كشفت قمة المجلس الأوروبي الأخيرة، المنعقدة في بروكسل، عن تحول استراتيجي جوهري في التعاطي الأوروبي مع الملف الأوكراني، حيث انتقل النقاش من “مبدأ تقديم الدعم” إلى الخلاف حول “شروطه، كلفته، ومصادره”. وجاء تأجيل القمة للقرارات الحاسمة بشأن التمويل ليسلط الضوء على عمق الضغوط المالية والسياسية الداخلية التي يواجهها الاتحاد.

وفي قراءة تحليلية نشرها “المركز العربي للبحوث والدراسات”، تبيّن أن قرار تأجيل نقاش تمويل كييف لم يكن مجرد إجراء إداري، بل هو “قرار سياسي بامتياز” يعكس إعادة ترتيب الأولويات الأوروبية، حيث تقدمت اعتبارات الموازنة الداخلية الهيكلية والملفات السياسية الحساسة، مثل الهجرة، على استحقاقات الدعم العسكري المباشر.

ثلاثة مسارات متداخلة تجمّد القرارات

ويرى التحليل أن المشهد الأوروبي الراهن يتحرك ضمن ثلاثة مسارات متشابكة أدت إلى حالة “الجمود المؤقت” في القرارات الكبرى:

المسار المالي وقيود الموازنة: يواجه الاتحاد ضغطًا مزدوجًا؛ الأول يتمثل في التفاوض الصعب على الموازنة طويلة الأمد (2028-2034) ورغبة دول مانحة كبرى (على رأسها ألمانيا) في خفض الإنفاق، والثاني هو بروز نهج “التضامن المشروط”. ويتمثل هذا النهج في مطالبة دول مثل النمسا لكييف بـ “الشفافية الكاملة” وتوضيح أرقامها الاحتياجية، وربط صرف الدفعات المتبقية من حزمة الـ 90 مليار يورو بتنفيذ إصلاحات هيكلية متفق عليها، تحت قاعدة “المال مقابل الإصلاح”.

المسار الأمني-الاجتماعي (الهجرة): تشهد أوروبا انزياحًا نحو التشدد، حيث تتصاعد الدعوات بقيادة دول “مجموعة الخمس” (ألمانيا، النمسا، اليونان، الدنمارك، هولندا) لتعليق حق اللجوء في الأزمات الطارئة وإنشاء مراكز عودة خارج الاتحاد. هذا الملف بات يضغط بقوة على صانع القرار الأوروبي ويؤثر على تماسك المواقف تجاه الملفات الأخرى.

المسار القانوني-المالي (الأصول الروسية): عاد النقاش بقوة حول استخدام الأصول الروسية المجمدة كبديل “أقل كلفة على دافع الضريبة الأوروبي” لتمويل 2027 وما بعدها. ومع انفتاح دول مثل أيرلندا على هذا الخيار لـ “أسباب أخلاقية وسياسية”، لا تزال “العقبة البلجيكية” قائمة بسبب المخاوف من الملاحقات القضائية وتضرر الثقة في النظام المالي الأوروبي، مما يجعله خيارًا احتياطيًا مؤجلًا وليس مسارًا تنفيذيًا حاليًا.

فجوة 2027.. الاختبار الحقيقي

وأوضح التحليل أن تأجيل النقاش حاليًا لا يعني غياب التمويل الفوري، حيث أقر الاتحاد وكييف بعدم وجود فجوة تمويلية خارجية لعام 2026. لكن الاختبار الحقيقي للتضامن الأوروبي سيبرز عند مناقشة احتياجات ما بعد 2026، حيث سيتزامن استحقاق فجوة التمويل لعام 2027 مع ذروة ضغوط مفاوضات الموازنة الجديدة والروزنامة الانتخابية في دول أوروبية محورية (فرنسا، إسبانيا، بولندا، إيطاليا).

تآكل الإجماع وبحث عن بدائل

وتخلص القراءة إلى أن “الإجماع الأوروبي بدأ يتآكل في لغة الصياغة قبل القرارات التنفيذية”، مستشهدة بتليين لهجة مسودة استنتاجات القمة تجاه تسريع مفاوضات انضمام أوكرانيا تحت ضغط المجر وبلغاريا.

وفي حين يؤكد الدبلوماسيون الأوروبيون استمرار دعم الاتحاد وشركائه (بريطانيا، كندا، النرويج) لكييف، فإن الاتجاه العام يسير نحو تضييق مساحة المناورة، وارتفاع الكلفة السياسية للدعم المباشر، والبحث المتزايد عن “مصادر تمويل غير مباشرة” وشراكات خارج عباءة موازنة الاتحاد الأوروبي التقليدية.

الأسئلة الشائعة

لأن النقاش انتقل إلى شروط التمويل وكلفته ومصادره، مع تصاعد الضغوط المالية والسياسية داخل الاتحاد وتقدم ملفات الموازنة والهجرة على الدعم المباشر

هو ربط الدعم المالي لأوكرانيا بالشفافية الكاملة وتوضيح الاحتياجات وربط صرف الدفعات المتبقية بتنفيذ إصلاحات هيكلية وفق قاعدة المال مقابل الإصلاح

لا، فالمقال يوضح أن الاتحاد وكييف أقرّا بعدم وجود فجوة تمويلية خارجية لعام 2026، بينما يبقى الاختبار الحقيقي بعد ذلك