كشف المخرج يسري نصرالله عن كواليس رحلته مع السينما، والأسباب التي دفعته إلى تأجيل تجربة الإخراج حتى بلوغه الثلاثين من عمره، مؤكدًا أن صناعة الأفلام لا تعتمد على المعرفة التقنية وحدها، وإنما تحتاج إلى خبرة حياتية وفهم أعمق للناس والتجارب الإنسانية.

كما تحدث عن فلسفته في كتابة السيناريو واختيار الممثلين، وكشف ملامح مشروعه الجديد مع الفنانة يسرا، وذلك خلال حواره بعنوان «سينما الابتكار»، الذي أقيم منذ قليل ضمن فعاليات الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي.

وشهد الحوار، الذي أداره أحمد عامر، حضور عدد من الفنانين وصناع السينما، بينهم يسرا وحسن الرداد وأحمد داش ومريم الخشت وداليا شوقي، وتناول جوانب مختلفة من تجربة نصرالله الإبداعية، بداية من علاقته الأولى بالسينما، مرورًا بتكوين رؤيته الفنية، وصولًا إلى طريقته في بناء الشخصيات والحكايات على الشاشة.

يسري نصرالله: كان لازم أعيش الأول قبل ما أخوض تجربة الإخراج

استعاد يسري نصرالله بدايات علاقته بالسينما، موضحًا أن شغفه بها بدأ منذ طفولته، عندما كان يتساءل عن الأشخاص الذين يصنعون الأفلام وكيف تتشكل هذه الصناعة، لكنه لم يتعجل خوض تجربة الإخراج بمجرد امتلاكه المعرفة التقنية اللازمة.

وقال نصرالله: «من وأنا صغير وأنا بسأل أبويا مين بيعمل السينما، وأول فيلم عملته لما كان عمري 30 سنة، الموضوع مش نقص في المعرفة التقنية بالنسبة لي، لكن كان ضروري أمر بالمعرفة الحياتية، لازم أعيش الأول وبعدها أخوض تجربة الإخراج».

وأوضح أن دراسته في معهد السينما لم تكن كافية بالنسبة إليه في تلك المرحلة، إذ شعر بأن صناعة الفيلم تحتاج إلى ما هو أبعد من تعلم الأدوات الفنية والتقنيات، وأن المخرج لا بد أن يمتلك رصيدًا من التجارب الإنسانية التي تساعده على فهم الشخصيات التي يقدمها، والتعامل مع تناقضاتها ومخاوفها ورغباتها.

وأشار إلى أنه قرر ترك معهد السينما والالتحاق بكلية الاقتصاد، بحثًا عن معارف وتجارب مختلفة، قبل أن يعود إلى المجال السينمائي وهو أكثر استعدادًا لخوض تجربته الإبداعية.

وتوقف نصرالله عند تجربته في بيروت، معتبرًا أن الابتعاد عن البيئة المألوفة والعائلة ومنطقة الأمان التي اعتادها كان له أثر واضح في تكوين رؤيته السينمائية، وساعده على اكتشاف علاقات جديدة بين الإنسان والمكان، وهي من العناصر التي انعكست لاحقًا على اهتمامه بتفاصيل الحياة اليومية وتحولاتها.

وتكشف هذه التجربة جانبًا مهمًا من فلسفة نصرالله؛ فالمخرج، من وجهة نظره، لا يكتفي بمعرفة كيفية تحريك الكاميرا أو إدارة الممثلين، بل يحتاج إلى أن يعيش ويشاهد ويختبر العالم حتى يتمكن من تحويله إلى حكايات سينمائية قادرة على لمس الجمهور.

كيف تبدأ أفلام يسري نصرالله؟ مشهد واحد قد يصنع الحكاية

وتحدث المخرج عن طريقته في كتابة السيناريو وبناء الحكايات، موضحًا أنه لا يبدأ بالضرورة من قصة مكتملة الأركان، وإنما قد تنطلق الفكرة من مشهد أو مشهدين يشعر بحماس شديد لتقديمهما على الشاشة، ثم يبدأ في البحث عن الحكاية والشخصيات والعلاقات التي يمكن أن تمنح هذا المشهد معناه داخل الفيلم.

وبحسب نصرالله، فإن المشهد الذي يثير حماسه يمثل نقطة الانطلاق، لكنه لا يكفي وحده لصناعة فيلم متكامل؛ إذ يحتاج إلى أن يحمل معنى إنسانيًا يتجاوز تجربة صانعه، وأن يكون قادرًا على الوصول إلى متفرجين ينتمون إلى ثقافات وخلفيات مختلفة.

وأوضح أن السينما ليست مجرد مجموعة من الأحداث المرتبة، وإنما تجربة متكاملة تتداخل فيها الصورة والحركة والحوار والأداء، بحيث يعمل كل عنصر لخدمة المعنى العام، ويصبح قادرًا على التعبير عما قد تعجز الكلمات وحدها عن قوله.

واستعاد في هذا السياق تجربته مع فيلم «احكي يا شهرزاد»، الذي كتب السيناريو الخاص به السيناريست الراحل وحيد حامد، مشيرًا إلى أحد المشاهد التي تحمس لتقديمها، ويظهر فيه ثلاث فتيات يسبحن في منطقة أبوقير بملابسهن كاملة، في تجربة ترتبط باكتشاف مشاعر جديدة من خلال ملامسة الماء لأجسادهن.

ويعكس هذا المثال اهتمام نصرالله بالتفاصيل الحسية والإنسانية التي يمكن أن تتحول إلى لحظة سينمائية ذات دلالة، بعيدًا عن الاعتماد على الحوار المباشر لتفسير كل ما تشعر به الشخصيات أو تمر به من تحولات.

كما أكد أن المونتاج قد يغير ترتيب الحكاية بالكامل إذا اقتضت مصلحة الفيلم ذلك، وهو ما يعكس رؤيته للعمل السينمائي باعتباره عملية إبداعية مستمرة، لا تتوقف عند كتابة السيناريو أو بدء التصوير، وإنما تظل قابلة لإعادة التشكيل حتى الوصول إلى الصورة النهائية التي تخدم العمل.

يسري نصرالله يكشف ملامح مشروعه الجديد مع يسرا

ومن أبرز اللحظات التي شهدها الحوار، حديث يسري نصرالله عن مشروعه الجديد مع الفنانة يسرا، بعدما استحضرت الأخيرة تجربتها السابقة معه في فيلم «مرسيدس»، معربة عن استمتاعها الاستثنائي بالعمل معه في ذلك الفيلم.

وكشف نصرالله عن ملامح الشخصية التي ستقدمها يسرا في المشروع الجديد، قائلًا: «هتجسدي من خلاله دور ست حلوة وقوية وتنتقم من شخص بتحبه جدًا».

ويكشف هذا التصريح عن شخصية تحمل تناقضًا دراميًا لافتًا؛ فهي امرأة قوية تسعى إلى الانتقام من شخص لا تزال تحبه بشدة، بما يفتح المجال أمام صراع بين المشاعر والرغبة في استرداد الحق أو الرد على الأذى.

ويأتي حديث نصرالله عن المشروع الجديد ليعيد إلى الأذهان تعاونه السابق مع يسرا في «مرسيدس»، الذي يمثل إحدى محطات تجربتهما المشتركة، وسط ترقب لمعرفة المزيد من التفاصيل المتعلقة بالعمل الجديد وطبيعة الشخصية التي ستقدمها النجمة المصرية.

ولم يقتصر الحوار على المشروع المقبل، بل امتد إلى فلسفة نصرالله في اختيار الممثلين، وكيفية بناء الشخصيات قبل انتقالها إلى الشاشة.

فلسفة اختيار الممثلين.. الشخصية ليست مجرد اسم في السيناريو

وأوضح يسري نصرالله أن تصوره للشخصيات يبدأ غالبًا خلال كتابة السيناريو، إذ قد يتخيل فنانًا بعينه لتقديم دور معين، لكن هذا التصور لا يعني أن اختياره يصبح قرارًا نهائيًا لا يقبل التغيير.

وأشار إلى أنه يحرص على اختبار قدرة الممثل على تقديم شخصية حية ومستقلة، بحيث لا يكتفي بترديد الحوار أو تنفيذ التعليمات، وإنما يمنح الشخصية حضورًا إنسانيًا خاصًا يجعلها قابلة للتصديق والتفاعل مع بقية الشخصيات داخل العمل.

وتتصل هذه الرؤية بفلسفته العامة في صناعة السينما؛ فالممثل، مثل المخرج وكاتب السيناريو، يحتاج إلى فهم دوافع الشخصية وتناقضاتها، وليس مجرد معرفة ما تقوله أو ما تفعله في كل مشهد.

ومن هنا، تصبح عملية اختيار الممثلين جزءًا من بناء الفيلم نفسه، وليست خطوة إجرائية منفصلة عن الكتابة والإخراج، لأن حضور الفنان وطريقته في التعبير قد يغيران من طبيعة الشخصية ومن شكل العلاقة بينها وبين العالم الذي تتحرك داخله.

يسرا تفتح ملف الصوت في الأفلام.. ونصرالله: السرعة تؤثر في التفاصيل

وشهد الحوار مداخلة للفنانة يسرا، التي أثارت خلالها قضية التوازن بين أصوات الممثلين والموسيقى والمؤثرات الصوتية في الأفلام، معربة عن شعورها بأن الموسيقى والمؤثرات أصبحت في عدد من الأعمال أعلى من أصوات الممثلين، بما يؤثر في وضوح الحوار وقدرة الجمهور على متابعة التفاصيل.

وجاءت مداخلة يسرا بعدما تحدثت عن استمتاعها بتجربتها في فيلم «مرسيدس» مع نصرالله، لتطرح عليه تساؤلًا بشأن ما وصفته بمشكلة صوتية تلاحظها في بعض الأفلام المعروضة حاليًا.

ورد نصرالله مرجعًا هذه الظاهرة إلى سرعة تنفيذ الأعمال وضغوط الوقت، موضحًا أن ضيق الوقت قد يؤثر في بعض التفاصيل الفنية التي تحتاج إلى عناية خلال مراحل صناعة الفيلم.

وتعيد هذه المناقشة طرح أهمية المراحل الفنية التي تسبق عرض الأفلام، وعلى رأسها ضبط مستويات الحوار والموسيقى والمؤثرات، باعتبارها عناصر لا تقل أهمية عن الصورة والأداء التمثيلي في تشكيل تجربة المشاهدة.

فوضوح الحوار لا يرتبط فقط بقدرة الممثل على الأداء، وإنما يتصل أيضًا بجودة التسجيل والمكساج والتوازن بين مختلف مكونات المسار الصوتي، وهي تفاصيل قد تؤثر بصورة مباشرة في استقبال الجمهور للعمل وفهمه.

«سينما الابتكار».. رحلة في عقل مخرج يبحث عن الإنسان قبل الحكاية

جاء حوار يسري نصرالله ضمن فعاليات الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي ليقدم صورة عن الطريقة التي تتشكل بها رؤيته الفنية، بداية من قراره تأجيل الإخراج حتى اكتساب خبرة حياتية أوسع، وصولًا إلى أسلوبه في كتابة السيناريو واختيار الممثلين والتعامل مع التفاصيل التقنية للعمل السينمائي.

وتكشف تصريحاته عن اهتمام واضح بالإنسان بوصفه نقطة البداية في صناعة الفيلم؛ فالحكاية، في تجربته، لا تنفصل عن المشاعر والتناقضات والتجارب التي يعيشها البشر، كما أن المشهد لا يكتسب قيمته من جماله البصري وحده، بل من قدرته على التعبير عن معنى يمكن أن يتجاوز حدود المكان والثقافة.

وبين استعادة تجربته مع «احكي يا شهرزاد» و«مرسيدس»، والكشف عن ملامح مشروعه الجديد مع يسرا، أكد الحوار أن السينما بالنسبة إلى نصرالله ليست مجرد حرفة تقنية أو قصة تُروى من البداية إلى النهاية، وإنما مساحة لاختبار الحياة وإعادة اكتشافها من خلال الصورة والصوت والأداء.

كما سلطت المناقشات الضوء على أهمية الوقت والخبرة والتكامل بين عناصر الصناعة، في رسالة تعكس أن الابتكار السينمائي لا يتحقق بفكرة مختلفة فحسب، بل يحتاج إلى رؤية إنسانية واضحة وعناية بالتفاصيل التي تمنح الفيلم روحه الخاصة.

الأسئلة الشائعة

قال إنه لم يتعجل الإخراج رغم معرفته التقنية لأنه كان يرى أن صناعة الأفلام تحتاج إلى معرفة حياتية وتجارب إنسانية أوسع قبل الوقوف خلف الكاميرا

كشف نصرالله أنها ستجسد دور ست حلوة وقوية وتنتقم من شخص بتحبه جدًا وهو ما يشير إلى شخصية تحمل صراعًا بين الحب والرغبة في الانتقام

أوضح أنه قد يبدأ من مشهد أو مشهدين يحمسانه ثم يبحث بعد ذلك عن الحكاية والشخصيات والعلاقات التي تمنح هذا المشهد معناه داخل الفيلم