كإعلان رديء يتدلى على هامش الطريق، يعبره المارة دون أن تلتقطه أعينهم، ولا يلتفت إليه إلا أولئك الذين أضلهم فضولهم عن وجهتهم.

كمقعد متهالك على شاطئ مزدحم، يتوسط الصفوف الأولى، ويحظى بموضع استراتيجي يحسده عليه غيره، غير أن حضوره لا يغير شيئا، وغيابه لا يُنقص شيئا، مجرد حيز مستهلك في مشهد لا يحتاج إليه.

كسيجارة أشعلها صاحبها من طرفها الخطأ، فلما أفسدها سوء الاستعمال لعنها وألقى بها على قارعة الطريق، ثم أشعل أخرى دون أن يلتفت إلى ما أضاعه، أو يتساءل إن كان العطب فيها أم في يده التي لم تُحسن الإمساك بها.

كمقطوعة ابتدأها عازفها بلحن شجي، وانحنى على أوتارها كأنّه يودع فيها ما عجز عن قوله، ثم باغته الموت قبل أن يبلغ منتهاها، فاختلطت أنغامها الأخيرة بنشاز مبتور، وسُجلت على نغمتها الناقصة حكاية حياته وموته، ولم تعد تُستدعى بعد ذلك إلا في مواسم التأبين، حين يبحث الآخرون عن موسيقى تليق بغياب أصحابها.

كسحابة شديدة السواد، تحمل خفة الاسم وثقل المعنى، تُرهب من تُلقي بظلها عليهم، فلا يرجون من عبورها مطرا ولا حياة، بل سلامة تُخلصهم من وطأتها، وفراغا تستعيد فيه السماء زرقتها.

كشجرة استظل بظلها مُرتحل أنهكه الطريق، فأوى إليها وأراح رأسه تحت أغصانها، ثم هز جذعها رجاء ثمرة تُقيم أوده، فما أسقطت عليه إلا أمرّها وأردأها، فنهض عنها ومضى يبحث عن شجرة أخرى، تاركا خلفه جذعا لا يعرف إن كان قد خذله أم أن عطبه كان أعمق من أن تُبصره عين عابرة.

ككل الأشياء التي لم تكتمل، كالنصوص التي ينفد حبر أصحابها في منتصف جملة بديعة، فتظل معلقة عند حافة المعنى، لا هي بلغت غايتها فتُروى، ولا هي انقطعت قبل أن تكشف عن جمالها فتُنسى، وإنما بقيت هناك في منطقة رمادية لا يُنصفها الاكتمال ولا يرحمها النقص.

تُطاردها سطوة النهاية المبتورة، وتُلاحقها وصمة اللافائدة، ويُحاكمها العالم بما لم تبلغه، لا بما احتوته، حتى ليبدو كأن أصالة الجوهر لا تكفي، وأن النبل الذي لا يفضي إلى غاية، والجمال الذي لا يترك أثرا، والمحاولات التي لا تبلغ نهاياتها، كلها أشياء قابلة للإدانة لمجرد أنها لم تُحسن الوصول.

وهكذا قد لا يُهزم الشيء لرداءته، ولا يُطرح جانبًا لافتقاره إلى الجمال، بل لأنه لم يبلغ الصورة التي انتظرها منه الآخرون، فيُترك على قارعة الحياة، ناقصا في أعينهم، مستهلكا في حساباتهم، كأن ما كان فيه من أصالة لم يكن يوما كافيا ليمنحه حق البقاء.

ولعل أكثر ما يُوجع الأشياء ليس أن تفقد قيمتها، بل أن تظل محتفظة بها في جوهرها، بينما يمضي العالم من حولها كأنه لم ير فيها شيئا يستحق الالتفات.

الأسئلة الشائعة

يتناول النص فكرة الأشياء والنصوص التي لم تكتمل وكيف تُدان لأنها لم تبلغ نهايتها رغم احتفاظها بجوهرها وقيمتها

يرى النص أن العالم يحاكمه بما لم يبلغه لا بما احتواه بالفعل ويضعه في خانة اللافائدة والنقص

أن أكثر ما يؤلم الأشياء ليس فقدان قيمتها بل استمرار هذه القيمة فيها بينما يتجاهلها العالم ولا يلتفت إليها