في زوايا الوجود الممتد بين سماء الحقيقة وأرض الأطماع، يقف الإنسان، ذلك الكائن الحائر المشدود بين طينته الأرضية وأشواقه السماوية. يفتش في تفاصيل الكون عن إجابات كبرى، وربما يبحث في مرآة الطبيعة عن وجه خالقه، ناسيًا أن أول حجاب بينه وبين النور هو جشعه المستعر. وحين تلتقي عين العصفور البصير بعين الإنسان المأخوذ بوهم المادة، تتجلى ملهاة الطمع الإنساني في أبهى صورها الرمزية؛ إذ تختزل الحكمة كلها في درس بليغ يلقيه جناح صغير على عقل غافل، ليطرح السؤال الأبدي: هل نحن أبناء الرضا، أم سجناء الوهم؟.
استوقفني ذلك الحوار بين عصفور وابنه عن جشع الإنسان في كتاب “أرني الله” ولأنني أحاول أن أرى كل ما في الكون حتى أقدم القرابين لأرى الله..
تجسد القصة إشكالية الإنسان والجشع.. وتتجلي في درس العصفور الأب لابنه، حينما أراد أن يعلمه الدرس فألقى بنفسه بالقرب من الإنسان..
«صاد الرجل العصفور الأب، وضم عليه أصابعه حرصًا منه على الغنيمة… فقال له العصفور وهو في قبضته: ماذا تريد أن تصنع بي؟
فقال الرجل منهومًا: أذبحك وآكلك.
فقال العصفور الماكر: إني لا أشبعك من جوع، ولكنني أستطيع أن أعطيك ما أنفع من أكلي.
ماذا تٌعطيني.
ثلاث حكم، إذا تعلمتها نلت بها خيرًا كثيرا.ً
– اذكرها لی..
– لي شروط: الحكمة الأولى أعلمك إياها وأنا في يدك، والحكمة الثانية أعلمك إياها إذا أطلقتني، والحكمة الثالثة أعلمك إياها إذا صرت على الشجرة.
الرجل: قبلت… هات الأولى..
العصفور: لا تتحسر على ما فاتك.
الرجل: والثانية؟.
العصفور: أطلقني أولا حسب الشرط
فأطلق الرجل من يده العصفور، ووقف العصفور على ربوة بقربه وقال: الحكمة الثانية: لا تٌصدق ما لايمكن أن يكون.
ثم طار إلى الشجرة وهو يصيح: أيها الإنسان المغفل… لو كنت ذبحني لأخرجت من حويصلتي درتين زنة كل درة عشرون مثقالاَ.
فعض الرجل على شفتيه عضة أدمتهما، وتحسر حسرة شديدة، ونظر إلى العصفور وقد صار على الشجرة، وتذكر شروطه.. فقال بصوت ينزف منه العذاب والتلهف.. هات الحكمة الثالثة.. فقال العصفور باسما ساخرًا:
أيها الإنسان الطماع ! لقد أعماك جشعك فنسيت الاثنتين، فكيف أخبرك بالثالثة؟… ألم أقل لك لا تتحسر على ما فاتك، ولا تُصدق ما لا يمكن أن يكون!.
إن لحمى وعظمی ودهنی وریشى لا يزن عشرين مثقالًا.. فكيف تكون في حويصلتي درتان وزن كل واحدة عشرون مثقالًا؟!.
وكان منظر الرجل مضحكا… لقد استطاع عصفور أن يلعب بإنسان.. والتفت الأب إلى ابنه العصفور الصغير قائلا: والآن رأيت بعينيك ؟!.
فقال الصغير وهو يراقب حركات الرجل ويلاحظ ما به: نعم… لست أدرى هل أضحك منه أو أبكي عليه».
وهكذا، يطير العصفور مخلّفًا وراءه إنسانًا يتخبط في حسرته، كأنما أرادت الحكاية أن تقول لنا إن الله لا يُدرك بلهفة الجشع ولا بطمع النفوس، بل بسلام البصيرة ونقاء الصدر. بين ضحك العصفور وبكائه، تظل العِبرة معلقة في آفاق الروح: إن أرَدْتَ أن ترى الله في بهاء الكون، فعليك أولًا أن تحرّر قلبك من أثقال الدنيا وأوهامها، فالله أقرب إليك من درر الأوهام، وأجمل بكثير من كل ما تحسرت عليه وفاتك.
وهكذا تتدلى الحكاية كغيمة خفيفة على عقل أثقلته المادة، لتتركنا مع صدى ذلك السؤال الصغير المعلق في ذهن العصفور الوليد: أيضحك من عجز الإنسان عن ترويض أطماعه، أم يبكي لغفلته وهو يفتش عن سر الوجود في سراب لا وجود له؟ إن القرابين الحقيقية التي تُقدّم في محراب الحق لا تحتاج إلى ذهب مستحيل أو درر مزيفة، بل إلى قلب سليم تعزّز طمأنينته أن ما فات لم يكن رزقًا، وما كُتب لن يخطئه. وحين يتخلّى الإنسان عن لاهث الجشع، وينظر نظرة صافية إلى الكون، سيجد أن الحكمة الثالثة التي عجز عن سماعها كانت كامنة طوال الوقت في سلام الروح حين ترضى بما قسم الله.
الحكمة الأولى لا تتحسر على ما فاتك، والحكمة الثانية لا تُصدق ما لا يمكن أن يكون، أما الثالثة فلم يسمعها الرجل بسبب جشعه وتحسره
لأن الرجل انشغل بالحسرة والطمع ونسى الحكمتين الأولى والثانية، فقال له العصفور إنه لن يخبره بالثالثة بعد أن غلبه الجشع
الحكاية تقول إن الله لا يُدرك بلهفة الجشع ولا بطمع النفوس، بل بسلام البصيرة ونقاء الصدر والرضا بما قسم الله


