قد لا يحتاج الإنسان دائما إلى حلول معقدة للتعامل مع ضغوط الحياة اليومية، فبعض اللحظات البسيطة، مثل مشاهدة مشهد كوميدي أو الضحك مع الأصدقاء، قد تساعد على تحسين الحالة النفسية وتخفيف الشعور بالتوتر.
ولم يعد تأثير الضحك مجرد انطباع شائع، إذ بدأت دراسات علمية تختبر ما إذا كان يمكن استخدامه وسيلة مساعدة لدعم الصحة النفسية والتعامل مع الضغوط.
وفي دراسة حديثة نُشرت في دورية «بي إم سي سايكولوجي» (BMC Psychology) في 18 أبريل 2026، حلل باحثون من كلية علم النفس بالجامعة الطبية البحرية في الصين نتائج 15 تجربة عشوائية شملت 1344 شخصا بالغا، بهدف تقييم مدى فاعلية تدخلات الضحك في تخفيف التوتر. وخلصت النتائج إلى وجود انخفاض ملحوظ في مستويات التوتر لدى المشاركين الذين خضعوا لهذه التدخلات، مع التأكيد على أن قوة التأثير اختلفت بين الدراسات.
كيف اختبر الباحثون تأثير الضحك؟
لم تعتمد التجارب التي راجعها الباحثون على طريقة واحدة، بل شملت جلسات يوجا الضحك، والضحك المتعمد ضمن أنشطة منظمة، إلى جانب تدخلات تعتمد على الكوميديا والمواقف المضحكة. وتراوحت مدة البرامج بين أسبوع واحد و16 أسبوعا، ونُفذت بعض الجلسات حضوريا، بينما جرى بعضها الآخر عبر الإنترنت.
وقارن الباحثون نتائج المشاركين الذين خضعوا لهذه الأنشطة بنتائج مجموعات المقارنة، مستخدمين مقاييس مختلفة لتقييم مستويات التوتر. وأظهر التحليل المجمع انخفاضا ذا دلالة إحصائية في التوتر، كما ظهرت فوائد في مجموعات مختلفة، من بينها بعض المرضى والطلاب وأمهات الأطفال الذين يتلقون الرعاية في وحدات العناية المركزة. لكن النتائج لم تكن متطابقة لدى جميع الفئات، وهو ما يشير إلى أن الاستجابة قد تختلف بحسب طبيعة الضغوط والظروف المحيطة بكل شخص.
هل يؤثر الضحك في هرمونات التوتر؟
لا يقتصر الاهتمام العلمي بالضحك على الشعور بالراحة النفسية، بل يمتد إلى التغيرات التي قد تحدث داخل الجسم. ففي مراجعة علمية أخرى نُشرت عام 2023 في دورية «بلوس وان» (PLOS One)، جمع الباحثون نتائج ثماني دراسات شملت 315 شخصا، لفحص تأثير الضحك في مستويات هرمون الكورتيزول، الذي يرتبط باستجابة الجسم للتوتر.
وأظهر التحليل انخفاضا في مستويات الكورتيزول لدى المشاركين الذين تعرضوا لتدخلات تحفز الضحك مقارنة بمجموعات المقارنة. ويدعم ذلك احتمال أن يرتبط الضحك بتغيرات فسيولوجية تتجاوز تحسين المزاج، إلا أن عدد المشاركين كان محدودا، كما اختلفت طرق إجراء الدراسات، لذلك لا يمكن اعتبار هذه النتائج دليلا نهائيا على أن الضحك ينظم استجابة التوتر بالطريقة نفسها لدى الجميع.
هل يمكن أن يصبح الضحك وسيلة للتعامل مع الضغوط؟
تشير النتائج إلى أن الأنشطة التي تشجع على الضحك قد تكون إضافة بسيطة إلى أساليب تحسين الصحة النفسية، خاصة عندما ترتبط بالتواصل الاجتماعي والأنشطة الممتعة. ويمكن أن تشمل هذه الأنشطة مشاهدة محتوى كوميدي، أو قضاء وقت مع أشخاص نشعر بالراحة معهم، أو تجربة جلسات الضحك المنظمة، دون الحاجة إلى تحويل الضحك نفسه إلى واجب يومي أو وسيلة للضغط على النفس.
ومع ذلك، حذر الباحثون من المبالغة في تفسير النتائج، إذ أظهرت المراجعة الحديثة تفاوتا كبيرا بين الدراسات، كما أن جودة الأدلة لم تكن متساوية في جميع التجارب. ولا يعني ذلك أن الضحك يعالج اضطرابات القلق أو الاكتئاب، أو أنه بديل عن العلاج النفسي والطبي عند الحاجة.
وبشكل عام، تقدم الأبحاث مؤشرات مشجعة على أن الضحك قد يساعد في تخفيف التوتر وتحسين الشعور بالراحة، لكن تحديد حجم فائدته ومدى استمرارها يتطلب دراسات أكثر دقة. وحتى تتضح الصورة بصورة أكبر، يمكن النظر إلى الضحك باعتباره جزءا من نمط حياة يدعم الرفاه النفسي، إلى جانب النوم الجيد والنشاط البدني والعلاقات الاجتماعية الداعمة.
الدراسة التي نُشرت في BMC Psychology وراجعت 15 تجربة عشوائية شملت 1344 بالغا وجدت انخفاضا ملحوظا في مستويات التوتر لدى المشاركين الذين خضعوا لتدخلات تعتمد على الضحك
شملت التجارب جلسات يوجا الضحك والضحك المتعمد ضمن أنشطة منظمة وتدخلات تعتمد على الكوميديا والمواقف المضحكة، وتراوحت مدتها بين أسبوع واحد و16 أسبوعا
لا، فالباحثون أكدوا أن النتائج مشجعة لكنها غير كافية لاعتبار الضحك علاجا لاضطرابات القلق أو الاكتئاب أو بديلا عن العلاج النفسي والطبي عند الحاجة


