في الغرف المغلقة، وأروقة الأحزاب، وراء الشاشات وفي صالونات النخبة، يدور حوار سرمدي لا ينتهي حول الدستور، والبنود، والخلفيات الأيديولوجية، وشكل الحكم.

لكن بمجرد أن تخطو قدمًا خارج هذه الصالونات لتستقل وسيلة مواصلات عامة، أو تجلس على مقهى شعبي، أو تستمع إلى حديث عائلي حول طاولة طعام لأسرة مصرية بسيطة، تكتشف أنك انتقلت إلى عالم آخر تمامًا يحكمه المنطق الفطري البسيط؛ حيث المعيشة أولًا. وأخيرًا. فالشعب الذي يتحدث عنه الكثيرون دون أن ينزلوا إلى عمق نبضه، لا تشغله الأيديولوجيات ولا التسميات، فهو شعب الساعين للحياة لا المناصب، ينظر إلى السياسة على أنها مساحة ملء فراغ في أوقات الراحة وليست عقيدة يقاتل من أجلها. لم يقرأ معظم أفراده بنود الدستور كلمة بكلمة، لكنه عندما صوّت، صوّت بناءً على رغبة فطرية واحدة تتلخص في أن تكون البلد تمام، وأن يستقر عيشه وتصان كرامته.

ولأن التاريخ المصري الحديث يعلمنا أن الأداء والنتائج على الأرض هي العملة الوحيدة المعترف بها لدى الأسرة المصرية، فإن المواطن البسيط يُقَيّم الدولة والحكومة من خلال قدرتها على كبح جماح الأسعار، وتوفير فرصة عمل لابنه، وتأمين علاج لوالديه، وإتاحة تعليم محترم لأطفاله. وعندما يتحقق الاستقرار المعيشي والأمان، يتراجع الانشغال بالخلفيات السياسية للحاكم؛ فالشارع ينظر إلى ما قُدّم له لا إلى من أين جاء من يقدمه، ولذلك فإن مسألة تعديل الدستور أو عدمه تظل بالنسبة للمواطن نقاشًا نخبويًا لا يوفر خبزًا ولا يُسكن ألمًا، إلا إذا كان لهذا التعديل أثر مباشر وملموس على حياته اليومية.

أثبت الشارع المصري مرارًا وتكرارًا أنه لا ينحاز للأشخاص بقدر ما ينحاز للأفعال والنتائج، فبينما كانت الصراعات السياسية تحتدم عبر العقود حول هويات الحكام وخلفياتهم، ظل المواطن العادي يبحث عن الاستقرار الذي يتيح له الذهاب إلى عمله والعودة إلى بيته سالمًا آمنًا.. هذه البساطة الواعية في التفكير هي التي تحمي النسيج المجتمعي من التمزق وقت الأزمات، وهي التي تعصم الشارع من الانجرار خلف الاستقطاب الأيديولوجي العقيم الذي لا يغني ولا يسمن من جوع، لأن الإنسان بطبيعته مفطور على حب الاستقرار والستر ورفض الفوضى.

كما أن العلاقة بين الشارع والسلطة في مصر بُنيت تاريخيًا على مفهوم “الرعاية والمسؤولية” قبل أن تُبنى على مفاهيم التنظير الحزبي. فالمواطن يتوقع من مؤسسات الدولة أن تكون مظلة حماية ورعاية، وهو في سبيل ذلك يتسامح مع الكثير من التفاصيل الإجرائية طالما شعر أن البوصلة العامة تتجه نحو المصلحة الوطنية الشاملة. غير أن هذا التسامح الفطري يرتبط دائمًا بشرط غير مكتوب، وهو ألا تتسع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي الذي تعيشه الأسر في بيوتها يوميًا.

وفي هذا السياق المعيشي والسياسي، يأتي المقترح الذي أُعلن عنه مؤخرًا بشأن صياغة قانون يُتيح اختيار نحو مئتي شخصية من حملة الدكتوراه وتدريبهم لمدة ثلاثين شهرًا داخل الأكاديمية العسكرية ليكونوا النواة التي يُختار منها رئيس للجمهورية بحلول عام 2030، وهو طرح يدعونا لقراءته من زاويتين متكاملتين؛ الأولى هي النظرة الإدارية البحتة لتجهيز الصف الثاني وصناعة رجال دولة يجمعون بين المعرفة الأكاديمية والتأهيل المؤسسي لتفادي الارتجال، والثانية هي النظرة القانونية والدستورية التي تثير تساؤلات حقيقية.

فالدستور المصري يحدد شروط الترشح لرئاسة الجمهورية بوضوح دون اشتراط المرور بمؤسسة بعينها أو اجتياز دورات محددة، وإذا أدى أي تشريع قادم إلى تحويل هذا المسار التأهيلي من خيار إعداد اختياري إلى قيد حتمي أو شرط تفضيلي حصري للترشح، فإننا نكون بصدد تعديل ضمني وموضوعي للدستور، لأنه يضيف شرطًا جوهريًا جديدًا لمنصب الرئيس لم ينصه الدستور الأصلي، مما يتطلب مسارًا دستوريًا وتوافقًا وطنيًا عريضًا.

ويظل هناك سؤال يحتاج إلى إجابة.. هل الطرح المتعلق بالتأهيل المباشر للكوادر عبر الأكاديمية العسكرية يحمل في طياته اعترافًا ضمنيًا وثقيلًا بعجز الأحزاب السياسية عن القيام بدورها التاريخي والتقليدي كمطابخ لصناعة القيادات ورجال الدولة؟؛ ففي التجارب السياسية الراسخة، تُعتبر الأحزاب هي المعامل الطبيعية التي ينبت فيها السياسي ويحتك بالقواعد الشعبية ويتدرج في العمل العام حتى يصبح قادرًا على طرح رؤاه وإدارة مقدرات البلاد. واللجوء إلى المؤسسات التدريبية للجمهورية لإعداد رؤساء المستقبل يراه البعض محاولة لتجاوز ضعف الحياة الحزبية المتراكم. وضمان توفير كفاءات تجمع بين التخصص العلمي والانضباط المؤسسي بعيدًا عن الارتجال والصراعات الضيقة، غير أن هذا التوجه يطرح في الوقت ذاته إشكالية جوهرية حول مستقبل العمل السياسي ذاته، حيث يرى فريق آخر أن بناء رجال الدولة لا يكتمل بالنظريات القاعية والبرامج المكثفة المغلقة فحسب، بل يتطلب احتكاكًا حيًا بالمواطنين وممارسة ميدانية تنافسية تُصقل الشخصية القيادية من رحم الشارع والمجتمع.. وكم يحتاج هذا من الوقت ليحدث.. أيكفيه ٤٣ شهرا!.

عندما نتأمل تفاصيل هذا المقترح بعين فاحصة، نجد أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في النصوص الدستورية المكتوبة، بل في مدى قدرة مثل هذه المسارات على الاندماج بسلاسة مع مبدأ تكافؤ الفرص والانفتاح الديمقراطي. فبناء كوادر قوية ومؤهلة علميًا ومهنيًا يعد ضرورة حتمية لأي دولة ترغب في استشراف المستقبل وإدارة مؤسساتها بكفاءة عالية، غير أن هذه الكفاءة يجب أن تُختبر في ميدان العمل العام وتنافسية الحياة السياسية الحرة، لضمان أن يظل الشعب هو صاحب الكلمة الأولى والاختيار الأخلص في اختيار من يقوده نحو غده المأمول.

تظهر التجارب الدولية المتقدمة في صناعة الكوادر القيادية عادة توازنًا دقيقًا بين التدريب التخصصي والخبرة العملية الميدانية في أجهزة الدولة المدنية والمجتمع المدني. فالقيادة التنفيذية لمؤسسات الحكم تتطلب معرفة شاملة بأعماق الاقتصاد المحلي والتوازنات الاجتماعية وطبيعة الإدارة الحكومية وتطوير الخدمات، وهي أمور تكتمل برصف المعرفة الأكاديمية الراسخة بالاحتكاك المباشر اليومي بمشاكل المواطنين ومتطلباتهم.

فهم طبيعة هذا الشعب البسيط الساعي نحو الستر والأمان يوفر على الوطن الكثير من الجدل وحوارات الصالونات العبثية، فالاستثمار في إعداد وتأهيل الكوادر أمر محمود شريطة أن يظل متوافقًا مع روح الدستور وتكافؤ الفرص، وفي المقابل يظل الرهان الحقيقي متمثلًا في قدرة أي نظام أو حاكم قادم على تحقيق المعادلة الذهبية المتمثلة في الأمان والكرامة والمعيشة المستقرة.

لقد هتف هذا الشعب باسم مصر طوال تاريخه، ولم يكن يومًا طامحًا في أكثر من أن تكون بلده بخير، وأن يستشعر ثمرة تعبه في قوت يومه ومستقبل أبنائه، وهذه الحقيقة المجرّدة هي البوصلة الوحيدة التي يجب أن تهتدي بها كل القوانين وتعديلات الدساتير وخطط المستقبل.

لا أعرف بالتحديد ما يدور في رأس السلطة، لكنني أدرك تمامًا أنه خوف مستحق مشروع لما يمكن أن تسير إليه الأمور إن تُركت دون ضوابط أو مظلة تنظم الانتقال؛ غير أن السؤال الجوهري يظل قائمًا: هل تحديد مسار محدد للوصول إلى الرئاسة يصطدم مع أبسط مبادئ الديمقراطية وتكافؤ الفرص، أم أنه تكييف شرعي وواقعي يتناسب مع الطبيعة الخاصة للوضع المصري ومقتضيات أمنه القومي؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام القادمة وحصاد التجارب على أرض الواقع.

الأسئلة الشائعة

يريد الاستقرار المعيشي أولًا، وكبح الأسعار وتوفير العمل والعلاج والتعليم المحترم، مع الحفاظ على الكرامة والأمان

المقترح هو اختيار نحو مئتي شخصية من حملة الدكتوراه وتدريبهم ثلاثين شهرًا داخل الأكاديمية العسكرية ليكونوا النواة التي يُختار منها رئيس للجمهورية بحلول عام 2030

لأن الدستور المصري يحدد شروط الترشح للرئاسة بوضوح دون اشتراط المرور بمؤسسة بعينها أو اجتياز دورات محددة، وأي تحويل لهذا المسار إلى شرط للترشح قد يعد تعديلًا ضمنيًا للدستور