قال الدكتور القس جيري بيلاي، الأمين العام لمجلس الكنائس العالمي، أن اللاهوت العام لم يعد مجرد مجال أكاديمي أو نقاش نظري، بل أصبح ضرورة لفهم كيفية تجسيد الإيمان المسيحي في الحياة العامة، والتعامل مع الأزمات والانقسامات التي يشهدها العالم.
جاء ذلك خلال كلمة رئيسية ألقاها بيلاي في مؤتمر الشبكة العالمية للاهوت العام، تناول خلالها دور الإيمان المسيحي في مواجهة التصدعات الاجتماعية والسياسية والدينية، مشددًا على أهمية الانتقال من الطرح النظري إلى الممارسة العملية التي تسهم في تعزيز المصالحة والتفاهم بين المجتمعات.
واضاف” بيلاي” إن العالم يعيش مرحلة تتسم بتزايد الانقسامات والتشرذم، موضحًا أن البشر أصبحوا أكثر ابتعادًا بعضهم عن بعض، فيما تتباعد المجتمعات بفعل اختلاف الروايات المتعلقة بالهوية والانتماء، وتتنامى الشكوك بين الدول، وقد تتحول الجماعات الدينية بدورها إلى أدوات للإقصاء بدلًا من أن تكون قوى داعمة للمصالحة.
أزمة المعنى تتفاقم رغم التقدم التكنولوجي.
وأشار الأمين العام لمجلس الكنائس العالمي إلى أن البشرية تواجه، بالتوازي مع الانقسامات المتزايدة، أزمة عميقة تتعلق بالمعنى والغاية من الحياة.
وأوضح أن التقدم التكنولوجي لا يؤدي بالضرورة إلى تقدم أخلاقي، كما أن زيادة وسائل الاتصال والترابط بين البشر لا تعني بالضرورة تعميق الروابط الإنسانية بينهم.
وتعكس هذه المفارقة، بحسب بيلاي، أحد أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة، إذ تتزايد القدرة على التواصل وتبادل المعلومات، بينما تستمر الانقسامات الاجتماعية والثقافية والدينية، وتتراجع في بعض السياقات فرص التفاهم والتضامن.
وفي هذا الإطار، شدد على أهمية اللاهوت العام بوصفه مجالًا يبحث في دلالات الإيمان المسيحي داخل واقع الحياة العامة، وليس باعتباره نشاطًا فكريًا منفصلًا عن القضايا التي تشغل المجتمعات.
ما دور اللاهوت العام في عالم منقسم؟
طرح بيلاي تساؤلًا محوريًا بشأن طبيعة اللاهوت العام المطلوب في ظل الانقسامات الراهنة، قائلًا إن التحدي لا يتمثل فقط في إيصال الصوت المسيحي إلى المجال العام، بل في تحديد طبيعة الحضور الذي يجسده المسيحيون داخل المجتمع.
وأوضح أن اللاهوت العام لا ينبغي أن يتحول إلى برنامج منفصل أو نشاط معزول عن الواقع، بل يجب أن يرتبط بالتحديات الفعلية التي تواجه البشر، وأن يسهم في معالجة أسباب الانقسام وتعزيز فرص المصالحة.
كما أشار إلى وجود اختلاف جوهري بين اللاهوت العام والمناصرة السياسية، في إشارة إلى أن دور اللاهوت لا يقتصر على تبني مواقف بشأن قضايا عامة، بل يمتد إلى التساؤل عن القيم والمبادئ التي تحكم الحياة المشتركة، وكيفية تجسيد الإيمان في الممارسات والعلاقات داخل المجتمع.
ويضع هذا التصور مسؤولية على المؤسسات والجماعات المسيحية لتقييم طبيعة حضورها العام، ومدى إسهامها في تعزيز الحوار والتقارب، بدلًا من الاكتفاء بإعلان المواقف أو تقديم الخطابات النظرية.
رسالة الكتاب المقدس تتجاوز الروحانية الفردية.
وأكد بيلاي أن الرواية الكتابية لا تقدم الخلاص باعتباره تجربة فردية محصورة في الروحانية الخاصة، بل تربطه أيضًا بالعلاقات بين البشر وبحياة الجماعات.
وقال إن العهد الإلهي يتصل بالمجتمعات، وهو ما يطرح تساؤلًا بشأن طبيعة الحضور الذي يجسده المسيحيون في المجال العام، ومدى انعكاس إيمانهم على تعاملهم مع الآخرين والقضايا المشتركة.
وفي ضوء ذلك، دعا إلى النظر إلى اللاهوت العام باعتباره مدخلًا لفهم مسؤولية الإيمان في الحياة الاجتماعية، بما يشمل التعامل مع الاختلافات، ومواجهة الإقصاء، والعمل على بناء مجتمعات أكثر قدرة على الحوار والتعايش.
ويبرز هذا الطرح أهمية الربط بين المعتقدات الدينية والسلوك العملي، بحيث لا يظل الإيمان محصورًا في الممارسات الفردية، بل يمتد أثره إلى العلاقات الاجتماعية والمواقف من القضايا العامة.
أزمات عالمية تتطلب تعاونًا يتجاوز حدود الدول
ولفت الأمين العام لمجلس الكنائس العالمي إلى أن البشرية تواجه أزمات لا تستطيع أي دولة أو مؤسسة التعامل معها بمفردها، في وقت تتزايد فيه أوجه الترابط العالمي بالتزامن مع استمرار الانقسامات.
وأوضح أن العالم أصبح أكثر اتصالًا من أي وقت مضى، لكنه لا يزال يعاني من مستويات متزايدة من التباعد والانقسام، معتبرًا أن هذا التناقض يمثل أحد التحديات الأساسية أمام اللاهوت العام في العصر الراهن.
وتشير هذه الرؤية إلى ضرورة التعامل مع الأزمات المعاصرة من منظور يتجاوز الحدود الوطنية والمؤسسية، مع التركيز على القضايا المشتركة التي تؤثر في المجتمعات، وأهمية التعاون والحوار في مواجهتها.
ضرورة مواجهة أسباب الانقسام داخل المجال العام
وشدد بيلاي على أن اللاهوت العام يجب ألا يكتفي بالدخول إلى مجال عام قائم بالفعل والتفاعل مع قضاياه، بل يتعين عليه أيضًا أن يفحص بصورة نقدية القوى والعوامل التي تؤدي إلى تفتيت الحياة العامة نفسها.
ويعني ذلك، وفقًا لطرحه، أن دور اللاهوت لا يقتصر على تقديم إجابات دينية عن المشكلات القائمة، بل يشمل دراسة الظروف التي تعمق الانقسامات وتضعف الروابط بين الأفراد والجماعات.
واختتم بيلاي طرحه بالتأكيد على أهمية تطوير مقاربة للاهوت العام تستجيب لتعقيدات العالم المعاصر، وتربط الإيمان المسيحي بقضايا الإنسان والمجتمع، بما يعزز فرص الحوار والمصالحة في عالم تتزايد فيه الانقسامات وتتراجع فيه مساحات التفاهم المشترك.
قال إن اللاهوت العام لم يعد مجرد مجال أكاديمي أو نظري، بل ضرورة لفهم تجسيد الإيمان المسيحي في الحياة العامة ومواجهة الأزمات والانقسامات
أوضح أن التقدم التكنولوجي وزيادة وسائل الاتصال لا يعنيان بالضرورة تقدمًا أخلاقيًا أو تعميقًا للروابط الإنسانية، بينما تتفاقم أزمة المعنى والغاية من الحياة
يرى أنه يجب أن يرتبط بالتحديات الفعلية ويعالج أسباب الانقسام ويعزز المصالحة والحوار والتعايش بدلًا من أن يكون نشاطًا معزولًا أو خطابًا نظريًا


