تحمل الحضارة المصرية القديمة بين طياتها الكثير من الأسرار والرموز التي تعكس عمق فكر المصرى القديم وتأمله في الطبيعة من حوله.
ومن أبرز هذه الرموز المعبود سوبك، أو كما يُعرف بـ “الإله التمساح”، والذي حظي بمكانة رفيعة في اللاهوت المصري كرمز لقوة النيل والخصوبة والبعث.
ولم يكن اختيار التمساح كرمز نابعًا من عبادة الحيوان ذاته، بل كان تقديسًا وتجسيدًا لصفات الخالق الكامنة في الطبيعة، وتأكيدًا على الهيمنة والنور لطر د الظلام وحماية حاكم مصر وفراعنتها.
رمزية الإله سوبك في الفكر المصري القديم
على عكس ما هو شائع في بعض الكتابات، لم يعرف المصريون القدماء عبادة الحيوان لذاته، وإنما اتخذوا من الحيوانات رموزًا تعبر عن صفات الإله الخالق وقدرته التي يتأملونها في الكون. وقد تمثل الإله “سبك النتر” في هيئة إنسان برأس تمساح أو في شكل تمساح كامل، يرتدي فوق رأسه شعرًا مستعارًا يزينه الريش وقرص الشمس المحاط بقرنين، أو تاج “الآتف”، ممسكًا بصولجان “الواس” وعلامة “العنخ” “مفتاح الحياة”.
وتجلت حكمة المصرى القديم في مراقبة سلوك التمساح؛ حيث لاحظ أن أنثى التمساح تضع بيضها بدقة في المكان الذي يمثل الحد الأقصى لمنسوب فيضان النيل في ذلك العام، لأنها لا تضع بيضها في الماء ولا تبعده عنه كثيرًا.
هذا التأمل اعتبره الفراعنة غريزة تنبؤية لكشف المستقبل، وهي صفة وثيقة بالذات الإلهية. وفي كتاب الموتى، ارتبط “سوبك” بالملك والفرعون، كما اعتبر رمزًا للشمس المضيئة الشاهدة على الكون، وربطته الأساطير بالثلاثي الأوزيري كمعالج لأوزيريس المتوفى، وحامٍ لأبناء حورس الأربعة.
الفيوم واللشت: أهم مراكز تقديس الإله التمساح
شهدت عبادة الإله سوبك ازدهارًا كبيرًا خلال عصر الدولة الوسطى، مما دفع ملوكها إلى إدراج اسمه في تراكيب أسمائهم الملكية مثل “سوبك حوتب”.
وازدادت هذه الأهمية مع انتقال عاصمة الحكم إلى “إثت-تاوى” “منطقة اللشت الحالية”، والتوجه المتزايد نحو تنمية منطقة الفيوم، التي أصبحت المعقل الرئيسي لتقديس التمساح في مصر القديمة.
وكان المركز الأهم لعبادته في مدينة “شيدت” القديمة “الفيوم حاليًا”، والتي أطلق عليها اليونانيون اسم “كروكوديلوبوليس” أو مدينة التمساح.
وتضم هذه المدينة أقدم بناء باقٍ مخصص للإله سوبك يعود لعصر الأسرة الثانية عشرة، وحظي المعبد بعناية فائقة وترميم في عهد الملك رمسيس الثاني، ثم توسع كبير في العصر البطلمي، حيث تفرغ كهنة المعبد لخدمة الآلهة التماسيح ودفن جثثها المقدسة في بحيرة الإقليم.
معبد قصر قارون وظاهرة تعامد الشمس الفريدة
يعد معبد قصر قارون بالفيوم واحدًا من الشواهد الأثرية الرائعة التي تعود إلى العصر اليوناني الروماني، وقد خُصص المعبد لعبادة الإله سوبك و”ديونيسيوس” إله الخمر والحب عند الرومان.
وحمل المعبد اسم “قصر قارون” في العصور الإسلامية نظرًا لقربه من البحيرة التي حُرف اسمها من بحيرة “القرون” لكثرة الخليجانات بها إلى بحيرة قارون، وهي البقية الباقية من بحيرة “موريس” الفرعونية الشهيرة. ويضم المعبد أقل من مائة حجرة كانت تستخدم قديمًا لتخزين الغلال وحاجات الكهنة.
وتتجلى عظمة العمارة الفلكية المصرية في هذا المعبد من خلال ظاهرة تعامد الشمس على قدس الأقداس.
تم اكتشاف هذه الظاهرة الفريدة في عام 2010 بواسطة فريق من الباحثين الأثريين، حيث رصدوا تعامد أشعة الشمس على قدس الأقداس في يوم 21 ديسمبر من كل عام “وليس في سبتمبر كما اعتقد البعض في البداية نتيجة خطأ رصد مؤقت قبل التدقيق العلمي للجنة الآثار”.
ومنذ التأكد من هذه الظاهرة الفلكية، تٌقيم محافظة الفيوم احتفالية سنوية كبرى في الحادي والعشرين من ديسمبر للاحتفاء بهذا الإنجاز الهندسي الذي يثبت ريادة مصر القديمة في علوم الفلك والعمارة.
22(3)
Sobek
images
كان سوبك رمزًا لقوة النيل والخصوبة والبعث، وارتبط بالملك والفرعون وبالشمس المضيئة الشاهدة على الكون
كان المركز الأهم لعبادته في مدينة شيدت القديمة بالفيوم الحالية التي عُرفت عند اليونانيين باسم كروكوديلوبوليس أو مدينة التمساح
رُصدت الظاهرة يوم 21 ديسمبر من كل عام بعد اكتشافها عام 2010 بواسطة فريق من الباحثين الأثريين


