غالبا ما يُنظر اليوم إلى مسيرة مصر النووية من خلال مشروع محطة الضبعة النووية، إلا أن علاقة مصر بالعلوم النووية بدأت قبل ذلك بعقود، وربما كانت بعض أكثر تطبيقاتها تأثيرًا في حياة المواطنين مرتبطة منذ البداية ليس بإنتاج الكهرباء، وإنما بالطب.
فعلى مدى أكثر من ستة عقود، عملت مصر على بناء قدراتها العلمية في مجال البحوث النووية، بدءًا من تشغيل أول مفاعل بحثي في أنشاص، ثم التوسع لاحقًا في إنتاج النظائر المشعة والبحث العلمي والتعليم والتدريب. وتكتسب هذه الخبرة المتراكمة أهمية خاصة اليوم، لأن الطب النووي لم يعد مجالًا تجريبيًا محدود الاستخدام، بل أصبح يدخل عالميًا مرحلة جديدة تتزايد فيها أهمية تقنيات التصوير المتقدم والمستحضرات الصيدلانية الإشعاعية و التشخيصية الموجّهة وعلاجات الأمراض المعقدة.
ومن ثم، فإن الفرصة أمام مصر لا تتمثل في البدء من الصفر، وإنما في الربط بين قاعدة علمية قائمة بالفعل وبين بنية تحتية سريرية حديثة، وشراكات دولية في مجال التكنولوجيا، وجيل جديد من الكوادر المتخصصة.
ويقدم الطب النووي إمكانات تختلف جذريًا عن تقنيات التصوير التقليدية. فتقنيات مثل PET/CT وSPECT/CT لا تقتصر على إظهار التركيب التشريحي للعضو، وإنما يمكنها الكشف عن كيفية عمل الأنسجة على المستويين الجزيئي والخلوي. ويسمح ذلك باكتشاف المرض في مراحل مبكرة، وفهم سلوكه البيولوجي بصورة أكثر دقة، وربط التشخيص بصورة متزايدة بالعلاج من خلال المجال المتنامي لما يُعرف بـالتشخيص والعلاج الموجّه (Theranostics).
وتؤكد الوكالة الدولية للطاقة الذرية سلامة تطبيقات الطب النووي، كما تتعاون منذ سنوات طويلة مع منظمة الصحة العالمية في مجال الاستخدامات الطبية للتقنيات الإشعاعية. ويشير الخبراء إلى أن الإجراءات التشخيصية باستخدام النويدات المشعة تتميز بمستويات منخفضة جدًا من الطاقة الإشعاعية.
فعلى سبيل المثال، عند إجراء فحص باستخدام التكنيشيوم-99m، يمكن أن تكون جرعة الإشعاع التي يتعرض لها المريض أقل بنحو مرتين إلى ثلاث مرات مقارنةً بالتصوير المقطعي المحوسب لمنطقة تشريحية واحدة. وفي الوقت نفسه، يتميز الفحص بسهولة إجرائه وسلامته للمريض، فضلًا عن القيمة التشخيصية العالية للمعلومات التي يوفرها.
وتكتسب هذه الإمكانات أهمية خاصة في علاج الأورام، حيث يمكن للمستحضرات الصيدلانية الإشعاعية التعرف على أهداف بيولوجية محددة داخل الجسم، وفي بعض الحالات إيصال جرعات علاجية من الإشعاع مباشرة إلى الخلايا المصابة، مع الحد من تعرض الأنسجة السليمة المحيطة.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في بناء المنظومة المتكاملة المحيطة بها. فلا يمكن لخدمات الطب النووي أن تحقق كامل إمكاناتها من خلال أجهزة التصوير وحدها. فهي تحتاج إلى إمدادات موثوقة من النظائر المشعة والمستحضرات الصيدلانية الإشعاعية، وقدرات في مجال السيكلوترون والصيدلة الإشعاعية، وخبرات في الفيزياء الطبية والسلامة الإشعاعية، وأنظمة صارمة لمراقبة الجودة، إلى جانب أطباء وفنيين متخصصين ومنظومة لوجستية فعالة. كما أن العديد من النظائر الطبية تتميز بقِصر عمرها النصفي، وهو ما يجعل الإنتاج المحلي وسلاسل الإمداد شديدة التنسيق عنصرين أساسيين في استدامة الخدمات الطبية.
وهنا تحديدًا تمنح القدرات القائمة في مصر ميزة استراتيجية مهمة. فمصر تمتلك خبرات ممتدة من خلال مركز البحوث النووية في أنشاص، والمفاعلات البحثية، ومنشآت إنتاج النظائر المشعة، والجامعات والمستشفيات، فضلًا عن أجيال من الخبراء المصريين في المجالات النووية والطبية. وبالتالي، لم تبنِ مصر بنية تحتية فحسب، بل راكمت أيضًا معرفة علمية متخصصة، وهي في مثل هذه المجالات الدقيقة غالبًا ما تكون الأصعب في بناؤها.
وتتمثل الخطوة التالية في ربط هذه القدرات بصورة أوثق بالمنظومة الصحية. وتشير أوجه التعاون الأخيرة بين مصر وروساتوم إلى التحرك في هذا الاتجاه، ففي 17 يونيو 2026، وقّعت شركة Rosatom Construction Technologies وهيئة الرعاية الصحية المصرية اتفاقية تعاون لدراسة إنشاء مركز حديث للطب النووي في مصر.
ويتضمن التصور المقترح للمركز منشأة لإنتاج المستحضرات الصيدلانية الإشعاعية في الموقع مزودة بمجمع سيكلوترون، إلى جانب قسم للتصوير الجزيئي مزود بأنظمة PET/CT وSPECT/CT، وقسم للعلاج بالنويدات المشعة.
ويمكن أن تصل الطاقة الاستيعابية المقترحة إلى نحو 30 ألف فحص تشخيصي و400 مريض للعلاج بالنويدات المشعة سنويًا.
وتكتسب هذه الاتفاقية أهمية خاصة لأنها تعكس نهجًا متكاملًا بدلًا من الاكتفاء بشراء تقنيات أو أجهزة منفردة. فالإنتاج والتشخيص والعلاج يجري النظر إليها باعتبارها أجزاء من منظومة واحدة، بما يقلل الاعتماد على سلاسل لوجستية خارجية معقدة، ويتيح في الوقت نفسه إمكانية بناء قدرات سريرية وعلمية وتدريبية حول منصة متكاملة.
كما يمتد التعاون بين روسيا ومصر بالفعل إلى مجال توريد المستحضرات والمواد المستخدمة في الطب النووي. ففي عام 2024، قامت مؤسسة روساتوم الحكومية للمرة الأولى بتوريد كلوريد اللوتيتيوم-177 إلى مصر، وهو أحد أكثر المواد الأولية طلبًا عالميًا في إنتاج المستحضرات الصيدلانية الإشعاعية المستخدمة في العلاج الموجّه.
ويُستخدم اللوتيتيوم-177 كأساس لإنتاج مستحضرات علاجية تستخدم في علاج سرطان البروستاتا والأورام العصبية الصماوية وغيرها من الأمراض. وتكتسب هذه النظائر أهمية متزايدة في العلاجات الموجّهة لبعض أنواع السرطان، حيث تسمح باستهداف الخلايا المصابة بدرجة عالية من الدقة.
ويمثل ذلك جزءًا من محفظة أوسع لروساتوم في مجال الرعاية الصحية. إذ يتم توريد منتجات الشركة من النويدات المشعة إلى أكثر من 50 دولة، كما يُجرى سنويًا نحو 2.5 مليون إجراء تشخيصي وعلاجي حول العالم باستخدام منتجات النظائر المشعة التابعة لروساتوم.
وتشمل مجموعة المنتجات نظائر تقليدية مثل الموليبدينوم-99 والتكنيشيوم-99m واليود-131، إلى جانب جيل جديد من النظائر المستخدمة في المستحضرات الصيدلانية الإشعاعية، من بينها اللوتيتيوم-177 والأكتينيوم-225 والتيربيوم-161.
وتستحق تجربة مركز البحوث والتطوير في مجال التكنولوجيا النووية بمدينة إل ألتو في بوليفيا اهتمامًا خاصًا، حيث وصل المشروع إلى مراحله النهائية من التنفيذ. وقد بلغ مجمع السيكلوترون التابع للمركز بالفعل طاقته الصناعية الكاملة، موفرًا الأساس التكنولوجي لإنتاج مجموعة واسعة من المستحضرات الصيدلانية الإشعاعية.
ويتيح ذلك للأطباء في بوليفيا استخدام تقنيات متقدمة للتشخيص والعلاج النووي، بما يسهم في تحسين جودة علاج الأورام داخل البلاد دون الحاجة إلى سفر المرضى إلى الخارج. وعند تشغيله بكامل طاقته، يمكن للمجمع توفير المستحضرات الصيدلانية الإشعاعية لنحو 5 آلاف مريض سنويًا.
كما تتيح مثل هذه المراكز متعددة الوظائف إجراء تشخيص وعلاج الأورام، ومعالجة المنتجات الزراعية لدعم الأمن الغذائي، وتعقيم الأجهزة الطبية، فضلًا عن إجراء البحوث العلمية ودراسة خصائص المواد المختلفة وتدريب المتخصصين في القطاع النووي في بوليفيا.
ولا تتمثل أهم الدروس المستفادة من تجربة بوليفيا في ضرورة استنساخ النموذج ذاته في دول أخرى، وإنما في أن بناء منظومة مستدامة للطب النووي يتطلب أكثر من مجرد توفير المعدات. فالإنتاج المحلي والبنية التحتية والكوادر المؤهلة والخدمات السريرية يجب أن تتطور معًا بصورة متوازية.
وتمتلك روساتوم الخبرات والقدرات اللازمة لإنشاء المنشآت الطبية المتكاملة وفق نموذج تسليم المشروعات الجاهزة للتشغيل.
كما تعمل حاليًا شركة Rosatom RDS بالتعاون مع NIIEFA على تطوير قطاع السيكلوترونات، بما في ذلك تصميم نموذج قياسي لسيكلوترون مخصص للاستخدامات الطبية والمشاركة في مشروعات ومنافسات دولية في هذا المجال.
وبالنسبة إلى مصر، يتماشى هذا النهج بصورة طبيعية مع رؤية مصر 2030، التي تضع التنمية المستدامة وتحسين جودة الحياة في صميم أجندة التنمية طويلة الأجل للدولة.
كما يرتبط بصورة مباشرة بأهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، وفي مقدمتها الهدف الثالث: الصحة الجيدة والرفاه، بما يشمل الحد من الوفيات المبكرة الناجمة عن الأمراض غير السارية وتوسيع نطاق الوصول إلى خدمات صحية عالية الجودة.
ويمتد هذا الارتباط إلى أهداف أخرى كذلك، إذ يسهم تطوير الإنتاج المحلي للمستحضرات الصيدلانية الإشعاعية والبنية التحتية المتخصصة والخبرات العلمية في دعم الهدف التاسع المتعلق بالصناعة والابتكار والهياكل الأساسية، بينما تعكس شراكات التكنولوجيا ونقل المعرفة الدولية مبادئ الهدف السابع عشر المتعلق بعقد الشراكات لتحقيق الأهداف.
ومع ذلك، لن يصبح الطب النووي عنصرًا تحويليًا حقيقيًا في منظومة الرعاية الصحية المصرية إذا ظلت الخدمات المقدمة متركزة في عدد محدود من المراكز الكبرى فقط.
وينبغي أن يتمثل الهدف طويل الأجل في إنشاء شبكة متكاملة تستطيع فيها المراكز المتخصصة دعم المستشفيات في مختلف الأقاليم، مع ضمان إمدادات أكثر موثوقية من المستحضرات الصيدلانية الإشعاعية، وتوفير برامج تدريب مستمرة للكوادر الطبية، وتمكين المرضى من الوصول إلى خدمات التشخيص والعلاج المتقدم دون عوائق جغرافية غير ضرورية.
ومن هذا المنطلق، ينبغي النظر إلى الدور المحتمل لروساتوم في إطار أوسع من مجرد توريد التكنولوجيا. فخبرتها يمكن أن تسهم في تصميم وهندسة منشآت متكاملة للطب النووي، وتطوير قدرات إنتاج المستحضرات الصيدلانية الإشعاعية، وضمان إمدادات موثوقة من النظائر، وتوفير المعدات المتخصصة، والتدريب والخبرات في مجال السلامة الإشعاعية ونقل المعرفة.
وعند دمج هذه القدرات مع المؤسسات العلمية المصرية وخبرات الكوادر الطبية المحلية، يمكن تسريع الانتقال من خدمات متقدمة لكنها متفرقة إلى منظومة وطنية أكثر تكاملًا للطب النووي.
فمصر تمتلك بالفعل ما تحتاجه كثير من الأسواق الناشئة في مجال الطب النووي: قاعدة علمية، وخبرات بشرية متراكمة، وتاريخ طويل من البحث والتطبيقات النووية.
وإذا نجحت مصر في الربط بين خبراتها النووية المتراكمة والبنية التحتية الصحية الحديثة والإنتاج المحلي والتعاون الدولي والاستثمار المستدام في رأس المال البشري، فقد يتحول الطب النووي من مجرد تخصص طبي دقيق إلى عنصر رئيسي في استراتيجية الدولة الأوسع في مجالات الصحة والابتكار.
وفي النهاية، لن يُقاس نجاح الطب النووي بعدد أجهزة التصوير التي تم تركيبها أو كمية النظائر التي تم إنتاجها، بل بمؤشر أكثر أهمية وتأثيرًا: كم عدد المرضى الذين حصلوا على تشخيص مبكر، وعلاج أكثر دقة، وفرصة أفضل للوصول إلى رعاية صحية متقدمة لأن التكنولوجيا كانت متاحة لهم في الوقت الذي احتاجوا إليها فيه.
الاتفاقية وقعتها شركة Rosatom Construction Technologies وهيئة الرعاية الصحية المصرية لدراسة إنشاء مركز حديث للطب النووي يضم إنتاج المستحضرات الصيدلانية الإشعاعية ومجمع سيكلوترون وأقسام التصوير والعلاج بالنويدات المشعة
التصور المقترح يشير إلى قدرة تصل إلى نحو 30 ألف فحص تشخيصي و400 مريض للعلاج بالنويدات المشعة سنويًا
اللوتيتيوم-177 يعد أحد أهم المواد الأولية المستخدمة عالميًا لإنتاج المستحضرات الصيدلانية الإشعاعية الخاصة بالعلاج الموجّه ويستخدم أساسًا لعلاج سرطان البروستاتا والأورام العصبية الصماوية وغيرها


