وأنت تقرأ لأنطونيو سكارميتا تتأكد أنك أمام كاتب يعرف أن الحياة أكبر من الأفكار التي نحاول أن نشرحها بها، وأن الإنسان قد يقول أشياء كثيرة عن الحرية وهو لا يعرف معناها، ثم تأتي حكاية صغيرة، عن شاب يعمل ساعي بريد أو امرأة تنتظر حبيبًا أو رجل اضطر إلى مغادرة بلاده، لتجعلك تفهم ما عجزت عن فهمه طوال حياتك. لا يتعامل سكارميتا مع الأدب باعتباره درسًا في السياسة، ولا يحتاج أن يمنح شخصياته أهمية ما، هو يقترب منها وهي تحب وتخاف وتحلم وتخطئ، ويتركنا نكتشف، من خلال مصائرها، ما الذي تفعله الأنظمة القمعية بالبشر، وكيف يمكن للقصيدة أن تدخل حياة إنسان عادي فتغير الطريقة التي ينظر بها إلى نفسه وإلى العالم. أنطونيو سكارميتا (1940 ــ 2024) واحد من الكتاب التشيليين الذين عرفوا كيف يضعون التجربة الإنسانية في قلب الحكاية السياسية، بدون أن يفقدوا خفة السرد أو متعة القراءة، ولهذا السبب ظلت أعماله قادرة على الوصول إلى قراء لا يعرفون الكثير عن تاريخ تشيلي، ولا يحتاجون إلى معرفة تفاصيله كلها حتى يشعروا بما أصاب أهلها.
أفكر في سكارميتا كلما قرأت روايته “ساعي بريد نيرودا”. تبدأ الحكاية من علاقة تبدو بسيطة بين ماريو، الشاب الذي يعمل ساعي بريد، والشاعر التشيلي بابلو نيرودا، الذي يتلقى رسائل كثيرة من محبيه. لا يحتاج ماريو إلى معرفة واسعة بالشعر حتى يبدأ اهتمامه بالرجل الذي يحمل إليه الرسائل؛ تكفيه فرصة الاقتراب منه، ثم رغبته في فهم الكلمات التي يكتبها، ليكتشف أن اللغة قادرة على منحه أشياء لم يكن يعرف كيف يطلبها. يريد أن يكتب إلى امرأة يحبها، فيلجأ إلى نيرودا، ويتعلم منه شيئًا عن الاستعارة والصورة الشعرية، ثم يمضي في اكتشاف العالم من خلال الكلمات التي تساعده على التعبير عما يشعر به.
ما يعجبني في هذه العلاقة أن ماريو، الذي لم يكن الشعر جزءًا من حياته قبل هذه الصداقة، يبدأ في اكتشاف أن الأشياء المحيطة به تحمل معاني تتجاوز استعمالاتها اليومية، وأن البحر الذي يراه كل يوم يمكن أن يصبح مادة للكتابة، وأن الحب يحتاج إلى لغة يستطيع بها الإنسان الاقتراب من الآخر، وأن الكلمات التي يقرأها في كتاب قد تساعده على فهم مشاعر ظلت مبهمة في أعماقه. هنا تكمن إحدى أجمل أفكار الرواية: أن الأدب يساعد الإنسان على الانتباه إلى الحياة التي يعيشها بالفعل، وعلى العثور على الكلمات التي يحتاج إليها كي يعبر عنها.
لم تكن علاقة ماريو بنيرودا مجرد حكاية عن شاب يتعلم الشعر من شاعر كبير، فقد وضع سكارميتا هذه الصداقة داخل واقع سياسي تتغير فيه أحوال البلاد، وتتداخل فيه الحياة الشخصية مع مصير الجماعة. نيرودا شاعر معروف ومثقف حاضر في المجال العام، وماريو شاب من أبناء الطبقات البسيطة، لا يمتلك نفوذًا ولا مكانة ثقافية، ومع ذلك تنشأ بينهما علاقة تسمح لكل واحد منهما بالاقتراب من عالم الآخر. لا يتوقف الأمر عند اختلاف التجربة أو المكانة، فالشعر نفسه يصبح وسيلة للتواصل بين رجلين لا تجمعهما ظروف الحياة المعتادة. وحين تتقدم الأحداث السياسية وتقترب من حياة الشخصيات، نكتشف أن المصائر الفردية لا تعيش خارج التاريخ، وأن ما يجري في القصر الرئاسي أو في الشوارع قد يصل في النهاية إلى بيت صغير، وإلى علاقة حب، وإلى شاب كان يريد أن يتعلم كيف يكتب رسالة جميلة إلى امرأة يحبها.
أحب في سكارميتا أنه لم ينسَ ماريو وهو يكتب عن نيرودا. كان يستطيع أن يجعل الشاعر الكبير محور الرواية، وأن يكتفي برسم صورة أدبية لشخصية حقيقية ذات مكانة استثنائية، لكنه اختار أن يمنح المساحة الأوسع لشاب عادي، وأن يجعل شهرة الشاعر مدخلًا إلى حياة رجل لا يعرفه العالم. ومن خلال هذا الاختيار، تتسع الحكاية لتشمل أشخاصًا كثيرين لا تلتفت إليهم الكتب المدرسية ولا تحفظ أسماءهم سجلات التاريخ، مع أنهم يعيشون الأحداث الكبرى ويدفعون أثمانها. لا يحتاج ماريو إلى أن يصبح بطلًا سياسيًا حتى تستحق حياته أن أن تكون مادة للكتابة؛ تكفي رغبته في الحب، ومحاولته فهم الشعر، وحقه في أن يعيش حياة كريمة، كي يصبح واحدًا من أولئك الأشخاص الذين نتذكرهم طويلًا بعد الانتهاء من القراءة.

الأسئلة الشائعة

تقوم الرواية على علاقة بسيطة بين ماريو ساعي البريد وبابلو نيرودا، وتكشف كيف يمكن للشعر واللغة أن يغيرا نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى العالم

ماريو يريد أن يكتب إلى امرأة يحبها، فيلجأ إلى نيرودا ويتعلم منه الاستعارة والصورة الشعرية ليعبّر عما يشعر به ويقترب من الآخر بلغة أوضح

لأن سكارميتا وضع الصداقة بين ماريو ونيرودا داخل واقع سياسي متغير تظهر فيه آثار الأحداث الكبرى على حياة شخصية بسيطة وعلاقة حب عادية