواني والمراسي وحدها عن طبيعة البضائع التي حملتها السفينة، لكنها قد تساعد العلماء على فهم أوسع لطرق التجارة البحرية، والروابط التي جمعت حضارات العالم القديم قبل آلاف السنين.

الأسئلة الشائعة

عُثر عليه قبالة سواحل تركيا بالقرب من جزيرة كيكوفا في ولاية أنطاليا جنوب غربي البلاد

يُقدر عمر الحطام بنحو 4400 إلى 4700 عام ويعود إلى العصر البرونزي المبكر

وُجدت أكثر من 30 إناءً فخارياً كبيراً وثلاثة مراسٍ حجرية بينما لم يبقَ الهيكل الخشبي للسفينة