يقول الفيلسوف أوشو: متى أدركنا معنى الشغف، فلن يكون من الصعب إدراك معنى العطاء أو التسامح. فالشغف حالة جسدية مادية، إنه خضوعك لسيطرة الجسد دون وعي بالنتائج، ويعني أنك لست سيد نفسك، بل عبد لانفعالاتك.

التسامح يعني أنك تجاوزت حاجات الجسد وتخطيت الحواجز النفسية، أي أنك تحررت من عبودية الجسد وأصبحت سيد نفسك. وهكذا صرت تتصرف بوعي، دون الخضوع لقوى خارجية تتحكم في قراراتك. أنت الآن حر في التصرف بكامل طاقتك، وأصبح بمقدورك تحويل الشغف إلى عطاء.

منذ الأزل، عرف التاريخ قصصًا عن أشخاص لم يعرفوا العطاء، ولم يكتفوا يومًا بما يملكون من المال. ومن هؤلاء الملك ميداس، البطل الأسطوري اليوناني الذي طلب من الإله ديونيسيوس أن يحقق له أمنية، وهي أن يتحول كل ما يلمسه إلى ذهب. لكن طعامه وشرابه تحولا إلى ذهب أيضًا، وكاد يموت جوعًا وعطشًا.

الناس جشعون، هذا ما أثبتته الحروب والكوارث. كنت أسأل نفسي باستمرار: لماذا نحن هكذا؟ نحن لطفاء ومتعاطفون، لكننا أيضًا أنانيون ومتهورون. نعطي وندخر، نبني وندمر. فما مشكلتنا؟ وما الذي يحركنا؟

تقف البشرية أمام مفترق طرق، وأعتقد أننا نعيش لحظة تاريخية. لقد استُنزفت البيئة المادية إلى درجة تجعل العناية بها ضرورة ملحة. والحرب قضية تستحق منا التفكير في أسبابها: لماذا يحدث كل هذا؟

كثيرون من البشر غير سعداء، وفوق ذلك، يتواصل العداء بينهم. هناك جشع لا حدود له، يرتبط بصعوبات أخرى تهدد الجنس البشري إذا عجزنا عن تمييزها والتعامل معها.

هكذا يقول شيلدون سولومون، عالم النفس الاجتماعي والأستاذ في كلية سكيدمور الأمريكية، ويتابع: البشر، من ناحية، يشبهون الأنواع الحيوانية الأخرى في امتلاكهم الميول الأساسية للبقاء، لكنهم، من ناحية أخرى، أذكياء بما يكفي لإدراك وجودهم. وهذا الإدراك يمثل عبئًا وجوديًا كبيرًا.

إذا كنت تعرف أنك موجود، فأنت تدرك أنك، مثل كل الكائنات الحية، لن تكون موجودًا يومًا ما. وإذا كان كل ما نفكر فيه هو أننا سنموت، وأن أحدنا قد يتعرض في أي لحظة لحادث قاتل، فإن هذا الخوف الدائم من الموت يصبح مدعاة للتعاسة.

ما فعله البشر منذ أن وطئت أقدامهم هذه الأرض هو البناء والحفاظ على ما يسميه علماء الأنثروبولوجيا اليوم “الثقافة”. وتقدم الثقافات المختلفة تصورات عن الخلود، ماديًا من خلال الجنة والحياة بعد الموت والتناسخ في بعض الأديان، أو رمزيًا من خلال الإيمان بأن أثرًا من شخصياتنا سيبقى عبر الزمن. لهذا نريد إنجاب الأطفال، ولهذا نبني الأهرامات، ونؤلف الكتب والسيمفونيات العظيمة، ونسعى إلى كسب الكثير من المال!

يميل البشر إلى اقتناء الكثير من الأشياء لأن ذلك يمنحهم، من الناحية النفسية، شعورًا بإمكانية البقاء إلى الأبد. وهذا السعي إلى الخلود هو ما يفجر الرغبة والطمع والجشع والصراع، ويطلق الغضب والعدائية، وفق المنظور الفلسفي البوذي. وترى الراهبة البوذية يونتسون كاندرو رينبوش أن ذلك ينشأ من محاولة الإنسان المستمرة النظر إلى كل ما هو غير صحيح.

هناك ثلاث حقائق أساسية، وفقًا للفلسفة البوذية. أولًا، أن الأشياء زائلة. ثانيًا، أن كل ما يُقال عنه وجود مستقل وثابت يفتقر إلى الجوهر الدائم. لكن ما يحدث الآن هو أننا نحاول بناء شيء يجعلنا ننسى هذه الحقيقة، ونسعى إلى جعل الأشياء دائمة. وبأي وسيلة؟ بالصراع. وهذا الصراع ينتج الحقيقة الثالثة، وهي المعاناة. عندها نبدأ بالتمسك بالأشياء، فنواصل الصراع. وهذا الصراع مسؤول عن كثير من المشكلات النفسية والعصبية، ويأتي الجشع في مقدمتها.

تقول أسطورة قديمة إن نرسيس وصل ذات يوم إلى ينبوع صافٍ، فرأى انعكاس وجهه فيه، وكأنه ينظر إلى مرآة. وحين رأى صورته، وقع في حب جماله.

وبالقياس إلى هذه الأسطورة، يقول سولومون إننا نحب أيضًا أن نرى أنفسنا مركزًا للعالم، وأن نجعل الفرد مقياسًا لكل الأشياء. لذلك نبحث عن الاعتراف وتقدير الذات، وننشئ العلاقات، ونجمع الخبرات والصور والإعجابات والسيارات والملابس والأحذية، دون أن نتوقف أمام سؤال جوهري: على حساب مَن سيكون كل هذا؟ هل أصبحنا، مثل نرسيس، أسرى حبنا لذواتنا؟

الأسئلة الشائعة

يعني التسامح تجاوز حاجات الجسد والحواجز النفسية والتحرر من عبودية الانفعالات حتى يصبح الإنسان سيد نفسه ويتصرف بوعي

لأن السعي إلى امتلاك الأشياء والشعور بإمكانية البقاء يدفعان إلى الرغبة والطمع والجشع والصراع ثم المعاناة وفق المنظور الفلسفي البوذي

يرى المقال أن إدراك الإنسان لفنائه يجعل الخوف الدائم من الموت عبئًا وجوديًا كبيرًا يدفعه إلى البناء والبحث عن الخلود ماديًا أو رمزيًا