أكد الدكتور عمر غرايبة، أستاذ المالية، أن الصناديق السيادية الخليجية تواجه تحديا استراتيجيا يتجاوز تحقيق العوائد المالية وتعظيم حجم الأصول، ويتمثل في قدرتها على تحويل الفوائض النفطية إلى ثروة إنتاجية مستدامة تدعم تنويع الاقتصادات الخليجية وتقلل اعتمادها على النفط.
وقال غرايبة، في تصريحات خاصة لـ”البوابة نيوز”، إن أخطر ما قد تواجهه الصناديق السيادية الخليجية ليس خسارة أموالها، وإنما تحقيق نجاحات مالية كبيرة دون أن تنعكس هذه النجاحات على التنمية الاقتصادية والإنتاجية للدول المالكة لها.
وأوضح أن الصناديق السيادية لم تعد مجرد أدوات لادخار الفوائض النفطية والحفاظ على ثروات الأجيال المقبلة، وإنما أصبحت لاعبا رئيسيا في التحولات الاقتصادية والاستراتيجية، من خلال توجيه الاستثمارات نحو القطاعات التكنولوجية المتقدمة والبنية التحتية والصناعات المستقبلية، إلى جانب تعزيز الحضور الاقتصادي الدولي.
وحذر من أن التوسع في الاستثمارات المالية العالمية قد يؤدي إلى الانتقال من إدارة الريع النفطي إلى إدارة ريع مالي جديد، إذا لم يصاحبه بناء قاعدة إنتاجية محلية قادرة على توليد فرص العمل ونقل المعرفة ورفع الإنتاجية.
وشدد على أن نجاح التجربة الخليجية لا ينبغي قياسه بحجم الأصول التي تديرها الصناديق السيادية، وإنما بمدى قدرتها على تحويل تلك الأصول إلى قدرات اقتصادية وإنتاجية مستدامة.
مستقبل النفط يدفع الصناديق السيادية الخليجية إلى تنويع الاستثمارات
وأوضح أستاذ المالية أن التحول في استراتيجيات الصناديق السيادية الخليجية جاء نتيجة عاملين رئيسيين، يتمثل الأول في الفوائض المالية الكبيرة التي حققتها الدول الخليجية من عائدات النفط، بينما يرتبط الثاني بتزايد القلق بشأن مستقبل الاقتصادات المعتمدة على الموارد النفطية.
وأشار إلى أن الفوائض النفطية وفرت التمويل اللازم للتوسع الاستثماري، لكن الدافع الأعمق لهذا التوجه يتمثل في الاستعداد لمرحلة ما بعد النفط، والبحث عن مصادر مستدامة للنمو والدخل.
وأضاف أن هذا التحول جعل الصناديق السيادية أكثر ارتباطًا بخطط التنويع الاقتصادي وتمويل مشروعات البنية التحتية وتطوير القطاعات غير النفطية، بما يعزز قدرتها على المساهمة في بناء اقتصادات أكثر تنوعًا.
وأكد أن النفط لم يعد يمثل الغاية النهائية للسياسات الاقتصادية الخليجية، وإنما أصبح وسيلة لتمويل التحول نحو أنشطة إنتاجية جديدة، وتقليل الاعتماد المفرط على الإيرادات النفطية.
66 مليار دولار استثمارات سيادية في الذكاء الاصطناعي خلال 2025
وأشار غرايبة إلى أن المنافسة العالمية على قطاعات المستقبل أضافت بُعدًا استراتيجيًا جديدًا لاستثمارات الصناديق السيادية، خاصة في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية والصناعات المتقدمة.
وأوضح أن هذه القطاعات لم تعد مجرد فرص لتحقيق عوائد مالية، وإنما أصبحت مواقع رئيسية للقوة الاقتصادية داخل سلاسل القيمة العالمية، بما تمنحه من قدرة على امتلاك المعرفة والتكنولوجيا وتعزيز الشراكات الدولية.
وأضاف أن الصناديق السيادية الخليجية أصبحت تستهدف الحصول على حصص مؤثرة في مراكز الاقتصاد العالمي الجديد، إلى جانب تعظيم الأرباح الاستثمارية.
ولفت إلى أن إجمالي الاستثمارات التي ضختها الصناديق السيادية عالميًا في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية بلغ نحو 66 مليار دولار خلال عام 2025، استحوذت الصناديق الخليجية على 43% منها، وفقًا للأرقام التي استعرضها.
وأكد أن هذه النسبة تعكس حجم الحضور الخليجي في القطاعات التكنولوجية المتقدمة، والتوجه نحو امتلاك مواقع استراتيجية داخل الاقتصاد الرقمي العالمي.
أبوظبي تستثمر 49 مليار دولار في الذكاء الاصطناعي
وأوضح أستاذ المالية أن أبوظبي تقدم نموذجًا واضحًا للتوسع الاستثماري في قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، من خلال صندوق MGX المدعوم من شركتي مبادلة وG42.
وأشار إلى أن الصندوق أغلق في يوليو 2026 صندوقًا استثماريًا بقيمة 49 مليار دولار مخصصًا للذكاء الاصطناعي، وصفه بأنه الأكبر من نوعه عالميًا.
وأضاف أن استثمارات الصندوق تشمل شركات عالمية تعمل في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية، من بينها OpenAI وxAI وAligned Data Centers.
ولفت إلى أن تحالفًا يضم MGX الإماراتية وشركة Global Infrastructure Partners التابعة لبلاك روك، إلى جانب شركاء آخرين، قاد في أكتوبر 2025 عملية استحواذ على شركة Aligned Data Centers بقيمة 40 مليار دولار.
وأوضح أن الصفقة تشمل أكثر من 50 مركز بيانات في الأمريكتين، ما يعكس توجه أبوظبي نحو امتلاك حصص في البنية التحتية الرقمية العالمية، والاستفادة من النمو المتوقع في الطلب على خدمات الحوسبة والذكاء الاصطناعي.
السعودية تستهدف بناء 1.9 جيجاواط من مراكز البيانات بحلول 2030
وفي المقابل، أوضح غرايبة أن السعودية تتبنى نموذجًا استثماريًا مختلفًا، يرتكز على إنشاء البنية التحتية التكنولوجية داخل المملكة، بدلًا من التركيز على الاستحواذ على الأصول العالمية.
وأشار إلى أن شركة HUMAIN السعودية وقعت اتفاقيات بنحو 23 مليار دولار مع شركات Nvidia وAMD وAmazon Web Services، ضمن خطط التوسع في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية.
وأضاف أن الشركة تستهدف بناء مراكز بيانات بقدرة إجمالية تبلغ 1.9 جيجاواط بحلول عام 2030، بما يدعم تطوير القدرات المحلية في قطاع الحوسبة المتقدمة.
وأكد أن الاختلاف بين النموذجين الإماراتي والسعودي يعكس تنوع الأهداف الاستثمارية؛ فأبوظبي تركز على امتلاك حصص في البنية التحتية التكنولوجية العالمية، بينما تستهدف الرياض بناء قدرات تكنولوجية محلية.
قطر تتجه لاستثمار 20 مليار دولار في البنية التحتية الرقمية
وأشار أستاذ المالية إلى أن قطر تتبنى مسارًا ثالثًا من خلال Qai، التي اختارت توجيه استثمارات بقيمة 20 مليار دولار إلى البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، دون التركيز على تطوير نماذج أساسية للذكاء الاصطناعي.
وأوضح أن اختلاف التوجهات بين الإمارات والسعودية وقطر يؤكد ضرورة تجنب التعامل مع الصناديق السيادية الخليجية باعتبارها نموذجًا استثماريًا واحدًا.
وأضاف أن صندوق أبوظبي للاستثمار ADIA عمل تاريخيًا باعتباره أداة للادخار والحفاظ على ثروات الأجيال المقبلة، بينما تركز شركة مبادلة على الاستثمارات المرتبطة بالتنمية المحلية والشراكات الدولية، في حين يتحرك جهاز قطر للاستثمار وفق استراتيجية مختلفة.
وشدد على أن تقييم أداء هذه المؤسسات يجب أن يراعي طبيعة أهدافها واختلاف أدوارها الاستثمارية والتنموية، لأن الانتقادات التي قد تنطبق على أحد الصناديق لا تنطبق بالضرورة على بقية الصناديق.
الصناديق السيادية تتحول من حفظ الثروة إلى تمويل التنمية
وأكد غرايبة أن الدور الاقتصادي للصناديق السيادية الخليجية يشهد تحولًا من التركيز على حفظ الثروة للأجيال المقبلة إلى المشاركة المباشرة في تمويل التنمية الاقتصادية.
وأوضح أن هذا الدور يشمل تمويل المشروعات الكبرى، والاستثمار في الشركات المحلية، وجذب الاستثمارات الأجنبية، إلى جانب بناء شراكات تساعد على نقل التكنولوجيا وتطوير القطاعات الإنتاجية.
وأضاف أن تحقيق التنمية لا يتطلب المفاضلة بين الاستثمار داخل الدول الخليجية وخارجها، وإنما إيجاد تكامل بين المسارين.
وأشار إلى أن الاستثمارات الخارجية يمكن أن تحقق عوائد مالية وتوفر شراكات استراتيجية وفرصًا لنقل الخبرات، بينما تسهم الاستثمارات المحلية في بناء القدرات الإنتاجية وزيادة الإنتاجية وتوفير الوظائف وتوسيع القاعدة الاقتصادية.
وأكد أن نجاح هذا التكامل يمثل أحد المحددات الرئيسية لقدرة الصناديق السيادية على الانتقال من إدارة الثروة إلى صناعتها.
مخاطر التركيز الاستثماري تهدد الصناديق السيادية
وحذر أستاذ المالية من أن التوسع الكبير في الاستثمار بقطاعات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية قد يؤدي إلى ارتفاع مخاطر التركيز الاستثماري، خاصة عندما ترتبط استثمارات الصندوق الواحد بمراحل متعددة من النشاط الاقتصادي نفسه.
وأوضح أن الصندوق الذي يمتلك أسهمًا في شركات الذكاء الاصطناعي، ويستثمر في مراكز البيانات التي تستخدمها هذه الشركات، ويمول مشروعات الطاقة اللازمة لتشغيلها، يكون قد راهن على فرضية استثمارية واحدة من خلال ثلاثة مسارات مختلفة.
وأشار إلى أن هذه الفرضية تقوم على استمرار نمو الطلب العالمي على قدرات الحوسبة، وهو ما قد يعرض الاستثمارات لمخاطر متزامنة إذا تباطأ الطلب أو تجاوز المعروض من مراكز البيانات الاحتياجات الفعلية للسوق.
ولفت إلى أن مجلس الاستقرار المالي حذر في مايو 2025 من المخاطر المرتبطة بالتعرض الاستثماري المكثف للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى احتمالات تكبد المستثمرين خسائر كبيرة إذا تجاوز المعروض من مراكز البيانات حجم الطلب.
وأكد أن تنويع الاستثمارات يجب ألا يقتصر على توزيع الأموال بين شركات أو أصول متعددة تعمل جميعها ضمن القطاع نفسه، وإنما ينبغي أن يراعي اختلاف مصادر المخاطر والعوامل المؤثرة في العوائد.
التوترات الجيوسياسية والقيود التنظيمية تحد من حرية الاستثمار
وأوضح غرايبة أن إدارة مخاطر الاستثمارات السيادية لا تقتصر على دراسة العوائد والتقلبات المالية، وإنما تمتد إلى التوترات الجيوسياسية والتحولات التنظيمية التي قد تؤثر في القرارات الاستثمارية.
وأشار إلى أن صفقة الاستحواذ على Aligned Data Centers تمثل نموذجًا للتداخل بين رأس المال السيادي الخليجي والاعتبارات التنظيمية والأمنية الأمريكية.
وأضاف أن التحالف المشتري يضم MGX الإماراتية إلى جانب BlackRock وMicrosoft وNvidia وTemasek والصندوق السيادي الكويتي، ما يجعل الموافقات التنظيمية الأمريكية المطلوبة للصفقة اختبارًا لطبيعة تعامل واشنطن مع الاستثمارات الخليجية في قطاعات البنية التحتية الحيوية.
وأكد أن حجم رأس المال لا يضمن بالضرورة حرية الحركة الاستثمارية أو القدرة على تجاوز الاعتبارات السياسية والأمنية للدول المستقبلة للاستثمارات.
استثمار مايكروسوفت في G42 يكشف تأثير القيود الأمريكية
واستشهد أستاذ المالية بالاتفاق الذي أبرمته مايكروسوفت مع شركة G42 الإماراتية خلال عام 2024، والذي تضمن استثمارًا بقيمة 1.5 مليار دولار.
وأوضح أن الاتفاق ارتبط باشتراطات أمريكية شملت تخلي G42 عن شراكاتها التقنية الصينية، وإزالة معدات هواوي، والانتقال إلى استخدام منصة Azure، إلى جانب الالتزام ببروتوكولات أمنية أمريكية.
وأشار إلى أن قبول الجانب الإماراتي بهذه الشروط يعكس طبيعة القيود التي قد تواجه الاستثمارات السيادية عند دخول قطاعات تكنولوجية حساسة.
وأكد أن النفوذ المالي لا يتحول تلقائيًا إلى نفوذ سياسي، بل قد يتطلب الحصول على فرص استثمارية استراتيجية تقديم تنازلات تنظيمية وأمنية.
وأضاف أن هذه التطورات تؤكد ضرورة إدراج المخاطر الجيوسياسية والتنظيمية ضمن التقييم الاستثماري، إلى جانب المخاطر المالية والتشغيلية التقليدية.
حجم الأصول لا يكفي لقياس نجاح الصناديق السيادية الخليجية
وشدد غرايبة على ضرورة التمييز بين امتلاك الثروة والقدرة على صناعتها، مؤكدًا أن تحقيق عوائد مالية كبيرة من الاستثمارات الخارجية لا يعني بالضرورة نجاح الصناديق السيادية في دعم التنمية الاقتصادية المحلية.
وأوضح أن الاستثمارات الخارجية قد تحقق أرباحًا مرتفعة دون أن تسهم في خلق وظائف نوعية أو رفع الإنتاجية داخل الدول المالكة للصناديق.
وأشار إلى أن تقييم الأثر التنموي للصناديق السيادية يجب أن يعتمد على مؤشرات قابلة للقياس والمتابعة عبر الزمن، في مقدمتها معدلات نمو القطاعات غير النفطية ومساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي.
وأضاف أن المؤشرات تشمل أيضًا عدد الوظائف النوعية التي توفرها المشروعات المدعومة من الصناديق، ومدى انتقال التكنولوجيا والمعرفة إلى الشركات المحلية.
وأكد أهمية قياس قدرة هذه الشركات على الاندماج في سلاسل الإنتاج العالمية، إلى جانب حجم الاستثمارات الخاصة التي تنجح المشروعات السيادية في جذبها.
ولفت إلى أن أحد المعايير الرئيسية يتمثل في قدرة الاستثمارات السيادية على تحفيز القطاع الخاص وضخ استثمارات إضافية، بدلًا من أن تحل محل استثماراته أو تقلص دوره في النشاط الاقتصادي.
الصادرات غير النفطية مؤشر حاسم لنجاح التنويع الاقتصادي
وأوضح أستاذ المالية أن دول الخليج تمتلك فرصة تاريخية للانتقال من اقتصادات تعتمد على استخراج الموارد الطبيعية إلى اقتصادات قادرة على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا والخدمات.
وأشار إلى أن تحقيق هذا التحول يتطلب توجيه الثروات المالية المتراكمة نحو بناء قدرات إنتاجية جديدة، تضمن استمرار النمو الاقتصادي بعيدًا عن الاعتماد المفرط على العائدات النفطية.
وحذر من أن زيادة حجم أصول الصناديق السيادية بالتزامن مع استمرار ضعف التنوع الاقتصادي قد تعني نجاح هذه المؤسسات في إدارة الأموال دون تحقيق تحول تنموي حقيقي.
وأكد أن المعيار الأساسي لا ينبغي أن يكون حجم الثروة المالية وحده، وإنما قدرتها على توليد مصادر جديدة للدخل والإنتاج والتصدير.
واختتم الدكتور عمر غرايبة تصريحاته بالتأكيد على أن أحد أهم المؤشرات التي ينبغي مراقبتها يتمثل في مقارنة معدل نمو الصادرات غير النفطية في دول الخليج بمعدل نمو أصول الصناديق السيادية.
وأوضح أنه إذا لم تنمُ الصادرات غير النفطية بمعدل يتجاوز نمو أصول الصناديق السيادية، فإن ذلك يثير تساؤلات بشأن مدى نجاح تحويل الريع النفطي إلى قاعدة إنتاجية مستدامة.
وشدد على أن التحدي الحقيقي أمام الصناديق السيادية الخليجية لا يكمن في تعظيم الثروة المالية فقط، وإنما في صناعة اقتصاد قادر على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا والخدمات، وتوفير فرص العمل، وتحقيق نمو مستدام للأجيال المقبلة.
التحدي الرئيسي هو تحويل الفوائض النفطية إلى ثروة إنتاجية مستدامة تدعم تنويع الاقتصادات الخليجية وتقلل الاعتماد على النفط
بلغ إجمالي الاستثمارات عالميًا نحو 66 مليار دولار خلال عام 2025، واستحوذت الصناديق الخليجية على 43% منها
ذكر نموذج أبوظبي عبر MGX للاستحواذ والاستثمار العالمي بقيمة 49 مليار دولار للذكاء الاصطناعي، ونموذج السعودية عبر HUMAIN لبناء بنى تحتية محلية بقيمة اتفاقيات تقارب 23 مليار دولار


