تمر علينا اليوم الأحد الموافق 18 اكتوبر ذكرى خروج الحملة الفرنسية من مصر، حيث غادرت الحملة الفرنسية مصر رسمياً في 18 أكتوبر 180 بقيادة الجنرال جاك فرانسوا مينو، وجاء ذلك عقب احتلال استمر ما يقرب من ثلاث سنوات بدأ عام 1798 بقيادة نابليون بونابرت.
بداية الاحداث
لم يكن خروج الحملة الفرنسية من مصر مجرد انسحاب عسكري فرضته الهزيمة، بل جاء نتيجة سلسلة من التحولات العسكرية والسياسية التي أنهكت القوات الفرنسية، وقطعت خطوط إمدادها، وضيّقت الخناق على حامياتها في المدن المصرية، حتى انتهى الوجود الفرنسي بالاستسلام والرحيل عام 1801، بعد نحو ثلاث سنوات من الاحتلال الذي بدأ بوصول نابليون بونابرت إلى مصر عام 1798.
وبين المعارك التي خاضتها القوات البريطانية والعثمانية ضد الفرنسيين، والمفاوضات التي أعقبت تراجع قدرتهم على المقاومة، تشكلت الفصول الأخيرة للحملة، لتفتح مغادرتها الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع على السلطة في مصر.
تحطم الأسطول الفرنسي.. بداية تراجع المشروع الاستعماري
واجهت الحملة الفرنسية أولى أزماتها الكبرى عندما دمر الأسطول البريطاني بقيادة هوراشيو نيلسون الأسطول الفرنسي في معركة أبي قير البحرية عام 1798، وهو ما أضعف اتصال القوات الفرنسية ببلادها، وجعل وصول الإمدادات والتعزيزات إليها أكثر صعوبة.
ولم تقتصر تداعيات الهزيمة على الجانب العسكري، إذ وجدت القوات الفرنسية نفسها أمام مقاومة داخلية متكررة، إلى جانب محاولات الدولة العثمانية استعادة السيطرة على مصر، في وقت كانت فيه فرنسا تخوض صراعات عسكرية وسياسية واسعة في أوروبا.
وزادت الأزمة تعقيدا مع مغادرة نابليون مصر في أغسطس 1799، تاركا قيادة الحملة للجنرال جان باتيست كليبر، الذي اغتيل في يونيو 1800، لتنتقل القيادة بعده إلى الجنرال جاك فرانسوا مينو، وسط ظروف عسكرية أكثر صعوبة.
مارس 1801.. القوات البريطانية تفتح جبهة الحسم
ويعد مارس 1801 نقطة تحول رئيسية في مصير الحملة، بعدما نزلت القوات البريطانية بقيادة الجنرال رالف أبركرومبي في خليج أبي قير يوم 8 مارس، وبدأت عملياتها العسكرية لتضييق الخناق على الفرنسيين.
وفي 21 مارس، اندلعت معركة الإسكندرية بين الطرفين، وانتهت بانتصار القوات البريطانية، رغم الخسائر التي تكبدتها، فيما أصيب أبركرومبي بجروح خطيرة توفي متأثرًا بها لاحقًا.
وتولى الجنرال جون هياي هتشنسون قيادة القوات البريطانية، وواصل التحرك العسكري ضد المواقع الفرنسية، مع تخصيص قوة لحصار الإسكندرية، والتقدم باتجاه القاهرة بالتعاون مع القوات العثمانية.
وبهذا التطور، بات الفرنسيون يواجهون ضغطًا متزامنًا على أهم مراكز وجودهم في مصر، بينما تراجعت فرصهم في الحصول على الدعم أو استعادة زمام المبادرة.
القاهرة تختار التفاوض بعد تضاؤل فرص المقاومة
مع تصاعد الضغط العسكري، دخلت القوات الفرنسية في القاهرة مرحلة صعبة بسبب تراجع الإمدادات وتدهور الاتصالات مع القيادة العامة، الأمر الذي جعل استمرار المقاومة أكثر كلفة وأقل جدوى.
وكان الجنرال بليار يتولى قيادة القوات الفرنسية في العاصمة، في وقت تمسك فيه قادة الحملة بأمل وصول تعزيزات من فرنسا أو التوصل إلى تسوية سياسية تنهي الحرب في أوروبا وتتيح لهم الاحتفاظ بمواقعهم.
لكن تطورات الميدان دفعت الأطراف إلى التفاوض، وبدأت هدنة القاهرة في 23 يونيو 1801، قبل التوصل إلى اتفاق التسليم في 27 يونيو من العام نفسه.
وتناولت المفاوضات، التي شارك فيها ممثلون عن الفرنسيين والبريطانيين والعثمانيين، شروط إخلاء القوات الفرنسية ونقلها، إلى جانب الترتيبات المالية المرتبطة بالمغادرة.
ويعد الاتفاق تحولا مهما في مسار الحملة؛ إذ لم يعد الهدف الفرنسي الاحتفاظ بالعاصمة، بل تنظيم خروج القوات في ظل توازن عسكري لم يعد يسمح باستمرار الاحتلال.
الإسكندرية.. آخر معاقل الحملة الفرنسية
على الرغم من سقوط القاهرة في أيدي القوات المتحالفة، واصل الجنرال مينو مقاومته في الإسكندرية، معتمدا على تحصينات المدينة وموقعها الساحلي، على أمل إطالة أمد الصمود.
غير أن استمرار الحصار، وتراجع المؤن، وصعوبة الحصول على الإمدادات، قلصت فرص القوات الفرنسية في مواصلة القتال، حتى اضطر مينو إلى الاستسلام في 31 أغسطس 1801.
وعقب استسلام الإسكندرية، انتهى الوجود العسكري الفرنسي المنظم في مصر، وبدأت إجراءات نقل الجنود إلى فرنسا تحت إشراف القوات البريطانية، لتطوى بذلك صفحة الحملة التي أحدثت تحولات عسكرية وسياسية وثقافية عميقة في البلاد.
حجر رشيد.. آثار مصر في قلب التسوية العسكرية
لم يقتصر ما ترتب على هزيمة الفرنسيين على إخلاء المواقع العسكرية، بل امتد إلى مصير الآثار والمقتنيات التي جمعوها خلال وجودهم في مصر.
وكان حجر رشيد من أبرز هذه المقتنيات، إذ انتقل إلى حيازة البريطانيين في إطار ترتيبات التسليم، ثم نُقل إلى بريطانيا، حيث أصبح لاحقًا أحد أهم الآثار المرتبطة بفك رموز الكتابة الهيروغليفية المصرية القديمة.
وتكشف هذه الواقعة جانبًا آخر من نتائج الحملة، إذ لم تنته تداعياتها بانتهاء المعارك، بل امتدت إلى التنافس الأوروبي على الآثار والمعرفة والتراث المصري.
لماذا تتعدد التواريخ المرتبطة برحيل الفرنسيين؟
فبينما استسلمت القوات الفرنسية في القاهرة في يونيو 1801، انتهى الحصار الفرنسي في الإسكندرية باستسلام مينو في أغسطس من العام نفسه، واستمرت بعد ذلك إجراءات المغادرة خلال الأشهر التالية.
غادرت الحملة الفرنسية مصر رسميًا في 18 أكتوبر 1801 بقيادة الجنرال جاك فرانسوا مينو
انتهى الوجود الفرنسي نتيجة التحولات العسكرية والسياسية التي أنهكت القوات الفرنسية وقطعت خطوط إمدادها وضيقّت الخناق على حامياتها حتى الاستسلام والرحيل
استسلم الجنرال جاك فرانسوا مينو في الإسكندرية يوم 31 أغسطس 1801 بعد استمرار الحصار وتراجع المؤن


